مصائر الرواية المصرية وافاقها بعد نجيب محفوظ غ3ف مثلما لم يمت الشعر بعد هوميروس فلن تموت الرواية بعد محفوظ
مصائر الرواية المصرية وافاقها بعد نجيب محفوظ غ3ف مثلما لم يمت الشعر بعد هوميروس فلن تموت الرواية بعد محفوظالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: وهو بصدد الحديث عن الخصائص النوعية للرواية، يقول الناقد ابراهيم فتحي في مقدمة كتابه نجيب محفوظ بين القصة القصيرة والرواية الملحمية : ان الأنواع الأدبية المكتملة وحدها ذات الحدود الخارجية النوعية كاملة التشكيل هي وحدها التي دخلت الأدب باعتباره كلا عضويا منظما علي نحو تراتبي، فالرواية لم تكتسب قط سمات نهائية تحددها كالأنواع الأخري مهما بذلت من محاولات لادماج كل أشكالها الفرعية الممكنة في تعريف تلفيقي واحد، لقد ظلت الرواية المصرية والرواية عند محفوظ نوعا أدبيا في طور التكوين لم تنغلق في نسق من الخصائص المميزة، بل ظلت شديدة المرونة والتفتح تدمج داخلها أنواعا فرعية أخري من شعر وحكاية ودراما بعد أن تهضمها وتعيد تشكيلها .الي هنا نتوقف أمام ما قاله الناقد ابراهيم فتحي الذي ينتهي الي هذه المقاربة التي تقطع بالنسبية المفاهيمية للرواية، حتي ونحن أمام اسطورة روائية لها طغيانها الساحر والأخاذ اسمها نجيب محفوظ.فالسؤال الذي تلوكه شفاه كثيرين من مثقفي وكتاب العالم الناطق بالعربية جهرا وعلي استحياء يخلص الي طريقة مسدودة بل مخيفة ومرعبة لأنه يقطع بأن نهاية الرحلة المحفوظية تعني نهاية الرواية، فعلي ما يحمله السؤال خلفه من ميراث ديني وسياسي ثقيل، الا أنه في الوقت نفسه يشير الي الأهمية القصوي التي رسختها الرواية المحفوظية، وذلك عبر تقاليد ظلت تتنامي في عديد من الاتجاهات طيلة ما يقرب من سبعين عاما ظل الرجل يقدم فيها تطوحات روائية شديدة التنوع لدرجة تستعصي علي الحصر.لكن ذلك لم يمنعنا من اخراج السؤال الي مساحة لائقة من العلنية، وان كنا لا نقطع أمامه بشيء، الا أن قبولنا ببقائه قيد السريرة سيعني أننا نوافق علي مصادرة المستقبل لصالح نجيب محفوظ، وهو تصور ـ بلا شك ـ كارثي وخطير يستتبع بالضرورة أن نتوجه لأنفسنا ولروائيينا من الخلف بالتوجه الي اعمال أكثر نفعا من كتابة الرواية.الي هذا الحد من الهزل يمكننا أن نتأمل خطورة السؤال، لذلك قررنا طرحه علي عدد غير قليل من روائيينا ونقادنا من أجيال مختلفة، ورغم التفاوت الواسع الوارد في مذاهب من تحدثوا الينا، الا أن ثمة اصرارا بقي ما بقيت الحياة علي أن تجاهل فعل الزمن يعني أننا أمام خطل كبير، فالزمن المحفوظي ذهب بغير رجعة، وأعقبته أزمنة أكدت لنا أن الصانع تحول بالمنجنيق الي قاذفة وأنه ـ الصانع ذاته ـ لم يترك مبضعه للعراء لكنه سهر علي رعايته فتحول الي شفرة ذكية تقرأ زمنها وهي مغمضة العينين، لذلك سعي من تحدثوا في هذا الاستطلاع الي كشف الفعل الزمني الذي فرض ـ بقوة الواقع ـ رواية مختلفة ومتجاوزة ومهمة. وهنا نص السؤال الذي وجهته القدس العربي للمتحدثين اليها: تشكلت الملامح الروائية للرواية العربية بعد محفوظ بما لا يدع مجالا للمنازعة في أهميتها الجمالية ومع ذلك يوجد بعض النقاد الذين يروجون لمقولة (موت الرواية بعد محفوظ).كيف تري الاضافات النوعية التي طرحتها رواية ما بعد محفوظ؟ وهل تشكل تلك الاضافات مرتكزا لانجاز رواية مختلفة؟ وما رأيك فيما يذهب اليه بعض النقاد بموت الرواية بعد محفوظ .كان هذا هو نص السؤال..وهنا ما قاله المتحدثون:كيف تموت الروايةبعد صانعها؟!د. أحمد الخميسيقاص وروائي بداية الفن لا يموت بعد شخص، فالشعر لم يمت بعد هوميروس وليس هناك شخص يمكنه أن يمنع الحياة من التقدم مهما كان هذا الشخص، والرواية المصرية تقدمت كثيرا بعد محفوظ سواء بعد رحيله، ككاتب، أو توقفه عن الانتاج الكبير منذ حوالي عشرين عاما، وكان أكبر تأثير لنجيب محفوظ خلال الستينيات والسبعينيات ومع ذلك ظهر حتي في تلك الفترة كتاب لا يمكن انكار أهميتهم مثل صنع الله ابراهيم وبهاء طاهر والبساطي وجمال الغيطاني، كل هؤلاء ظهروا في ذروة تأثيره، وبالتالي الرواية لم تمت سواء كان ذلك خلال حياته ولا بعد.والرواية بعده قفزت بالشكل الروائي الي الأمام وحدثته لأن نجيب محفوظ الذي نشأ أساسا علي البناء الكلاسيكي في الرواية المصرية لم يستطع أن يتخلص من هذا التيار في كل أعماله باستثناء أولاد حارتنا ، حتي الروايات التي ظهرت في ثوب مغاير لم تخل من التأثير الكلاسيكي الأوروبي ولم يستطع التخلص ـ في كل الحالات ـ من تلك الأبنية، اذن هو كاتب محافظ، أما الانجاز الروائي الحقيقي لمحفوظ والذين جايلوه فهو انهم قدموا انجازا روائيا كبيرا فتحرروا من وطأة اللغة، البساطي نموذج لهذا التحرر ثم تحرروا من ثقل وثقافة البناء الكلاسيكي، واقتربوا من اللغة اليومية ثم انهم تصدوا للقضايا التي كف محفوظ عن التصدي لها فعندما انتهت أزمته مع فساد النظام الملكي، ثم استبداد النظام الوطني الناصري، انتهت عمليا قضايا محفوظ الكبيرة وهنا تقدمت الرواية المصرية الحديثة مثل صنع الله ابراهيم فأجابت هذه الرواية عن الأسئلة التي لم يجب عليها نجيب محفوظ علي مدي ربع القرن سواء علي المستوي المعرفي أو الجمالي أو الاجتماعي، فهناك رواية مثلا لمحمد توفيق ليلة في حياة عبدالتواب توتو تتعرض في روائية لجيل 1970 ومظاهرات الطلبة، ما شاكل ذلك من قضايا، مثل كثافة الارهاب في حياة المواطن، مثلما قدمه علاء الأسواني في عمارة يعقوبيان .وهناك روائيون جدد مثل حسام فخر وغيره كثيرون، يؤكدون أن الرواية لم تمت لا في حياة نجيب ولا بعده.وكان هذا السؤال أحري به أن يطرح قبل عشرين عاما، عندما توقف محفوظ فعليا عن الكتابة لا أن يطرح الآن بعد موته الفيزيقي، وان كنا لا بد ان نعيد الفضل في الرواية القائمة الي معطف محفوظ كما خرج كل الأدباء الروس من معطف غوغول، حتي لو كانوا قد خرجوا من معطفه ليعارضوه، وكل الروائيين المصريين بعد محفوظ هم أبناء هذا الكاتب.وأري أن السؤال كان يجب أن يكون معكوسا، فمحفوظ هو الذي أعطي الدفعة للرواية فكيف يمكن أن تموت من بعده؟!شجرة محفوظ دائمة الخضرةوشجرتنا كذلكمحمد عبدالسلام العمريقاص وروائي سيبقي نجيب محفوظ وعالمه الروائي مدي العمر مثار جدل عنيف لن تخبو جذوته أبدا، وهذه القضية الشائكة المطروحة الآن، من خلال تجديد ما سبق أن أثير في نهاية ستينيات القرن الماضي، دليل علي ما أقول.في البدء أحب أن أرجع بالقضية المثارة الي جذورها حتي نستطيع أن نجيب علي هذا السؤال: هل نجيب محفوظ عقبة في طريق الروية، والآن القول بموت الرواية بعد محفوظ؟فما الذي حدث في نهاية ستينيات القرن الماضي؟ لقد اثار الناقد والمفكر الكبير رجاء النقاش الذي اعتز به بصفة خاصة هذه القضية، وكان هدفه في المقام الأول بث الحماس والقوة في الأجيال الجديدة فظهر عدد كبير من الروائيين الذين ملأوا الساحة الروائية العربية، بالابداع الفني، وكان رجاء النقاش تساءل هل أصبح نجيب عقبة في طريق الرواية؟وأنا أنحاز بلا تردد الي المناقشات الأدبية والمشاغبات الجادة، واعادة طرح ما طرح سابقا، برؤية أخري جديدة، تختلف بالتأكيد عما كان طرح من قبل ذلك هذه المناقشات تعود بالخير علي الحياة الأدبية نفسها بل ان مظهر الحيوية في أي حياة فكرية هو الحوار والصراع، وتعدد وجهات النظر، والحياة الأدبية الخاملة هي التي تسودها وجهة نظر واحدة جامدة يرددها الجميع، مثل هذه الحياة لا قيمة لها، ولا نفع منها، فالحوار والصراع والاختلافات كلها ضرورات أساسية للحيوية والتجدد.في البداية أود أن أشير الي أن الاجابة عن موت الرواية، أو أن نجيب عقبة في طريق الرواية هي ان هذا غير صحيح بالمرة، فعالم نجيب محفوظ محدد، محدود مسبقا بالحارة، والمقهي المعروفة بأسمائها، مثل الكرنك وخان الخليلي وبين القصرين وقصر الشوق والسكرية، ميرامار. المكان غالبا يحمل أسماء بعض رواياته، لكنه لم يستفد من المكان أو البناء المعماري للمكان، وان كانت كل هذه الأعمال الروائية تندرج اذا جاز التعبير تحت ما يسمي باستاتيكية الرواية، حيث يأخذ أسماء الأحياء، ثم يضع لها الشخصيات المناسبة من مخزونه الذي لا ينضب، والتي يستقيها من الحياة والمقاهي والجرائد، والندوات الي يحرص عليها يومين اسبوعيا علي مدي عشرات السنين، وهكذا عثر الروائي جمال الغيطاني علي ملاحظة هامة لم ينتبه اليها أحد، اذ تبع اسماء الروايات والأماكن والوصف، فوجد ان الرواية شيء والواقع شيء آخر تماما وأن هذا لا يمت الي هذا بأي صلة.هذا العالم لم يسع كل قضايا الوطن، أو كل القضايا الانسانية بل هناك مناطق كثيرة مجمولة لم يتطرق اليها نجيب، كما ان هناك أحداثا وقضايا وحرفا وصراعات، وانساق قيم، لا يعرف نجيب عنها شيئا، ولم يتناولها بالطبع في أعماله، وكانت علي سبيل المثال، هجرات السبعينات والثمانينات والتسعينات الي دول الخليج في القرن الماضي لغزا لنجيب لم يستطع ان يفك شفرته، ولم يتناوله في أعماله، رغم انه ملاحظ دقيق لكل تغيير، ولكل جديد، رغم انه صانع الحراك الاجتماعي في هذا الوطن لأجيال قادمة، وان كان عاشها علي الهامش، الا انه يعول عليها في سياق هذا الموضوع واختلق أعمالا روائية ممنتجة وسطي علي أعمال آخرين، وكتب أعمالا روائية عن هجرة المصريين الي الخليج، لمجرد انه قرأ قصاصات ورقية عن حالة بعض المغتربين وأحوالهم، أو أنه سافر لعمل عمرة، لمدة شهر أو شهرين، حين كان موضوع الهجرة هذا حدد مصير الوطن لأجيال قادمة.الأمر نفسه ينطبق علي عالم الريف والاقطاع والفلاحين، والأرض والصعايدة الذين يتحكمون في صنع أحداث غريبة وعجيبة ولم يستطع ان يكتب نجيب لصدقه الشديد كلمة عن هذه العوامل المجهولة، والتي هي رصيد خصب لأجيال عديدة من الروائيين الجدد، عاشوها صادقين، وقس علي ذلك الكثير البحر والجو والمهمشين وغيرها كثيرا.حتي ان عالم نجيب الذي تناوله، والذي لا يستطيع أحد أن يباريه فيه كما اعتقد البعض يستطيع الروائي المثقف ثقافة حقيقية مثل نجيب محفوظ، ان يعيد صياغة هذا العالم ويتناوله من منظور آخر، ليست مساءلة العالم أو الفلسفة أو قضية الوجود الانساني مثلاً ـ أو أي قضية تناولها نجيب محفوظ، هناك بالتأكيد زوايا كثيرة في هذا العالم لم يتناولها، وهذا لا يجعل الابداع حكرا، ولا يجعل نجيب عقبة، ولا الرواية انتهت وماتت.وقد سيطرت مقولة موت المؤلف، فترة من الزمن كنزعة نقدية حداثية، وما زالت، تتخذ من موت الأب نموذجا، حسب التحليل النفسي للابداع، مما جعل كلمة الموت تتردد وتنتشر كتقليعة، في كافة التيارات بما فيها تيار الرواية فجاءت مقولة موت الرواية في سياق ما هو شائع وكانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مرورا بالخمسينات والستينات من القرن الماضي أرضا خصبة لتقبل كل ما هو غريب وعجيب من نزعات وتيارات حداثية وعبثية ولا معقولة، وسيريالية وغيرها الكثير من التيارات التي أضحت معروفة للجميع.لكن من قال بموت الرواية بداية؟ يقول الناقد والمفكر الكبير ابراهيم فتحي في كتابه العالم الروائي عند نجيب محفوظ ان تصريحات كاتبنا الكبير عن موت الرواية لا تستطيع مقدرته الفنية وحساسيته لحياتنا الا أن تتجاهلها، فما تزال تواجهه وتواجهنا بالطبع، مستويات جديدة لمشكلتنا الدائمة.فلماذا صرح كاتبنا بذلك، هل أراد اغلاق الطريق والمستقبل علي الأجيال الجديدة؟ أعتقد ان هذا غير وارد عند هذا الذي يمجد العمل والاصرار والارادة، والتفاؤل والايمان بالمستقبل ينحاز بكل قوة للجديد فلماذا صرح في ذلك التوقيت تحديدا الذي لم يحدده ابراهيم فتحي.لكن في كتاب رجاء النقاش في حب نجيب محفوظ طرح هذا الموضوع علي نطاق واسع وأرجع نجيب المقولة الي الكاتب المسرحي الفرنسي يوجين يونيسكو في حديث له حيث قال لقد ماتت الرواية ولم يعد لها مستقبل .لكن نجيب يري أن الوقت الراهن 1969 بعد الهزيمة غير مناسب لفن الرواية علي الاطلاق وقد اصبح وسيلة غير صالحة للتعبير عن العصر، وواصل: ان الرواية تكتب في مجتمع مستقر واضح المعالم، لا في مجتمع قابل للتغيير كل لحظة، واذا كانت الرواية التقليدية تقوم علي وصف المجتمع، فان المجتمع المتطور المتغير بسرعة لا يغري بوصفه، بقدر ما يغري بالتفكير فيه وكان هذا غير صحيح ايضا فلقد كتب نجيب بعد هذا التاريخ اكثر من ثلاثين عملا ابداعيا بين رواية وقصة، فهل كان أراد بث اليأس في صفوف المبدعين لينفرد هو بالابداع مثلا؟لقد كان مهموما بملاحقة تحولات الواقع، هو ذو الولع باستحضار مخزون الذاكرة، النعمة الوحيدة الباقية.وفي سياق موت الرواية كان أندريه جيد يقول: نحن نكتب علي أمل أن نجد قارئا لم يقرأ الأعمال السابقة علينا.** علما بأن المجتمع كان وما زال دائم الحركة، والتغيير كل لحظة.كان سبب طرح هذا السؤال: هل أصبح نجيب عقبة في طريق الروية، ان رجاء النقاش لاحظ أن بعض الأدباء الشبان ذلك الوقت يقلدون ويستنسخون ابداعات نجيب محفوظ وتأثرهم الواضح به، وتكرارهم لأساليبه الفنية، وأفكاره، كما يتصل بخوف الآخرين من نجيب، واحساسهم بأنه عملاق فني يحجب كل ما عداه، الا أن الاستاذ عتب علي رجاء قائلا: ان الروائي لا يمكن أن يكون عائقا للذين يأتون بعده، لأنهم أصحاب تجارب خاصة مختلفة ورؤية مستقلة. الروائيون الجدد بطبيعة الحال يريدون التجاوز لا التقليد وعدم الوقوف في ظل الذين سبقوهم.كما ان نجيب هو الآخر تأثر بكل التيارات والحداثيات والابداعات الشبابية، فكتب الحب تحت المطر، وخمارة القط الأسود، وتحت المظلة، وغيرها من الأعمال وهو قارئ جيد ومتابع ومستمع مثالي لساعات طويلة يومية، وأسبوعية، مشاهد، مدقق، وملاحظ.ولو تم عمل دراسة علمية مقارنة بين أدب نجيب محفوظ وأدب الشباب في ذلك الوقت لوجدنا تأثيرا وتأثرا واضحا، كبيرا ولن أتحدث بطبيعة الحال عن مرحلته الأولي وتأثره الواضح ببروست وبلزاك.وكان أرسكين كالدويل قال في مذكراته ان 60% من الأدب الأمريكي هي أعمال لابداعات عالمية أخري، ولقد اكد هذا جون شتاينبك في روايته شتاء السخط، اذ ذكر بأن الأدب الأمريكي به 57% مؤثرات خارجية، أري وأظن أن حوار الرواية في العالم متأثر تماما ببعضه البعض، فأنا أري فوكنر في أعمال جارثيا ماركيز، كما أري أرسكين كالدويل في بعض قصص جارثيا ماركيز أيضا، الشاهد لو أن هناك دراسة للأعمال الابداعية في فترة النضج المحفوظي ايضا لوجدنا أوجه الشبه والاختلاف التي يمكن أن نلمسها في عملين ابداعيين أو أكثر، حتي ما بعد تلك الفترة تأثرا بهذا الروائي العظيم، ينتميان الي نفس الأدب المصري، وهذا التشابه قد يكون في الموضوع، أو القوالب، والأشكال والصور والرموز.وأنا أدعو الباحثين الشباب الذين تعوزهم الحاجة الي موضوع رسالات جديدة، أن يأخذوا هذا الموضوع بجدية واهتمام لأننا من خلالهم سنعرف كيف أثر وتأثر هذا الروائي العظيم في مسيرة الرواية المصرية بشكل خاص.لقد ذكرت د. سيزا قاسم أن مفهوم السببية في الأعمال الأدبية لا يثبت أمام النظرة الناقدة، اذ لا يستطيع أحد أن يثبت أن عملا فنيا معينا كان السبب في وجود عمل أدبي آخر، بل ليس ثمة ما يمكن أن ينجزه منهج التفسير السببي سوي الرجوع الي الماضي بلا نهاية.حتي ان تساؤلات عدة أثيرت حول استرجاع واجترار الابداع الماضي لنجيب محفوظ نفسه، ماضي كتابته، وماضي حياته، فالمرايا مثلا علي معرفته بشخصيات استدعاها وأعادها، والحرافيش التي أعاد بها كتابة روايته الأسطورة أولاد حارتنا وكانت الكرنك نسجا علي منوال روايات اخري كتبها في الستينات في اللص والكلاب والطريق والشحاذ وثرثرة فوق النيل، وميرامار، فطيلة الستينات كان نجيب ناقدا شجاعا للنظام، ففرض احترامه علي أهل النظام أنفسهم، فلماذا أعاد انتاج وكرر ما كتبه؟ ويقول فاروق عبدالقادر ما أحق أن يشغل بطل أسعد الله مساءك مكانه بين مجموعة الفجر الكاذب، فهو مثلهم يتطلع لأن تهبه الشمس شعاعا أخيرا قبل الغروب، وقصة ذقن الباشا مصغرة لرواية قشتمر .ويقول علي الراعي ان يوم قتل الزعيم علي ايجازها المعجز رواية أجيال، تقول في صفحات قليلة ما قالته الثلاثية في صفحاتها الألف.شجرة نجيب اذن دائمة الخضرة، وهي تثبت ما هو أهم من هذا وهو أن الفن الحق اعتراف وتجل، وكشف عن أدق ما يعتمل في وجدان الفنان، وأن هذا الكشف قد يتناقض، ويتعارك مع المواقف المعلنة للفنان خارج فنه، وليس في هذا أي بأس، فاننا نصدق الفنان في فنه ألف مرة، ولا نصدقه كثيرا اذا ما كتب خارج اطار الفن.لا شك أن نجيب محفوظ هو صاحب أكبر وأعمق تجربة روائية في الأدب العربي المعاصر، هو فنان لم ينعزل، ولم يغلق بابه علي تيارات الأدب المختلفة، بما في ذلك التيار الذي يمثله أبناء الجيل الروائي.ورغم أن نجيب سلك في ابداعه كل الحقب الجديدة في الابداع مثل الحركة والمرونة والدينامية إلا في بعض أعماله، مثل اللص والكلاب تحديدا إلا أن كل تلك الأعمال اتسمت بالواقعية التي تتسم بالأمانة المطلقة في نقل ما هو موجود للتعبير عن الواقع، كما استخدمها في وقت ما في بداياته الأولي استخداما تاريخيا محدودا ممثلا الاتجاه الذي ساد في بداية القرن.والحقيقة لا بد من ملاحظة ان الأديب قد يقول في الحياة العامة، والخاصة ما شاء له القول المباشر في شؤون السياسة والدين والفلسفة، لكنه حين يكتب فان رؤياه الجمالية هي استقلال نوعي عن هذه الآراء، والافتاءات والتصريحات.وكما تقول سيزا قاسم كانت رواياته رغم تطورها تحتفظ في نفس الوقت بسمات ثابتة، فهناك الثوابت ولمتغيرات التي يجب أن يلتفت اليها الباحث، اما المتغيرات فتتطور تحت ظروف زمانية، ومكانية مختلفة.ولا ننكر حتمية النظر الي الأدب علي انه كائن حي متطور، حيث أن نجيب تحديدا جرب كل الأنواع، وكل الطرائق، وكل الأشكال وطور تطويرا كبيرا في الرواية العربية، في نطاق المسموح به، وكان ايضا رغم تطوره وجرأته يتسم بالتقليدية وعدم المقدرة علي كسر أشكال استوعبها في حينها، ولم يتأثر بها، أو لم يأخذ بها، ربما حفاظا علي الهوية المصرية، التي تتسم بالتراثية، والاستاتيكية، حين الروية المصرية الجديدة، ضربت عرض الحائط بكل ما هو قيد، سواء في الشكل او الموضوع وكان الجديد جديدا في كل شيء، في الابداع الشخصي، ونسيج العلاقات والبني الذهنية، واللغة، والعمار.ان العالم الروائي عند نجيب محفوظ متحف لكل ما عرفته الرواية من مذاهب واتجاهات، ومعمل اختيار لكل ما عرفه النقد من مناهج واتجاهات، بالغ الغني في تعقد مستوياته، وتغير محاوره، اذ يجمع بين القص التاريخي، والقص الواقعي، يضم بين جنباته مختلف المدارس والاتجاهات، من واقعية نقدية الي واقعية وجودية، الي واقعية اشتراكية، ناهيك عن الطبيعة والسريالية والعبث، وكل ما شئت من أسماء وأوصاف.ولا شك ان نجيب محفوظ مؤسس الرواية العربية الحديثة، باني عماراتها الشامخ، وتراثه العظيم والمستقل هو ملك للأمة العربية كلها، اذ هو التراث الذي شارك ويشارك في صياغة العقل والوجدان العربي المعاصر.لقد كان انسانا مقاتلا، من أجل تحقيق النجاح والكرامة، والتغلب علي قسوة الحياة التي رافقته منذ البداية الي الأبد، صافي النفس، مترفع عن الصغائر، وينفر نفورا تاما من صراعات المصالح، والأموال، والمناصب.يعرف أن لا دوام للقوة، لا دوام للضعف، فكل شيء يتغير والذي في الحضيض قد يرتفع، والذي في القمة قد يسقط ودوامة الحياة في حركة مستمرة، ممجدا الدعوة الحارة للارادة والعمل. أبطاله محبون للحياة، عاشقون لتجلياتها، متوثبون للنضال ضد عقباتها، تواقون لأن يعتصروا منها أقصي ما تجود به من مسرات، محبون للعمل، مثله تماما.ان المقهي، الحارة، هي العالم أو الدنيا التي يعيش فيها الانسان، ويفرح فيها أحيانا، ويعاني أحيانا أخري، ويواجه المشكلات والصعوبات، فينتصر مرة، وينكسر مرة أخري، فالدنيا كلها ما هي الا انتصارات تتلوها انكسارات أو العكس.لكن غالي شكري في كتابه المنتمي يري أن هزيمة حزيران (يونيو) 67 هي هزيمة رؤية شاملة، لا مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية، وأن أدب محفوظ هو أحد الأعمدة الرئيسية في بناء تلك الرؤية التي كفت عن العطاء وأن المشكلة في الحقيقة ليست مشكلة نجيب محفوظ بل هي مشكلة الأدب الجديد، والأدباء الجدد، الذين يتعين عليهم بناء رؤية جديدة، كما فعل نجيب محفوظ.هل من حقنا أن يثار هذا السؤال: هل سقط نجيب محفوظ مع هزيمة 67، وهل كان الجيل الجديد الذي ألغاه رجاء النقاش ذلك الحين هو الأمل الوحيد للابداع الروائي والقصصي؟ان الرؤي المتضاربة للنقاد والمفكرين أثرت الحياة الابداعية، والروائية بلا شك.جعلتها رغم الهزيمة في حيوية متدفقة، ولقد أثير سؤال ذلك الوقت اثر مقولة رجاء النقاش: هل هناك أزمة رواية؟ أم أزمة نقد؟ أم أزمة نشر؟ لقد كانت هناك عشرات الروايات الجيدة التي لم تر النور، اما لأن الرقيب الدولة تدخل، او لأن وسائل النشر غير متاحة. لكن نجيب قال لرجاء: ان الجيل الروائي الجديد قد حقق في بدايته ما يعتبر تقدما علي بدايات الأجيال السابقة.السؤال ما زال قائما، والتساؤلات التي تتبعه ما زالت مطروحة علي الابداع والروائيين، فما الذي كتبه الروائيون مع وجود نجيب محفوظ، وماذا سيكتبون بعده، ما هي القضايا التي تؤرقهم، هل المجتمع في تخيلهم؟ صراع الأجيال، وتطورات الواقع المتلاحقة هل تهمهم، هل هم مشغولون بها؟ وماذا يقدمون في أعمالهم لمتلقيهم، هل يقدمون ما يزيد من وعي الناس بجوانب أو علاقات أو ظواهر خافية عليهم في واقعهم؟ هل يدعونهم الي الرضا بهذا الواقع، والاستكانة اليه؟ أم يدعونهم الي الضيق والسعي الي تغييره، وهل يومئون الي سبيل أو سبل لتخطي هذا الواقع نحو واقع آخر أكثر عدلا وأمنا وصدقا؟كما أن السؤال نفسه يجب اعادة طرحه علي صاحبه، وهل يراجع الأستاذ رجاء نفسه؟ نعم لقد راجعها، الا أن التداعيات تجعلنا نواصل تساؤلاتنا: هل ما زال مقتنعا أن الرواية العربية في أزمة؟ وكان مظهره ذلك الحين، قلة الانتاج من وجهة نظره، وعدم التنوع في المدارس الروائية الآن؟ أعتقد أن باستطاعة هذا الرجل ثاقب النظر، صائد الجواهر واللآلئ الابداعية، ان يحرك الواقع الابداعي، ويثري الحركة النقدية الساكنة الآن، بآرائه الجريئة التي لا تخشي في الحق لومة لائم أو مدع.ألسنا أيضا في حاجة الي جيل روائي جديد يتنوع انتاجه الروائي مع تنوع رؤاه، تبدو في انتاجه ملامح المعرفة بتيارات الرواية العالمية المختلفة، والاستفادة من هذه التيارات؟لقد راجع الأستاذ رأيه بعد ربع قرن واعترف في كتابه في حب نجيب محفوظ اعترافا صريحا أن أمورا كثيرة قد تغيرت بعد رأيه الجريء في الروائيين الجدد 1969، وقال في عام 1995 إن أهمها ظهور جيل روائي مبدع في ساحة الرواية العربية، وذكر أسماء عديدة من الروائيين المصريين والعرب.قال ان انتاج هؤلاء الروائيين يثبت في غزارته، وفيما يطرحه من أفكار، وأساليب وتجارب جديدة، ازدهارا عاليا، في فن الرواية، هكذا قال. لكنه لم يقل ان هذا يقارن بالابداع الروائي الروسي الذي كان كل روائييه عظاما، كما لا يقارن بالابداع الفرنسي الذي كان ايضا كل روائييه عظاما.وأكد رأيه أن نجيب محفوظ بالنسبة للرواية العربية هو سرفانتس صاحب دون كيخوته بالنسبة للابداع الاسباني، وهو شكسبير بالنسبة للمبدعين الانكليز، أي أنه قيصر الرواية العربية.محفوظ مات قبل موته المعلنرفقي بدويقاص وروائي أعتقد أن الرواية تطورت بشدة بعد نجيب محفوظ، فقد توقفت روايته عند فترة، تجلت فيها رؤيته السياسية والاجتماعية، حتي فترة السبعينيات، وكذلك الخمسينيات والستينيات، فهو ينتمي الي رؤية الوفد، لكن الرواية بعده تطورت من حيث تقنيات التشكيل الفني وتحولت الي نماذج روائية جديدة علي مستوي الوطن العربي، فلدينا الطيب صالح وابراهيم الكوني، وابراهيم الفقيه، عبدالرحمن منيف، وفي مصر توجد أسماء مهمة مثل بهاء طاهر، وفتحي غانم الذي ظلم كثيرا، وهناك كتابات متجاوزة لدي جيل السبعينيات وما بعده والتشكيل الروائي استمر ولم ينقطع، ولا أعرف لماذا نقع في تمجيد وتأليه الروائي الواحد الشاعر الواحد والزعيم الواحد الخ.ونجيب محفوظ لم ينته بموته بل توقفت تجربته قبل موته بأكثر من عشر سنوات وهذا لا يقلل من شأنه ككاتب كبير، ولو رجعنا للوراء منذ ان كان يجلس في مقهي ريش كان مستمعا جيدا للكتاب الشبان في ذلك الوقت، ويستمع لتجاربهم في الحياة والكتابة والسجون، وكان لا يوجه الأجيال، بل كان يستمع بشكل جاد مستفيدا بهذه التجارب التي لم يمارسها بالفعل لأنه كان يفتقد الرؤية السياسية، ولم يتخاصم مع أي نظام، وفي تصوري أن القامات الروائية لم تنقطع بعد محفوظ، وهناك روائيون كتبوا رواية واحدة وتعتبر صاحبة انجاز مثل سعد مكاوي بروايته السائرون نياما .0