مصادر ميدانية تدين المعالجة الرسمية لقتل الأسري المصريين

حجم الخط
0

مصادر ميدانية تدين المعالجة الرسمية لقتل الأسري المصريين

محمد عبد الحكم ديابمصادر ميدانية تدين المعالجة الرسمية لقتل الأسري المصريينقضية قتل الأسري المصريين أثارت غضب قطاعات واسعة من الرأي العام المصري والعربي، إلا أن المعالجة السياسية لها لم ترتق إلي المستوي المطلوب في التعامل مع مثل هذه لجرائم، وعبرت عن درجة عالية من التواطؤ، وللتغطية انطلقت الأقلام والأبواق العاملة في بلاط الرئاسة لتبرئة حسني مبارك من المسؤولية، فحمّلوها لجمال عبد الناصر، الذي رحل عن دنيانا منذ أكثر من ستة وثلاثين عاما، وكأنه كان علي علم بالغيب، وعرف في قبره بالفيلم الوثائقي الذي بثه التليفزيون الصهيوني مؤخرا. ويدري بالحقائق والمعلومات التي بدأت ترد تباعا في كتب المؤرخين الصهاينة، وبدأ نشرها في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. ومن خلال هذه السطور سوف نري كيف تصرف عبد الناصر في حالات مشابهة، مقارنة بتصرف الآخرين، ونبدأ بالتأكيد أن قتل الأسري والمدنيين العزل نهج أصيل وثابت في صلب العقيدة الصهيونية، ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي يبث أو ينشر فيها عن هذه الجرائم، وأكثر من هذا فالبيانات متوفرة، حسب أوثق المصادر، لدي الجهات المدنية والعسكرية المعنية بشؤون الأسري والمفقودين والشهداء، وكل ما أثاره الفيلم هو أنه أكد المؤكد، خاصة بعد نشر كتاب المؤرخ الصهيوني يوري ماليشتاين سنة 1994، ووثق فيه مذابح الأسري، ومنذ ذلك الوقت لم يلمس أحد رغبة جادة لاتخاذ موقف يعبر عن وجود التزام وطني أو أخلاقي، لدي المسؤولين عن هذا الملف. وبعد أكثر من اثني عشر عاما تثار القضية، من جديد، ولن تكون المواقف الرسمية أفضل من الأولي، وجاء تصريح وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، عاكسا لطبيعة المعالجات المتواطئة مع جريمة بهذه البشاعة، بقوله أن مصر لن تقطع علاقاتها مع الدولة الصهيونية من أجل فيلم، وأنه من أفلام الرعب أو الجنس المرفوضة من بعض الأوساط.وأتيحت لي، خلال الأسبوع الماضي، فرصة الاستماع والاطلاع علي ما يمكن وصفه بالمعلومات والمعارف الميدانية، من مصدرين علي درجة عالية من الأهمية، أحدهما من جيل العسكريين الوطنيين المخضرمين، ذي خبرة في التعامل مع الأسر الصهيوني، فقد كان هو نفسه أسيرا، في أكثر معسكرات الاعتقال الصهيونية قسوة ووحشة، وقد آثر صاحبنا الاستقرار في أوروبا، بعدما رأي أحلامه وأحلام جيله تتهاوي أمام ناظريه.. كان ينتظر، وقد بلغ الثمانين، أطال الله في عمره، أن يري حصيلة التضحيات التي قدمها، والمئات من أمثاله، تترجم علي أرض الواقع عزا وفخرا وحياة إنسانية لائقة، وسرعان ما ضاعت الأحلام والآمال وسط كوابيس الانحطاط الذي حل بالأمة والشعب. فما لم ينجزه العدو بالحرب والحصار قدمه له نفر منا علي طبق من ذهب، باستسلامهم وخنوهم وإذعانهم. أما الثاني فهو من عسكريي جيل الوسط، إذا جاز التعبير، في الخمسينات من العمر، ومن ذوي الاطلاع علي كثير من مجريات الشأن العسكري المصري والعربي، وساعده شغفه بالثقافة والمعرفة في الاستزادة مما ينشر في الداخل والخارج، من بيانات ومعلومات ودراسات، عن الصراع العربي الصهيوني، وعن المعارك التي دارت بين الجيوش العربية والآلة العسكرية الصهيونية.وإذا ما بدأنا به فنجده قد اعتمد علي شهادات القادة العسكريين الكبار، خاصة الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس الأركان الأسبق، وقائد عبور 1973، ومنها شهادة بثتها له كل من الإذاعة الليبية وقناة الجزيرة القطرية، كشف فيها عما يعرف في الأدبيات العسكرية الصهيونية بـ الغطاء الديني ، لشرعنة جرائم الحرب. وما ورد في التلمود من تعاليم يحض علي اقترافها، ويشير إلي أنه في حالة الغزو البعيد يتم قتل الجميع.. مدنيين وعسكريين.. مع التركيز علي قتل الأطفال والنساء ، وفي الغزو القريب يُقتل الأطفال والرجال ويُعدم العسكريون، وتُسبي النساء ، ومن الواضح هنا أن قتل الأسري ركن ثابت في العقيدة الصهيونية، وهو ما أخذ به الفريق الشاذلي في تأكيده علي عمليات إعدام الأسري، ومع توفر المعلومات ذات المصداقية العالية من عن أعداد وأسلحة ورتب الضباط والجنود الذين قتلوا، وهم عزل، وكانوا في وضع أسري الحرب، إلا أن هذه المعلومات لم تحل دون إبرام اتفاقية كامب ديفيد ، ولا منعت السادات من زيارة القدس المحتلة قبلها، ولفت النظر إلي عدم التطرق لهذا الموضوع في المفاوضات المعلنة أو السرية، في نفس الوقت تم التصريح لفرق ولجان صهيونية خاصة بدخول الأراضي المصرية للكشف عن جثث وأشلاء قتلاهم، واستعانت هذه الفرق واللجان بالكلاب المدربة علي هذه المهام، كل هذا تم قبل توقيع المعاهدة، ووصل الأمر إلي أن من سقط من الشهداء، وهم عزل من السلاح، علي يد بنيامين اليعازر، وغيره من القتلة، لم يكرموا أو يمنحوا أوضاعا استثنائية، كأبسط حــــــق يمكن أن يقدمه بلد لأبنائه، الذين قتلتهم يد الغدر غيلة، أثناء حالة الحرب، تحت سمع وبصر مراقبي الأمم المتحدة والدول الكبري، وهذه الجرائم لم تؤثر قـــــط علي صداقة حسني مبارك الحميمية، وهو القائد الأعلي للقوات المسلحة، للقتلة.ومن هذا وصل إلي استدلال بأن الاختراق الصهيوني للمؤسسة العسكرية المصرية تم من رأسها، ولو لم يكن علي هذا المستوي، ما استطاع أحد أن يفرض علي هذه المؤسسة، بوطنيتها المعهودة جوا مسموما، قلل من قيمة التضحيات التي قدمتها في معارك الشرف والمواجهة والاستقلال، وبسببه تم تجاهل ظروفا بدت مواتية، لرد اعتبار الشهداء والضحايا، فلم تستثمر أو تستغل، وهو شيء لا يقل جرما عن قتل الأسري، فالجواسيس الصهاينة أطلق سراحهم مجانا، دون جهد يذكر، لإثبات حقوق أولئك الشهداء والضحايا، و الصداقات الحميمية التي ربطت السادات من قبل، وتربط حسني مبارك من بعد، لم توظف لاستيفاء حقوقهم، ولو أن هناك حكما وطنيا في مصر، المغلوبة علي أمرها، غير حكم العائلة القائم لوجدناه يتخذ الموقف الواجب في مثل هذه الظروف، وبدلا من أن يبلغ حسني مبارك صديقه بن اليعازر بتأجيل زيارته التي كانت مقررة لمصر، كان عليه استغلالها للتحفظ عليه وتقديمه لمحكمة جرائم الحرب، ولو كان مرتكب هذه الجريمة، أو أقل منها، من جنس العرب ما كانت الدولة الصهيونية توانت لحظة، تساعدها كل المنظومة الغربية، في اختطافه وجلبه ومحاكمته علي رؤوس الأشهاد، وعلي مرأي ومسمع من العالم كله، مهما كانت النتيجة، وسوابقها كثيرة في هذا المجال. ونرجع إلي مصدرنا الأول، فنجده يحمل كل مواصفات البطل، فعندما وقع في الأسر، كان ذلك علي إثر قيامه بواحدة من أكثر العمليات جرأة وجسارة. وصفتها المصادر الصهيونية نفسها، أنها أكبر عملية هروب تحدث في التاريخ العسكري.. وفيها تمكن، مع رفاقه، من تهريب 68 فدائيا من معسكر شطة ، وهو الأكثر تأمينا وتحصينا، في شمال فلسطين المحتلة سنة 1948، وسقط 11 شهيدا في هذه العملية، التي نفذت في أيلول (سبتمبر) 1957، وسألته لماذا لم تقتل مثل باقي الأسري، رد قائلا إنه الإعلان عن وقوعي في الأسر ، فلم يتماد اليهود في الإنكار. وتعزز ذلك بموقف حازم من عبد الناصر، وجد ترجمته في رسالة بعث بها إلي الأمين العام للأمم المتحدة، في ذلك الوقت، أبلغه فيها بأن المساس بالأسير المصري ستكون له عواقب وخيمة، ذكر لي تفاصيلها، وطلب عدم نشرها لدواع خاصة، واستبدل القتل، الذي كان متوقعا، بالسجن ست سنوات، وهو يري أن العسكريين اليهود لا يجرؤون علي قتل الأسير إلا إذا ضمنوا عدم تسرب خبره إلي الصحافة ووكالات الأنباء ومنظمة الصليب الأحمر الدولية، والطريقة الصهيونية في قتل الأسري، تقوم علي تفضيل قتل الأفراد والمجموعات الصغيرة، حرصا منها علي عدم ترك أي آثر، وهو شيء يصعب ضبطه مع الأعداد الكبيرة، وهذا لا ينفي ما ورد في كتب المؤرخين العسكريين الصهاينة، ولا يلغي ما جاء في البرنامج الموثق، والكلام هنا عن الأسلوب المفضل، لأن كبر العدد يحتاج إلي مناطق معزولة ومهجورة وغير مطروقة، وبعيدة عن أي رقابة. وما أثار قلقه هو متابعته لمبالغات، سجلها بعض المدونين، ونشروا أرقاما ليست بالدقة المطلوبة.والأعداد المقدرة بالآلاف، المنشورة علي شبكة البث الألكتروني الانترنت ، وما ورد علي لسان جنود سابقين، إن لم تكن دقيقة فإنها تضر أكثر مما تنفع، وذِكر أرقام ومعلومات مشوهة تفيد العدو، وإذا ما شكك فيها وأثبت ذلك، يمكنه أن يشكك في وقوع الجريمة ذاتها، ويري بطلنا المخضرم، أن المعلومات التي ترد علي لسان جنود صغار، يجب التعامل معها بحذر، لأن حجم المتاح أمام هؤلاء من معلومات، تخص المعارك وما يدور في ميادين القتال، يكون محدودا للغاية، ولا يقلل ذلك من شأنهم، فكل واحد يري ويتابع بحجم المسؤولية الموكولة إليه، وذلك علي العكس من شهادات القيادات المتوسطة والعليا، ممن تتاح لهم فرص أكبر للاطلاع علي البيانات والمعلومات الحقيقية، وعلينا، من وجهة نظره، أن نأخذ القصص التي ذكرت عن التظاهر بالموت، للإفلات من القتل بتحفظ، وهنا يجب التأكيد علي أن جريمة قتل الأسري تستمد وحشيتها وعدم قانونيتها ولا أخلاقيتها من طبيعة الجريمة نفسها، حيث يتساوي فيها قاتل الأحاد مع قاتل المئات، فهي جريمة من جرائم الحرب، لا تسقط بالتقادم، ويتساوي فيها قاتل الفرد مع قاتل الأعداد الكبيرة.ومن أجل أن يصبح أمر المعالجة جادا، هذه المرة، دعا صديقنا البطل إلي عدم استغلال هذه الجرائم في اللعب علي مشاعر الناس، وأن يعتمد كل من يهمه الأمر، من غير حسني مبارك وعائلته، أو العاملين في بلاطه، علي الأقدر في كشف المعلومات والبيانات الحقيقية. من الضباط الذين وقعوا في الأسر، ولجان تحقيق وتحري أهلية جادة، غير دعائية، يكون لها الحق بأن تستعين بالخبراء العسكريين والقانونيين والسياسيين ورجال الإعلام والصحافة، وعلي المعلومات الواردة في سجلات الشهداء والمفقودين، والواردة في اعترافات ضباط العدو، مع حصر المقابر التي دفن فيها الأسري، وجمع رفاتهم وفحصها، وإخضاعها للتحاليل المعملية، إذا ما كان هناك من يسعي للوصول إلي نتيجة جادة، ومعبرة عن موقف وطني وإنساني وأخلاقي سليم.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية