مصادر لـ «رويترز»: استعدادات أمريكية لإنشاء قاعدة قرب دمشق… وسوريا تنفي

هبة محمد
حجم الخط
1

دمشق ـ «القدس العربي»: نقلت وكالة «رويترز» عن مصادر قولها إن الولايات المتحدة الأمريكية تستعد لإنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق، بهدف دعم وتمكين اتفاق أمني تتولى واشنطن التوسط فيه بين سوريا وإسرائيل، في حين أكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين أن لا صحة لما نشرته وكالة رويترز عن القواعد الأمريكية في سوريا.
وقال المصدر في تصريح لـ«سانا»: «تشهد المرحلة الراهنة تحولاً في الموقف الأمريكي في اتجاه التعامل المباشر مع الحكومة السورية المركزية، ودعم جهود توحيد البلاد ورفض أي دعوات للتقسيم».

تنسيق مشترك

وأضاف المصدر: «يجري العمل على نقل الشراكات والتفاهمات التي كانت اضطرارية مع أجسام مؤقتة إلى دمشق، في إطار التنسيق السياسي والعسكري والاقتصادي المشترك».
ولفت المصدر إلى أن «سوريا في عهدها الجديد ماضية بثبات نحو ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التعاون القائم على السيادة الوطنية والاحترام المتبادل».
ونقلت «رويترز» عن أحد المصادر قوله إن «الخطط الأمريكية لإقامة وجود عسكري داخل العاصمة السورية، والتي لم يُكشف عنها سابقًا، تمثل مؤشرًا واضحًا على توجه جديد لإعادة تنظيم سوريا استراتيجيًا في إطار علاقة مختلفة مع الولايات المتحدة، وذلك بعد سقوط الأسد، الحليف الرئيسي لإيران».
ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها «بداية إعادة تموضع سياسي وأمني في سوريا يعكس تغيرًا في موازين القوى الإقليمية».
وتقع القاعدة الجوية المستهدفة عند المدخل المؤدي إلى أجزاء واسعة من جنوب سوريا، وهي منطقة من المتوقع أن تتحول إلى نطاق منزوعة السلاح ضمن اتفاق عدم اعتداء يجري التفاوض عليه بين إسرائيل وسوريا برعاية مباشرة من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويتوقع أن تلعب هذه القاعدة دورًا لوجستيًا وأمنيًا في تنفيذ الاتفاق المزمع.

تقييم مستمر

وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية للوكالة إن بلاده «تقيّم باستمرار وضعها الضروري في سوريا لضمان القدرة على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية بشكل فعال»، مضيفاً أن الولايات المتحدة لا تعلن تفاصيل المواقع الحالية أو المحتملة لانتشار قواتها. وقد طلب المسؤول عدم الكشف عن اسم وموقع القاعدة لأسباب تتعلق بالسلامة والاعتبارات العملياتية.
وحسب مسؤول عسكري غربي، فإن البنتاغون سرّع خلال الشهرين الماضيين من خطواته التحضيرية، بما في ذلك تنفيذ سلسلة من مهام الاستطلاع الدقيقة لتقييم جاهزية القاعدة.
وأظهرت نتائج هذه المهام أن المدرج الرئيسي للقاعدة جاهز للاستخدام الفوري من دون حاجة إلى أعمال تأهيل إضافية.
وأفاد مصدران عسكريان سوريان بأن المحادثات الفنية بين الجانبين ركزت على تخصيص القاعدة لمهام لها طابع لوجستي ومراقبة وإعادة التزود بالوقود، إضافة إلى دعم عمليات إنسانية محتملة، مع التشديد على أن السيادة الكاملة على المنشأة ستظل بيد الدولة السورية.
وذكر مسؤول دفاعي سوري أن الولايات المتحدة أرسلت طائرة نقل عسكرية من طراز «سي -130» للتحقق من صلاحية المدرج، وأن الاختبار أكد قدرة المطار على استقبال الطائرات الأمريكية.
كما قال أحد أفراد الأمن عند أحد مداخل القاعدة إن طائرات أمريكية نفذت عمليات هبوط متعددة ضمن «سلسلة من الاختبارات التشغيلية». وحتى الآن، لم يتضح موعد اتخاذ قرار نهائي بشأن إرسال أفراد من الجيش الأمريكي إلى الموقع.
وحسب مسؤولين أمريكيين وسوريين، فإن سوريا باتت قريبة من الانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة»، وهو تطور قد يعيد تشكيل العلاقة بين واشنطن ودمشق.
وأشار شخص مطلع على تفاصيل المحادثات بشأن القاعدة، إلى أن هذا الملف كان مطروحًا خلال زيارة الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إلى دمشق في 12 سبتمبر/أيلول. وجاء في بيان القيادة المركزية حينها أن كوبر والمبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك التقيا بالشرع، وأعربا عن تقديرهما لمساهمة سوريا في الحرب ضد داعش، معتبرين أن هذه الجهود قد تسهم في تحقيق «رؤية ترامب لشرق أوسط مزدهر وسوريا مستقرة تعيش في سلام مع نفسها وجيرانها». ولم يتطرق البيان إلى موضوع إسرائيل.

الخارجية أكدت أن تعزيز التعاون مع واشنطن على أساس السيادة الوطنية

وتعمل الولايات المتحدة منذ أشهر على صياغة اتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، الخصمين التقليديين، وكانت تأمل في الإعلان عنه خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، إلا أن المفاوضات تعطلت قبل لحظات من الموعد المرتقب للإعلان. وقال مصدر سوري مطلع على مجريات الحوار إن واشنطن تضغط على دمشق للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام، وربما قبل زيارة محتملة للشرع إلى العاصمة الأمريكية واشنطن.
وفيما لو صحّت الأنباء عن القاعدة، رغم النفي الرسمي، فإن محللين اعتبروا في تصريحات لـ« القدس العربي»، أنها خطوة تؤكد عمق العلاقات السورية الأمريكية.
الباحث السياسي أسامة الشيخ علي قال لـ«القدس العربي» إن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية قرب دمشق، يشكّل مؤشرا واضحا على تطور كبير وملموس في طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين سوريا والولايات المتحدة.
وبين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تظهر دعما واضحا للإدارة السورية الجديدة، مستشهدا بتصريح شهير لترامب قال فيه إن «الولايات المتحدة ستمنح سوريا فرصة».
وأوضح أن هذه الخطوة «تمثل تحولا مهما في تموضع سوريا الدولي، إذ إنها قد تعني بداية خروج تدريجي من المعسكر الاشتراكي الذي ارتبطت به سوريا منذ الحقبة السوفييتية وحتى ما قبل سقوط نظام الأسد».
ولفت إلى أن «العلاقات السورية خلال تلك المرحلة كانت تميل بشكل واضح نحو روسيا وإيران، على حساب علاقات أخرى، وخاصة مع الدول الغربية، وهو ما أدى إلى غياب توازن حقيقي في السياسة الخارجية السورية».
أما في الوقت الحالي، فيرى أن الإدارة السورية الجديدة «تحاول إعادة بناء علاقاتها الدولية على أسس أكثر توازنا، إذ إن العلاقة مع روسيا باتت تسير على السكة الصحيحة، بالتزامن مع تطور تدريجي ومتصاعد في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية».
وتبعا لشيخ علي فإن «القاعدة الأمريكية المتوقعة ستكون، من حيث طبيعتها ووظيفتها، قاعدة مركزية ذات أهمية كبيرة، وربما تتحول إلى موقع رئيسي تمارس منه القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) جزءا من أعمالها الميدانية، والى نقطة محورية في عمليات التحالف الدولي ضد الإرهاب داخل سوريا».
وعرّج على ملف الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل، مشيرا إلى أن هذا المسار يواجه «تعثرا نتيجة التعنت الإسرائيلي، ورفض تل أبيب الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024».
كما أشار إلى «رفض إسرائيل وجود أي دولة ضامنة للاتفاق، سواء تركيا أو غيرها من الدول، وهو ما يجعل الدور الأمريكي أكثر ترجيحا في ضمان الاتفاق الأمني المرتقب».
وأكد أن «هذا الاتفاق يستند في الأساس إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974».

ملف الجنوب

وفي رأي المتحدث فإن «القاعدة الأمريكية ستتولى الإشراف على ملف جنوب سوريا، بما يشمل تحديد الوضع النهائي للمنطقة، ومعالجة ملف السويداء، وضبط حالة الأسلحة، وتحديد أعداد وانتشار القوات في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء».
وأوضح أن «هذه التفاصيل ستظهر تدريجيا مع اقتراب وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق الأمني»، مؤكدا أن «الدور الأمريكي سيكون محوريا في كل هذه المراحل».
ووفق الشيخ علي «وجود القاعدة الأمريكية في دمشق سينعكس بشكل مباشر على علاقة الحكومة السورية بإدارة الرئيس ترامب، وسيؤدي إلى تعزيزها بصورة ملموسة».
وأضاف: «هذا سيترك أثرا إيجابيا على مسار المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) خاصة وأن هذه المفاوضات تُجرى برعاية أمريكية».
وتوقع أن «يشهد هذا المسار تقدما ملحوظا، لأن الولايات المتحدة ستكون الضامن الأساسي للطرفين، سواء بالنسبة لأي اتفاق جديد، أو في إطار تنفيذ اتفاق العاشر من آذار».
وختم بالإشارة إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية كانت تطالب منذ فترة بضمانات واضحة لأي اتفاق محتمل، ويرجّح أن تكون الولايات المتحدة هي الجهة القادرة على أداء هذا الدور الضامن في المرحلة المقبلة».
كذلك اعتبر الكاتب والمحلل السياسي السوري الكردي علي تمي في تصريح لـ «القدس العربي» أن العلاقة بين دمشق وواشنطن بدأت تدخل «مرحلة جديدة تأخذ طابعا استراتيجيا واضحا، سياسيا وعسكريا في الوقت نفسه».
ورأى أن «الولايات المتحدة تتحرك اليوم لتثبيت وضمان مصالحها داخل سوريا قبل أي انسحاب محتمل لقواتها من شرق الفرات، خاصة في ظل غياب اتفاق عسكري واضح بين «قسد» والتحالف الدولي حول مستقبل الوضع السوري».
ووفق قوله «الإعلان عن إنشاء القاعدة الأمريكية في هذا التوقيت يحمل دلالات بالغة الأهمية؛ فهو من جهة يشير إلى رغبة واشنطن في منع موسكو من استثمار التطورات الميدانية لصالحها، ومن جهة أخرى يأتي في وقت يقترب فيه انتهاء مدة اتفاق العاشر من آذار، ما يوحي بأن المنطقة مقبلة على مرحلة حاسمة».
وعلى ضوء هذه المعطيات «جميع المؤشرات الحالية تدل على أن شرق الفرات يقف على أعتاب تصعيد كبير، وأن نشوب مواجهة واسعة هناك بات مسألة وقت لا أكثر»، حسب المتحدث، الذي بين أن «الاتفاقات الجارية حاليا موجّهة في المقام الأول نحو موسكو وبكين، في محاولة من واشنطن لإعادة رسم قواعد الاشتباك والتوازنات في مرحلة ما قبل أي تغيير عسكري محتمل».
وفي إطار قراءة موازية للمشهد، قال الباحث السياسي محمد السكري لـ «القدس العربي» إن القاعدة العسكرية الأمريكية التي يجري الحديث عنها تأتي نتيجة اتفاق أمني ثلاثي بين إسرائيل والولايات المتحدة وسوريا، مرجحا وجود موافقة تركية ضمنية على هذا التفاهم.
وأشار إلى أن هذه الخطوة «تعكس تقدما ملحوظا في مسار الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل، وأن نتائج هذا الاتفاق باتت أقرب للظهور مما كان متوقعا».

تراجع النفوذ الروسي

ومن هذا المنطلق، رأى أن «وجود قاعدة أمريكية في هذا الموقع يعني أن فرص الوجود الروسي في جنوب سوريا، وفق الفرضيات التي طُرحت سابقا، أصبحت ضعيفة للغاية، وأن الولايات المتحدة بدأت تأخذ مكان النفوذ الروسي في سوريا بصورة متزايدة».
وأضاف أن هذا التطور يشير إلى أن «واشنطن باتت الجهة الضابطة والضامنة للمسار الأمني بين سوريا وإسرائيل»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن «وجود القاعدة لا يعني توقف التهديدات الإسرائيلية»، موضحا أن هذا «الوجود قد يخلق في المقابل مستوى عاليا من الردع لصالح الجانب السوري، وهو ما قد يُنظر إليه كحلّ مناسب بالنسبة له».
وفيما يتعلق بطبيعة التنسيق العسكري، أكد السكري أن «القاعدة تقع داخل الأراضي السورية، ما يعني أنها لا تمثل فرضا لواقع جديد يتجاوز مفهوم السيادة السورية، وهو عامل مهم في تحديد شكل العلاقة الميدانية بين الطرفين».
ورأى أن «الهدف الأساسي للقاعدة لا يتمثل في توسيع النفوذ الأمركي في سوريا أو الشرق الأوسط، بقدر ما يتمثل في ضبط الإيقاع الأمني بين سوريا وإسرائيل».
وأضاف أن «هذا الدور الأمني منح الولايات المتحدة فرصة لترسيخ وجود عسكري مباشر في دمشق في نهاية المطاف، مستفيدة من طبيعة الصراع القائم في المنطقة».
ومن المقرر أن يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع، نظيره الأمريكي ترامب، في واشنطن، الإثنين المقبل.
وسيكون هذا اللقاء الثالث بين الشرع وترامب، والزيارة الثانية للرئيس السوري الحالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والأولى لرئيس سوري إلى واشنطن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية