‘مصحف أحمر’ للغربي عمران: اليمن السعيد في الذاكرة الحزينة

حجم الخط
0

د. شهلا العجيلي

لم تقلّ الثورات العربيّة بعد عذاباتها جميعاً، لأنّ الحياة في الوطن العربيّ، القائمة على تواتر القلق، وتناسل الدماء والخيبات، لم تمنح المبدع فرصة يستحقّها التأمّل، وتحتاجها إعادة قراءة الأحداث، ليصنع نصوصاً برؤية أخرى مضادّة، أو مختلفة، أو كاشفة لما غاب عن العدسة الرسميّة التي رصدت الحدث، وذلك على الرغم من كمّ الروايات التي قدّمت الإنسان العربيّ وما يحيط به من متغيّرات، منذ الشرارة الأولى للنار التي أحدثت هذا الهشيم الذي نحن فيه، وأقصد منذ الانقسامات التي حدثت بعد ( سايكس/ بيكو)، لذا ما تزال الرواية العربيّة تفتح ملفّات مرارات الإنسان وقهره، لا سيّما في الحقبة التي تلت ثورات التحرّر من الاستعمار، والتي كان من المفترض أن تختصّ ببناء مجتمعات تقدميّة قائمة على فكرة الدولة القوميّة الواحدة.

تُفتح تلك الملّفات تباعاً، بيد من عاصرها من المبدعين، أو بيد من عاش وهو يجني ثمار ما أنتجته من خراب، وإذا ما كانت الدوائر الأمنيّة للأنظمة قد أغلقت مثل هذه الملفّات إلى الأبد، فإنّ الذاكرة البشريّة العربيّة التي تنوء بحمل هذه العذابات كلّها، تنزع إلى التفريغ بين حين وآخر، مفسحة المجال لعذابات جديدة، ومؤكّدة أنّ التاريخ دائماً بحاجة إلى من يعيد كتابته من جديد.

لا تنفصل في الرواية العربيّة، عموماً، سيرة الجماعات عن سيرة الأفراد، وهذا ما يشكّل جزءاً من خصوصيّتها، وهي من هذه الجهة تشبه الملحمة، ولكنّها تختلف في كون بطل الملحمة على وفاق تام مع عالمه أو مع جماعته، في حين يكون بطل الرواية على قطيعة مع عالمه، وبهذه القطيعة تصير الرواية رواية. وعلى الرغم من ذلك كلّه، فإنّ الإنسان يحنّ باستمرار إلى كتابة حكايته الخاصّة، وإلى أن يجعل لها الأولويّة على حكاية الجماعة، وهذا ما تطرحه رواية ‘مصحف أحمر’، الصادرة في دار الريّس 2010، للمبدع اليمني محمد الغربي عمران الذي يقول على لسان ( سمبريّة): ‘ستدرك يوماً أهميّة أن يكون للفرد حكايته الخاصّة، حين تبحث عن ذاتك، الإنسان بحاجة إلى ما يميّزه، حينها سيتحرّك شيء ما بداخلك لتحكي’ ( ص21). تلتقي الوحدات السرديّة للنصّ عند مرحلة إجهاض المشروع المشرق لليمن الجنوبيّ، وتتفرّع إلى السير الذاتيّة للمقاومين، والتي لا تنفصل عن السيرة الجماعيّة للوطن، عبر شخصيّتي ( تبعة) وزوجته ( سمبريّة) اللّذين عاشا منفصلين بسبب جور السلطة السياسيّة، الذي يوازي تماماً جور النظام الاجتماعيّ / الثقافيّ في البنية البشريّة العربيّة. ويتفرّع من نقطة الانعطاف تلك مسار سرديّ يحكي حكاية الجد ( العطوي)، القادم من زمن ( المصحف الأحمر) الذي يرمز إلى الجوهر الواحد للأديان الثلاثة التي انطلقت من أرض العرب. يعتقل العطويّ بتهمة حيازة المصحف الأحمر، ممّا يشير إلى أنّ كلّ من لا ينتمي إلى فريق السلطة سيقف في مرمى الاعتقال وهدر الكرامة، سواء أكان من اليسار الثوريّ القوميّ أو الماركسيّ، أم كان من الذين لا يؤمنون سوى بالله وملائكته وكتبه ورسله. كما تتفرّع من نقطة الانعطاف تلك، سير ذاتيّة لأفراد يعيشون مرحلة ما بعد التحوّل، وينتقلون من خذلان إلى آخر، حتّى يغيبوا في حرب الخليج الثانية، ويشهدوا دخول قوّات التحالف بغداد عبر الحفيد ( حنظلة). تنجلى الحياة، خلال هذه المسارات السرديّة، عن بشر ينتمون إلى مختلف ألوان طيف الممكن، إنّهم قلّة من الأسوياء، وكثرة من المشوّهين شكلاً وسلوكاً، وهذا ما يشكّل أصل عمليّة النمذجة الفنيّة. وتتسق مغامرات الجسد في بيوت صنعاء وحمّاماتها، مع مغامرات الفكر والسياسة في شوارعها، ومساجدها، وسجونها السريّة، في حين أنّ أصل الحكايات كلّها قرية يمنيّة صغيرة، تنتمي إليها كلّ من عائلة العطوي وعائلة ( تبعة)، وهي ( حصن عرفطة). لعلّ قدر الرواية العربيّة هو أن تحكي عذاباتها في حضور معذّبيها، وهذا ملمح آخر من ملامح خصوصيّتها، بل هو جزء رئيسي من مغامرتها، لذا تمنع مثل هذه الروايات من التداول في بلدانها، كما حصل مع ‘مصحف أحمر’، في حين قالت الثورات الأخرى: الفرنسيّة، والروسيّة، والإسبانيّة في شطر منها، والتشيليّة، قالت عذاباتها بعد زوال الطغيان، وفي ظلّ أنظمة جديدة. وعلى الرغم من ذلك كلّه فإنّ المبدع العربيّ لن ينعتق من المجموع، ذلك أنّ سيرورة الحياة التي يعيشها لن تمكّنه من ذلك، إنّه السليل الثقافيّ للأنبياء الذين خرجوا من هنا، لذا ما يزال يمتلك شعور المخلّص، وإن عملت الأنساق السياسيّة، تاريخيّاً، على منازعته شرف هذه المهمّة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية