زهير أندراوس:
الناصرة ـ ا“القدس العربي”ب مع انتهاء صفقة التبادل بين تل أبيب وحركة حماس، بدأ المعلقون في إسرائيل ينشرون الغسيل الوسخ أمام الرأي العام، وبدأت سلسلة تبادل الاتهامات بين الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة حول الفشل في قضية شليط، وفي هذا السياق كُشف النقاب في تل أبيب أمس الثلاثاء عن أنّ جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيليّ لم يكونا يعرفان أيّ شيء عن الجنديّ الإسرائيليّ، غلعاد شليط، خلال فترة أسره التي استمرت حوالي خمس سنوات ونصف السنة.
وقالت المصادر الأمنيّة الإسرائيليّة إنّ الشاباك والجيش لم يعرضا على الحكومة على مدى الفترة الزمنيّة الطويلة أيّ خطة لتحرير شليط بعمليّة عسكريّة، وأشار المحلل للشؤون العسكريّة في صحيفة ‘هآرتس’ العبريّة، عاموس هارئيل، إلى أنّ هذا الفشل الاستخباراتي المجلجل هو الذي دفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى الموافقة على إتمام صفقة التبادل مع حركة حماس.
ولفت هارئيل إلى أنّه حتى لو تمّ عرض خطة عسكريّة على رئيسي الوزراء إيهود أولمرت ونتنياهو لما كانا يصادقان عليها بسبب الفشل الذريع الذي كان من نصيب الجيش الإسرائيليّ عندما حاول بعملية عسكريّة معقدة تحرير الأسير ناحشون فاكسمان الذي احتجزته حماس في بير نبالا بالقرب من القدس المحتلّة، حيث انتهت العمليّة بمقتل الجنديّ وبمقتل الضابط من الوحدة المختارة (ساييرت ماطكال) وإصابة العديد من الجنود، مشددا على أنّ هذا الفشل ردع العديد من حكّام دولة الاحتلال من المصادقة على عمليّات من هذا القبيل، على حد تعبيره.
وأشار إلى أنّ المصادقة أوْ عدم المصادقة على عملية عسكريّة لم تُعرض على رئيسي الوزراء وبالتالي فإنّهما لم يتخبطا في هذه المسألة. ورأت المصادر عينها أنّ الحديث في قضية شليط يدور عن تقصير مقلق للغاية لدى الأجهزة الأمنيّة في الدولة العبريّة، لافتةً إلى أنّ القسط الأكبر من المسؤولية عن هذا الفشل تقع على كاهل الشاباك، الذي اعترف قادته بأنّهم عجزوا عن توفير المعلومات المطلوبة عن الجنديّ شليط، ولكنّ هارئيل أضاف قائلاً إنّ نظرة أخرى إلى الأمور تؤكد على أنّ الجيش الإسرائيليّ يتحمل هو الأخر مسوؤلية جوهريّة في هذا الفشل.
ونقل عن الجنرال في الاحتياط رونين كوهين، وهو الذي أشغل مناصب رفيعة في شعبة الاستخبارات العسكريّة (أمان) قوله للصحيفة إنّ نهاية قضية شليط بهذا الشكل هي يوم أسود وعصيب للجيش الإسرائيليّ، لافتًا إلى أنّ عجز الجيش عن توفير المعلومات عن شليط هو إخفاق مدوٍ، لافتًا إلى أنّ الجيش لم يتحمل المسؤولية عن الجنديّ وأوكل المهمة إلى الشاباك، وبذلك حاول التملص من المسؤوليّة، على حد قوله.
وكتب هارئيل إنّ قادة الشاباك اعترفوا بالإخفاق المدوي، فرئيس الشاباك السابق، قال قبيل انتهاء ولايته إنّه يعتبر قضية شليط فشلاً شخصيًا له، أمّا وريث، يورام كوهين، فقد اعترف بأنّ عدم وجود المعلومات الاستخباراتيّة عن الجنديّ الأسير دفع إسرائيل إلى الموافقة على الصفقة كما خرجت إلى حيّز التنفيذ، ولفت إلى أنّ الشاباك لم يتمكن من تحديد مكان احتجاز شليط، في الوقت الذي كان يزود فيه الجيش بمعلومات عن النشطاء الفلسطينيين، الذين تمّت تصفيتهم، وهذا الفرق يؤكد بما لا يدعو للشك وجود إخفاق استخباراتيّ إسرائيليّ على بعد عدّة كيلومترات من الحدود، على حد قوله.
وساق المحلل المقرب جدًا من المنظومة الأمنيّة الإسرائيليّة إنّ العديد من الخبراء في مجال الاستخبارات يؤكدون على أنّ تحميل المسؤولية للشاباك فقط هو أمر خاطئ للغاية، ذلك أنّ عملية الرصاص المسبوك، أواخر 2008 وأوائل 2009 لم تُستغل من أجل التقدّم في فك لغز الجنديّ شليط، وللتدليل على ذلك، اقتبس المحلل ما كتبه الجنرال غيورا آيلاند في ‘يديعوت أحرونوت’، يوم الأحد من هذا الأسبوع، الذي قال إنّه لا يفهم لماذا لم يقم الجيش بتشكيل غرفة عمليا خاصة خلال الحرب على غزة لمعالجة قضية شليط واستغلال الحرب للتقدم في الحل، مؤكدًا على أنّ هذا التصرف هو خطأ استخباراتي وعملياتي على حدٍ سواء.
ونقل عن كبار الضباط الذين شاركوا في التخطيط للحرب على غزة قولهم إنّ الجيش والحكومة خشيا من تحديد تحرير شليط هدفًا للحرب، وذلك نبع من الفرق بين التصريحات الاستعلائيّة التي أطلقتها حكومة أولمرت بعيد العدوان على لبنان والحقيقة على أرض الواقع، إذ أنّ الجنديين الأسيرين تمّ تحريرهما في صفقة مع حزب الله بعد أكثر من سنتين على انتهاء الحرب. وقال مصدر أمنيّ رفيع المستوى إنّ الجيش لم ير في قضية شليط مشروعًا يأخذه على عاتقه، وطوال الفترة لم يقم بتعيين الطاقم المسؤول عن إعادة الجنديّ لعائلته، على حد قوله. ولفت أيضا إلى أنّ قائد الأركان خلال عملية الأسر، دان حالوتس، لم يتفرغ لشليط لأنّه غاص في الوحل اللبنانيّ في حين أنّ وريثه، غابي أشكنازي، اكتفى بالضغط على الحكومة بالموافقة على الصفقة، الأمر الذي دفع مستشار الأمن القوميّ السابق، عوزي أراد، إلى تسميته برئيس لجنة عمّال الجيش.
كما أشار المحلل إلى أنّه خلال السنوات الخمس لم تقم إسرائيل باختطاف شخصيات فلسطينيّة مهمة تكون بمثابة أوراق مساومة، حيث تبيّن الآن أنّ اختطاف مهاوش القاضي من رفح في العام 2007 والمهندس ضرار أبو سيسي من أوكرانيا قبل عدّة أشهر لم تساهما البتة في تعجيل الصفقة أوْ تخفيض ثمنها، وقال أيضًا إنّه بعد اختطاف رون أراد عام 1986 قامت الدولة العبريّة بعمليات اختطاف كثيرة من لبنان، وهذا هو الفرق بين إسرائيل موديل 2011 وبين إسرائيل في الثمانينيات من القرن الماضي. كما لفت إلى أنّ تصريحات الوزير متان فيلنائي بأنّ خاطفي شليط لن يخرجوا أحياءً كانت تصريحات بلهاء واستعلائيّة، ومن قُتل منهم كان عن طريق الصدفة فقط، على حد قوله.