مصابيح صغيرة داخل بيت كبير

يدخلون بيتا غارقا في الظلمة، لا كهرباء فيه ولا ضوء. يمشون على عتبته وفي يد كل واحدٍ منهم مصباح يدوي صغير. يجلس صاحب البيت على كرسي خشبي، وعن يمينه رجل، وعن يساره آخر. تبدأ الجلسة بصوت هادئ، من أحد الحاضرين، يروي القليل عن بناء هذا البيت ومحتوياته. ثم ينتقل الحديث بين الموجودين، وكلٌ يسلّط مصباحه على زاوية مختلفة، فيضيء جانبا ويترك سواه في العتمة.
الرؤية تختلف من شخص إلى آخر، والتأويل يتباين بتباين الضوء. يمر الوقت سريعا، وحين تقترب الساعتان من نهايتهما، يعلن مدير الجلسة اختتام اللقاء.
لكن… هل كان الوقت كافيا لإنارة ذلك البيت الكبير؟ لا أظن.
ما حدث لم يكن إلا ومضات ضوء خاطفة، كشفت عن أجزاء من البيت وزواياه، لكنها لم تكشف جوهره بالكامل. فبعض البيوت تحتاج نظرات فاحصة من الخارج، وزيارات متعددة، وجلوسا طويلا في أحضانها حتى تُفهم حقا.
وهكذا هي الكثير من الندوات الأدبية، التي تنظم في الأردن والوطن العربي لمناقشة الكتب: محاولات مشكورة لإضاءة النصوص، لكنها تحتاج إلى عناصر ضرورية لتكتمل فائدتها، منها:
1 ـ مدير ذو ثقافة واسعة، فصيح اللسان، رحب الصدر، قادر على إدارة الجلسة بحكمة.
2 ـ وجود قراءة نقدية أكاديمية جادة للكتاب، مناقشة الكتب بلا نقد متخصص لا تفي بالمطلوب.
3 ـ زمن كافٍ لا يقل عن ثلاث ساعات، تتخلله فترة راحة بعد ساعة ونصف الساعة.
4 ـ مكان هادئ، مريح، بكراسٍ مناسبة، وصوت واضح عبر ميكروفون وسماعات جيدة.
5 ـ مستوى الحضور الثقافي والنقدي عنصر بالغ الأهمية لإثراء الحوار والارتقاء به.
6 ـ مدير الجلسة مسؤول عن تنظيم الحوار، ويجب أن يمنع من لم يقرأ الكتاب من الحديث، وأن يضبط الحوار ليبقى ضمن سياق الندوة.
7 ـ يفضَّل عند التعبير عن الرأي ذكر أمثلة من داخل الكتاب، فمثلا: عند القول إن الرواية تطرقت إلى الفساد المجتمعي، يُستحسن الاستشهاد بمقاطع توضح ذلك، أو عند نقد بناء الشخصية، أو وصف المكان، من الأفضل إيراد أمثلة من النص.
8 ـ في حضرة الأدب لا مكان للزيف من نفاق ومجاملات ومصالح، لذلك ينبغي ضبط هذه الأمور قدر الإمكان.
البيت الكبير يبوح بأسراره لمن يصبر على ظلامه، ويصغي إلى صمته، تماما كما يفعل الكتاب الأدبي الإبداعي مع قرّائه الأذكياء.

 – روائي أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية