علي أبو نعمة إن انضمام حركة حماس إلى السلطة الفلسطينية التي تدعمها الولايات المتحدة ويقودها محمود عباس، جعلها تخاطر بالتنكر لدورها كحركة مقاومة، من دون اكتساب أي نفوذ إضافي بوسعه أن يساعد الفلسطينيين في التحرر من الاحتلال الإسرائيلي والحكم الاستعماري.
وفي الواقع، قد تكون حركة حماس سائرة، عن علم أو من دون علم، على الدرب المجرَّب نفسه الذي سارته حركة فتح بزعامة عباس، وهو الالتزام بالانخراط في ‘عمليةِ سلامٍ’ تتحكم بها الولايات المتحدة ولا يملك الفلسطينيون أي قول فيها ولا فرصةً في الخروج منها، من دون المساس بحقوقهم. وفي المقابل، قد تأمل حماس في اكتساب دور إلى جانب عباس في حكم الجزء اليسير من الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال الإسرائيلي الدائم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وسواءً أدركت حماس ذلك أم لم تدركه، فإنها دخلت بالفــعل في ائتلاف مع إسرائـــيل وعــــباس لإدارة الأراضي المحتلة التي سيكون لحماس فيها مســؤولية كبيرة تقابلها سلطة محدودة.
حماس تذعن للضغوطاحتفى فلسطينيون كثيرون بمعانقة القياديين، خالد مشعل في حركة حماس ومحمود عباس ومصافحتهما وهما يوقعان ورقة المصالحة في القاهرة يوم الرابع من أيار/مايو. غير أن القليل أمعنوا النظر في ما قد غدا معرضا للخطر. لقد انطوت الصفقة كما أُفيد على بنود رئيسية عديدة تتمثل في تشكيل ‘حكومة وحدة وطنية’ يقودها رئيس وزراء يتم اختياره بالتوافق؛ والتحضير لإجراء انتخابات للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام؛ ودمج القوات الأمنية الخاضعة لسيطرة كلتا الحركتين؛ وتفعيل المجلس التشريعي الفلسطيني – الذي فازت حماس بالغالبية العظمى فيه سنة 2006. ومن الملاحظ غياب أي التزام بالإصلاح الحقيقي وإضفاء الطابع الديمقراطي على منظمة التحرير الفلسطينية التي عفى عليها الزمن، من أجل إعادة حق الاقتراع لغالبية الفلسطينيين الذين لا يقيمون في الأراضي المحتلة.
لقد صرّح مشعل في مقابلة مع صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ بتاريخ 7 أيار/مايو بأن حماس الآن ستتخذ كافة القرارات بالتوافق مع الفصائل الأخرى، ولا سيما حركة فتح التي يتزعمها عباس: ‘كيف ندير المقاومة، وما هي أفضل السبل لتحقيق أهدافنا، ومتى نُصعّد ومتى نوقف إطلاق النار، هي قرارات يتعين علينا كفلسطينيين أن نتوافق بشأنها كلِّها’. ومن بين المجالات الأخرى التي قال مشعل إنها ستتقرر بتوافق الآراء ‘المفاوضات مع إسرائيل، والحكم الداخلي، والشؤون الخارجية، والأمن الداخلي، والمقاومة وغيرها من الأنشطة الميدانية’. إن المشكلة تكمن في غياب ما يدل على وجود ‘توافق في الآراء’ بشأن القضايا الأساسية التي تقف وراء الانقسام الفلسطيني الداخلي. وعلى مدى سنوات عديدة، ما انفكت حماس تُعارض، كما ينبغي، التعاون المفتوح الذي انتهجته السلطة الفلسطينية بزعامة عباس مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، حتى شهر حزيران/يونيو 2007. فلم يستهدف هذا التعاون العناصر المنتمية لحركة حماس وحسب، بل استهدف الناشطين والمنظمات التي تقاوم الاحتلال الإسرائيلي بالوسائل غير العنيفة.
تُبين ‘وثائق فلسطين’ التي كشفتها قناة الجزيرة في كانون الثاني/يناير عُمق هذا التعاون الذي وصل إلى حد أن يقوم مسؤولون في السلطة الفلسطينية بحثِّ إسرائيل على تضييق الحصار على غزة، وأن تبذل السلطة الفلسطينية جهودا لثني إسرائيل عن إطلاق سراح سجناء فلسطينيين، وأن تقوم لجان سرية بتقويض حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية السابقة التي تشكلت سنة 2007. بل إن صائب عريقات، وهو أحد كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، تباهى علانيةً أمام نظير له من الولايات المتحدة بقوله، ‘حتى إننا قتلنا أبناء شعبنا’ في سياق هذا العمل ‘الأمني’ لصالح إسرائيل.
فلو أن عباس اعتذر عن هذه الأفعال ونبذها واستنكرها كجزء من المصالحة، لكان معقولا أن تُقدِم حماس على توقيع الاتفاقية. غير أنه لم يَرِد أي شيء حول إنهاء التعاون بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، بل ثمة دلالات عديدة تشير إلى أن السلطة الفلسطينية ستواصل هذا التعاون. وفي الواقع ليس أمامها أي خيار سوى الاستمرار فيه أو المجازفة بخسارة الدعم المالي الأمريكي والأوروبي الذي يسندها.
لا تغير على أرض الوقعلم يلحظ كبار القادة الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة أي تغير في علاقتهم الوثيقة بنظرائهم في السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاق الوحدة، كما أفاد الصحافي الإسرائيلي أنشيل بفيفير. فقد قال أحد المسؤولين الإسرائيليين: ‘لم يقل أيٌ من الممثلين المحليين أو المسؤولين الأمنيين الفلسطينيين الذين تحدثت إليهم في الأسبوع الماضي إن (الاتفاق) قد غيَّر أي شيء بالنسبة لهم’. وينقل بفيفر عن قائد أحد ألوية الجيش الإسرائيلي قولَه: ‘سوف نُبقي أعيننا مفتوحة بالطبع لنرى أي تغير يطرأ على التنسيق الأمني. ولكن إلى حد الآن لم يتغير أي شيء حسب علمي بالنسبة لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. فلا تزال أولويتهم تتمثل في الحيلولة دون حصول حماس على موطئ قدمٍ في الضفة الغربية، وقد أكدوا لنا أن شيئا لم يتغير بالنسبة لهم’. وهذا ما أكده عباس نفسُه حين أخبر وفدا مؤيدا لإسرائيل جاء زائرا من الولايات المتحدة في 8 أيار/مايو، وفقا لصحيفة ‘نيويورك تايمز’: ‘أسمع شائعات تتحدث عن قدوم حماس إلى الضفة الغربية، وعن أنها ستتقاسم السلطة هنا. ولكن هذا لن يحدث’. وقد حثّ عباس وفد اللوبيات المؤيد لإسرائيل على المساعدة في إقناع الكونغرس الأمريكي بعدم قطع المساعدات المالية التي يعتمد عليها. وهذا يعني، فعليا، أن حماس وافقت على الانضمام إلى سلطة فلسطينية تشن حربا عليها بالتعاون مع إسرائيل ـ وأن حركتي حماس وفتح قررتا الإبقاء على الانقسام كسياسة. غير أنهما، ولغرض استهلاك العامة فقط، أعادتا تسميته باسم ‘الوحدة’. وينبغي النظر إلى دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعباس من أجل إلغاء الاتفاق مع حماس كدليلٍ على عِظَمِ القيمة التي تُعلقها إسرائيل على علاقتها بالسلطة الفلسطينية، لذا فإن إسرائيل لا تريد رؤية تلك العلاقة تتعرض للخطر. ولكن في حين قد تحتج إسرائيل، إلا إنها لا تملك بديلا على المدى القصير سوى أن تواصل اعتمادها على السلطة الفلسطينية في القيام بالأعمال اليومية المُعززة للاحتلال.
إن إسرائيل ببساطة لا تستطيع تحمل التكاليف المالية والسياسية والاجتماعية المترتبة على العودة إلى الاحتلال العسكري، من دون تدخل قوة فلسطينية متعاونة معها ووكيلة لها. ولذا يبدو لغاية الآن أن عباس ونتنياهو وحماس سوف يدخلون بحكم الواقع في ائتلاف غير مستقر سيصمد ما دامت حماس تلتزم بوقف إطلاق النار وما لم تختر إسرائيل إنهاءه. ومن المرجح أن إسرائيل ستحاول فضّ الائتلاف بشن هجمات عسكرية واستفزازية في غزة لدفع الجناح العسكري لحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى للرد.
غياب البرنامجلطالما أبدت حماس رغبتها في النأي عن الكفاح المسلح وتبني الوسائل السياسية البحتة، وهذا هو جوهر هدنتها المقترحة مع إسرائيل. ولا ريب في أن الدفاع عن الحق العالمي والمشروع في استخدام المقاومة المسلحة ضد المحتل لا يُنافي اختيار المقاوم عدمَ ممارسة هذا الحق. وفي حديثه لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ قال خالد مشعل في 5 أيار/مايو: ‘أينما وُجد الاحتلال والاستيطان، وُجد الحق في المقاومة. إسرائيل هي المعتدي. غير أن المقاومة وسيلةٌ وليست غاية’. ولكي تختار حركةٌ ما وسائل مختلفة، فإنه يتعين أن تمتلك تلك الحركة استراتيجية سياسية قابلة للحياة، وتعريفا واضحا لغايتها. غير أن حماس أخفقت في التعبير وفي حشد الشعب الفلسطيني حولها، بل إن استراتيجيتها تبدو ببساطة أنها المصادقة على ‘حل الدولتين’ الجائر بطبيعته وغير القابل للتطبيق، والأمل في قبول الحركة في ‘عملية السلام’. ولقد أخبر مشعل صحيفة ‘نيويورك تايمز’ عن العمل من أجل ‘أجندة وطنية مشتركة’ للفلسطينيين وعرّفها بأنها إقامة ‘دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، من دون أي مستوطنات أو مستوطنين ومن دون مقايضة أي شبر من الأراضي، واحترام حق العودة’ للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في ما غدا يُعرف اليوم بإسرائيل.
كلُّ من وعى السنوات القليلة الماضية سوف يُدرك أن هذه ليست ‘أجندة وطنية مشتركة’، لأنها ببساطة لا تحظى بموافقة شريك مشعل الجديد، عباس. وهنا أيضا، تُظهر ‘وثائق فلسطين’ على نحو قاطع أن عباس ورجاله عرضوا على إسرائيل ما هو أقل بكثير من هذا البرنامج ذي الحد الأدنى، حيث تنازلوا عن قرابة كامل أراضي المستوطنات الإسرائيلية المقامة في القدس وما حولها وتخلوا عن حق العودة.
إن معرفة حسابات القادة في حركة حماس أمر ليس باليسير، فهل حقا افتقروا إلى فكرة أفضل؟ هل يخشون أن تكسب حملة عباس الرامية لنيل اعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر زخما متناميا وأن يفوتهم الركب؟ هل هم مدركون أن ‘عملية السلام’ لن تُثمر شيئا، ولكن يأملون بأن يتجنبوا اللوم ويرثوا قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية من فتح؟
ثمة تكهنات كثيرة أيضا بأن السياق الإقليمي ـ ولا سيما الانتفاضة في سورية وحالة عدم الاستقرار المستمرة في إيران ـ قد أقلق قادة حماس كثيرا بشأن وضعهم لدرجة أنهم سارعوا إلى احتضان عباس ومنحه الشرعية من جديد. ويجدر التذكير بأن حماس ما قبلت الدعم من إيران إلا على مضض وكخيارٍ أخير بعدما جُوبِه انفتاحها في وقت سابق على أوروبا والولايات المتحدة بالرفض ـ وبعد أن قطعت المملكة العربية السعودية دعمها المعتاد للحركة بفعل ضغوط مارستها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش. لقد حاولت المملكة العربية السعودية في السابق أن تتحدى الإملاءات الأمريكية عندما توسطت في عقد اتفاق مكة سنة 2007 الذي أسفر عن إقامة ‘حكومة وحدة وطنية’ لم تلبث طويلا والتي بات معروفا لدى الجميع أن إدارة الرئيس بوش اجتهدت بمعية عناصر من حركة فتح في التخطيط للإطاحة بها. أيمكن أن يكون ما نشاهده هو محاولة من حركة حماس للخروج من الفلك الإيراني والعودة إلى المحور السعودي؟ لا شك في أن حماس تواجه مأزقا، كغيرها من الفاعلين في المنطقة، ولعلها تظن أن من الفطنة أن تتجنب مزالق القبول بنموذج الدولتين الآخذ بالتراجع ومزالق الدخول في ‘عملية السلام’. غير أنها قد تَعلق مثلما علقت حركة فتح، ولا سيما أن كل ما في جعبتها يبدو خيارات قليلةً.
إن اتفاق ‘المصالحة’ المُبرم بين فتح وحماس يوضح على نحو يحُزُّ في النفس ويناقض آمال معظم الفلسطينيين أن كلتا الحركتين لا تملكان أدنى فكرة عن كيفية انتشال الفلسطينيين من مأزقهم. فهما تبدوان على السواء معنيتين وحسب باقتسام غنائم السلطة الفلسطينية وإدارة الحطام الناجم من فشل اتفاقات أوسلو في ما بينهما.
وبصرف النظر عن أفعال قادة فتح وحماس، فإن الخطأ الأكبر الذي قد يرتكبه بقية الفلسطينيين هو أن يتركوا مصير حركتهم الوطنية في أيدي هؤلاء القادة.
برنامج فلسطيني وحدوي بحقإن أمست حركتا فتح وحماس تجهلان شكل البرنامج الحقيقي والفعال والقابل للحياة للوحدة الوطنية والنضال الوطني، فإن ذلك لا يعني أن هذا البرنامج ليس له وجود، بل هو موجودٌ ومتمثلٌ في نداء المجتمع الفلسطيني الصادر سنة 2005 والداعي لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.
إن نداء المقاطعة الحائز تأييد المئات من المنظمات الفلسطينية لا ينشغل بإيجاد ‘الحلول’ بل يُعنى بحقوق كافة الفلسطينيين في كل مكان.
وللنداء ثلاثة مطالب تتمثل في إنهاء الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي لكافة الأراضي العربية الخاضعة لسيطرتها منذ 1967؛ وتحقيق المساواة الكاملة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل؛ وضمان الاحترام الكامل لحقوق اللاجئين بما فيها حق العودة.
وعلاوة على ذلك، يوفر هذا البرنامج الجامع وسيلة للنضال تتمثل في إقامة حملات تضامن دولية لدعم الفلسطينيين على الأرض عن طريق عزل إسرائيل مثلما عُزلت جنوب افريقيا إبان نظام الفصل العنصري في ثمانينات القرن الماضي، حتى تحترم إسرائيل حقوق الفلسطينيين. وعلى أولئك الرافضين للحملة أن يلاحظوا أن القادة الإسرائيليين يصفون نداء المقاطعة ‘بالتهديد الوجودي’ لأنهم يدركون قوته المتنامية.
إن نداء المقاطعة يوحد الفلسطينيين بحق لأنه يتناول حقوقهم كلَّها. وبدلا من انتظار أن يقوم قادة الفصائل بوضع برامجهم الخاصة خلف أبواب موصدة ومن ثم فرضها علينا، فإنه ينبغي لنا أن ندعوهم لمباركة نداء المقاطعة والعمل على تنفيذه. وإن هُم أبوا، فعلينا المواصلة من دونهم.’ مستشار لشؤون السياسيات في شبكة السياسات الفلسطينية