د يحيى مصطفى كامل في مفارقةٍ ليست الأولى من عمر ثورةٍ ملأى بالمتناقضات تقل جدية عملية الترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات القريبة والمرتقبة، لا يعني ذلك أن المشهد على الساحة السياسية المصرية بات أقل سخونةً أو أن جمهور غير المسيسين لا يتابعه بشغف، ولكنى أراهم يفعلون ذلك بعقل وقلب من يتابع مسلسلاً شيقاً على التلفاز فهو منتبهٌ لأدق تفاصيله حافظٌ لأسماء كل شخوصه بما يصدر عنهم من أقوالٍ وأفعال بالإضافة إلى ما يستجد عليهم و ما تسفر عنه الأحداث من تفاعل وحكاوي… إلا أنه لا يؤمن بجدية أو مصداقية ما يرى فهو في نهاية المطاف متفرج، يدرك أن عقلاً وإرادةً (في هذه الحالة المؤلف و المخرج) ترسم القصة والحبكة… بالطبع هناك القوى السياسية والائتلافات بمحاولاتها للاحتجاج والانتفاض على سرقة الثورة وإهدارها، إلا أن مجمل الأحداث، حتى الآن على الأقل، يمضى بها من ضعفٍ إلى ضعف، ومن استعصاءٍ إلى ترهل ومن دراما جادة إلى ملهاة، ولا نستثني من ذلك الجماعة التى لم تعد محظورة… لوهلةٍ بدت وكأنها الفائز المكتسح حتى اغترت بما بدا لها من قوتها فاستبدت بها شهوة السلطة الطاغية و غلبتها رغبة الاستحواذ على كل شيء فانتهت بغباءٍ شديد حيث أُريد لها أن تكون مما سآتي إلى تفصيله.
في البداية لا مفر من الاعتراف بأن صورة المعركة الانتخابية التي تقذف في وجوهنا بمفاجأةٍ تلو أختها أضحت هزلاً مضافاً إلى عبث ألأسماء الأبرز والأشهر، تلك التي ملأت تياراتها ومناصروها الدنيا ضجيجاً عنها طوال الشهور الماضية وأُفردت لها ولمشاريعها المطروحة و تصريحاتها، ثم لمناقشة ترشحها المساحات الإعلامية الأوسع تتساقط كالذباب… تُركت إلى أن حانت ساعة الجد، حتى اللحظة الأخيرة، ثم برزت تفاصيل وحقائق وإشاعات واتهامات تتعلق بحياتهم الشخصية وظروفهم القانونية تحرمهم من المنافسة على الكرسي المقدس والظفر به… بدأت بـ’الشيخ’ حازم صلاح ابو اسماعيل، إذ بعد أن قدم أوراقه في زفةٍ انتخابيةٍ احتلت شوارع العاصمة و كانت أشبه باستعراض قوة ‘اُكتشف’ أن والدته تحمل الجنسية الأمريكية و هو الأمر الذي يحرمه من الترشح، ثم أتبع ذلك بطلان ترشح د أيمن نور نظراً لقضية توكيلات مجلس الشعب التي سجن بسببها مما يحرمه من الترشح لمدة ست سنوات… وهو نفس المصير الذي يتهدد حملة ترشح المهندس خيرت الشاطر ممثلاً لجماعة الإخوان المسلمين التي لم لم تهنأ بمفاجأتنا باختياره مرشحاً حتى فاجأها النظام باحتمال حرمانه مما سيبت في شأنه القضاء قريباً، فما كان منها إلا أن أعلنت عن ترشح د محمد مرسي ‘احتياطياً’ مما يذكرني شخصياً بالدولاب الاحتياطي للسيارة وأخيراً وليس آخراً في مسلسل المفاجآت الهزلية جاء قرار السيد عمر سليمان بالترشح بعد أن كان أعلن عدم عزمه على ذلك. أحداثٌ تبدو محيرةً للبعض و هزليةً للجميعاللافت فيما حدث مع المرشحين الإسلاميين أن ذلك يأتي بعد أن كان يبدو أن لحظتهم قد حانت وأن الزمن زمنهم والساحة مفتوحة لهم، كيف لا وحضورهم في المجالس النيابية طاغٍ فهم كانوا يستعدون لصياغة الدستور مقصين غيرهم من الأطراف والقوى استناداً إلى ما يرونه شرعية أغلبيتهم في البرلمان… لقد صدقوا، وهم المخضرمون الذين من المفترض أن تكون ثمانون سنة في معترك السياسية قد صقلتهم، أن النظام قد سقط بسقوط مبارك، وأن العسكر مستعدون للتنازل لهم عن جزءٍ من الكعكة نظير ما وفروه لهم من غطاءٍ ومشروعية مكنتهم من الانقضاض على صامدي الثوار الذين لم تخِل عليهم التمثيلية فأصروا على استكمال الثورة… لعله من قبيل السذاجة المفرطة أو حسن النية الصافي الذي يثاب بالجنة تصور أن ما يجري محض تطورٍ للأحداث لا تخطيط وراءه ودون أدنى تدخل، إلا أنني على الرغم من عدم حماسي لنظرية المؤامرة أجزم بأن كل ما نراه من تسلسل أحداث هزلي بل و غرائبي ليس اعتباطياً وإنما مراحل وتجليات لخطةٍ محكمة تهدف إلى احتواء الحراك الثوري مذ تأكدت جدته وعمقه وخطورته، وقد تم العمل بمقتضى هذه الخطة على عدة محاور:
أولها، كما أكدت مراراً، كان التخلص من مبارك و حلقته المرفوضة بل الممقوتة جماهيرياً… لقد بات حينها مؤكداً بما يتخطى الشك أن مباركاً قد استنفد أغراضه بالنســــبة للنظام و عرابه الأمريكي وصار ورقةً محروقة، سيما أن المرض أو السن أو كليهما كانا سيغيبانه قريباً، وبالتالي فما تم دفنه بدقة كــــان مشروع التوريث الموشك على التنفيذ… لقد كان ذلك بمثابة ‘تشذيب’ النظام لأطرافه الميتة و التخلص من حمولة قليلة القيمة لينجو المركب من الغرق.. أما ثاني المحاور فكان التظاهر بالاستجابة لمطالب الإصلاح السياسي، حيث تم الاعتراف بالجميع بل و حتى الاحتفاء بالقتلة من قبل إعلامٍ ليس بعيداً عن النظام… لقد ركضت كل الأطراف وراء قطار الانتخابات و اللجان و مواد الدستور حتى انقطعت أنفاسهم تصوراً بأن المستقبل القريب ديمقراطي لا محالة… ثالث المحاور تمثل في تحالف النظام ممثلاً في المجلس العسكري مع التيار الإسلامي وتحديداً الجماعة المحظورة، للأمانة لعل تلك إحدى خطوات النظام الأكثر توفيقاً، فالجماعة كانت مترددةً منذ البداية فلم تنضم للثورة إلا متأخراً بعد أن تأكدت من جديتها ومن حتمية سقوط مبارك، كما أن تاريخها حافلٌ بما يؤكد نفورها من العمل في جبهاتٍ مع غيرها من الفصائل والأهم من ذلك إدمانها للرهان على السلطة وعقد الصفقات المنفردة معها بالإضافة إلى كون أعضاؤها ومريدوها هم الأكثر عددا بين الفصائل جميعاً… لقد ضرب النظام عدة عصافير بحجرٍ واحد، فمن ناحية ضرب مفتتاً التكتل المعارض بتحالفٍ مع فصيلٍ جشع مستعد لغض الطرف عن جرائمه بل و شرعنتها بينما ينفرد هو بتصفية الباقين، ومن ناحيةٍ أخرى فضح الجماعة (والسلفيين إلى حدٍ بعيد) وعرى إفلاسها و انتهازيتها و نهمها للسلطة أمام الجمهور بعامة و أمام شبابها والمتعاطفين معها على وجه الخصوص، ولعل الأهم من كل ما سبق أن النظام ترك لهم وللسلفيين المجال للحديث بحرية عن تصوراتهم لشكل المجتمع المستقبلي مما أشاع رعباً في قطاعاتٍ عريضةٍ ما تني تتسع من ظلامية ودموية أطروحاتهم… رابعاً: السماح أو بالأدق العمل على إشاعة حالة من الانفلات الأمني والفوضي تقابلها رخاوة متعمدة في التعامل مع حوادث البلطجة والتسيب بما أودى بالقليل من الشعور الأمان الذي كان متبقياً لدى الجمهور.
أما خامساً فكان إغراق الثورة في طوفان من الفضائيات تبث ما لا حصر له من التحليلات والأخبار المرسلة لجمهورٍ كان في البداية متعطشاً للفهم الذي انحط الآن إلى الرغبة في النميمة. سادساً: يتم كل ذلك على خلفيةٍ من الطبل و الزمر عن الخراب الاقتصادي الوشيك واحتياطي النقد الأجنبي المتناقص.
لقد نجح النظام عبر كل ما سبق من احتواء الثورة و تمييعها و من ثم إيصال الشارع إلى حالة من الإرهاق و اليأس والإحباط والكفــــر بالثورة بعد عامٍ من عمرها امتلأ بالحراك والصراع والصراخ و الحديث دون أية نـــتائج إيجابية ملموسة على الأرض.
لقد أثبتت مهزلة الترشح و المرشحين للرئاسة أن من يظن أن النظام قد سقط أو انهار واهمٌ، واهمٌ، واهم… فقد تبين أنه، وبصفةٍ خاصة ‘جهات’ أو ‘هيئات’ مستترة و عميقة في صلب تكوينه كانت تراقب وتدبر وتدير هذه المرحلة يشفع عملها كل موارد النظام المالية والامنية والاستخباراتية ومستشارون سياسيون وأكاديميون في الداخل والخارج… إن النظام الذي استثمر في الفساد ترك الحبل على الغارب وهو يعلم من أمر كل مرشح ما يحتاجه ليضرب ضربته في الوقت المناسب بما يحرق هذا المرشح إما لسببٍ قانوني فقط أو بما يفضح كذبه ونفاقه على الملأ أيضاً فإذا بهم يتساقطون كالذباب التافه عديم الوزن.
إن الثورة، تلك التي تسقط النظام وتنشئ آخر بانحيازاتٍ اجتماعية واقتصادية وبنيةٍ اجتماعيةٍ جديدة لم تحدث بعد في مصر… فالنظام ما زال قائماً وقد استغل الفترة السابقة من التظاهر بالاستجابة للتغيير في ترميم نفسه و حرق خصومه.
مازالت المعركة في مراحلها الأولي والأيام المقبلة ستكون أكثر سخونة… وتسلية.’ كاتب مصري