القاهرة ‘القدس العربي’ من منار محمد يستعد المصريون لمواجهة صيف صعب بكافة المقاييس، خاصة مع تفاقم عدد من الازمات بينها النقص في الوقود والانقطاع المتكرر للكهرباء.
وتعاني القاهرة والجيزة ومحافظات الصعيد اكثر من غيرها من عواقب هذه الازمة، اذ ادت إلى اختناق حاد في المرور نتيجة اصطفاف السيارات لعدة ساعات أمام محطات الوقود، خاصة بعد أن شمل نقص الوقود أنواعا كانت متوافرة بسبب ارتفاع سعرها نسبيا، فيما انتعشت السوق السوداء حيث ارتفعت أسعار البنزين والسولار فيها بنسب تتجاوز 200بالمئة.
وارتفع سعر لتر بنزين 80 المدعوم من الدولة من 90 قرشاً فقط في محطات الوقود إلى 2.5 جنيه في السوق السوداء، فيما ارتفع سعر لتر السولار ليسجل قرابة 3 جنيهات في بعض المناطق.
ورغم إعلان وزارتي التموين والبترول اكثر من مرة ‘انتهاء الأزمة’، لكن ما زالت الطوابير الممتدة أمام محطات الوقود والأسلاك الشائكة التي تمتد على أبواب البعض الآخر في اغلب الشوارع تمثل أكبر دليل على استمرار المشكلة التي اصبحت تثير غضبا شعبيا متزايدا.
واعتبر خبراء ان عودة ازمة الوقود تبرئ ساحة قطاع غزة الذي اتهمه البعض في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي بالتسبب في نقص البنزين ‘الذي كان يهرب اليه عبر الانفاق بمساعدة من جماعة الاخوان’ حسب مزاعمهم، خاصة ان الجيش المصري اعلن رسميا تدمير نحو 98 بالمئة من الانفاق.
ومع تصاعد الأزمة بدأت وزارة البترول في اللجوء إلى طرق بديلة منها تحويل السيارات التي تعمل بالبنزين للعمل بالغاز المضغوط الذي يعتبره الخبراء ‘الحل السحري’ لحل أزمة نقص الوقود.
وتسابق الهيئة العامة للبترول الزمن للخروج من الأزمة الحادة بطرح 300 طن يوميا من جميع الأنواع، بمعدلات زيادة بلغت 33′ عن المعدلات الطبيعية.
وادت الازمة لزيادة تعريفة نقل الركاب بسبب نقص كميات الوقود في المحطات ولجوء السائقين لشراء ما يكفيهم من السوق السوداء.
وقال أحد العاملين في محطة بنزين في الجيزة ‘إن إدارة المحطة قامت بوضع بعض الحواجز البلاستيكية أمام منطقة دخول السيارات، للإيحاء للسائقين، ومالكي السيارات بعدم وجود بنزين أو سولار ثم القيام ببيعه في السوق السوداء’.
ويؤكد محمد عبدالعزيز، سائق ميكروباص أنه لا يجد البنزين في بعض المحطات، وإن وجده فإنه يقف أكثر من ساعة في الطابور، وعندما يأتي دوره ، يجد (هجوما) من سائقي التوك توك، وأصحاب الموتوسيكلات الذين يحملون الجراكن، ويقومون بتعبئتها، وتخزينها خوفا من استمرار الأزمة، ومن ثم تنفد الكمية التي تحصل عليها المحطة في وقت قصير. كما انتشرت ظاهرة غش البنزين، حيث استغل البعض ضعف الرقابة والانفلات الأمني، في خلط بنزين 90، و92 ببنزين 80 الرخيص للاستفادة من فارق السعر بين النوعين، فضلا عن قيام بعض المحطات بإضافة مياه على البنزين، الأمر الذي يسبب ضررا شديداً بمحركات المركبات.
ومن ناحيته اعترف حسام عرفات، رئيس الشعبة العامة للبترول باتحاد الغرف التجارية ‘إن أزمة الوقود عادت بالفعل وخاصة في محافظات الصعيد’، مشيرًا إلى أن ‘الحكومة حريصة على ضخ كميات كبيرة من الوقود بالقاهرة والجيزة، خوفًا من اندلاع مظاهرات من أجل الوقود’.
ويرى اللواء منتصر شعيب رئيس مباحث التموين سابقا ‘أن سبب الازمة هو نقص المعروض من تلك السلع المدعمة، وكان من الممكن أن تحل الدولة تلك الازمة من خلال الاستيراد السريع لتلك السلع من الخارج لتغطية النقص بالسوق المحلي’.
ويتابع ‘للأسف بعض محطات البنزين قد يكون لديها حصتها كاملة ولكن في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب الرقابة يدعون عدم وجود حصص لديهم ثم يقومون ليلا ببيعها بأسعار خيالية للربح غير الشرعي فلابد من تشديد الرقابة والعقوبات فلا يمكن أن تكون العقوبة مجرد غرامة 500 جنيه لتاجر يربح عشرات الالاف يوميا’.
ولم تتوقف الازمة عند ذلك الحد، ولكن زاد على ذلك أزمة اسطوانات البوتاغاز المنزلية. اذ تعاني الاسرة البسيطة لعدم قدرتها على الحصول على اسطوانة بوتاغاز فتصاب المنازل بالشلل، ووصل سعرالانبوبة 25 جنيهاً (ان وجدت) بينما ما زال سعرها الرسمي ثلاثة جنيهات فقط.
وادى نقص الوقود الى عودة ظاهرة انقطاع التيار الكهربائي لتعيد إلى الأذهان فترة حكم ‘الاخوان’. وتتعاقب الحكومات، ويبقى الحال على ماهو عليه، وعلى المتضرر شراء مولد كهربائي يعمل بالبنزين والسولار ‘غير المتوفرين’.
وأشعلت تصريحات لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة المهندس محمد شاكر، غضب المواطنين، بعد أن صرح بأن التيار قد ينقطع من 3 إلى 6 ساعات يوميا في فصل الصيف، إذا ما حدث عجز بالوقود المتوفر بنسبة تتراوح من 10 إلى 20 بالمئة.
ولكن رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، حافظ سلماوي حاول تهدئة المخاوف فقال ‘إن تصريحات الوزير بشأن انقطاع الكهرباء، قد يقصد بها تحضير الناس للسيناريو الأسوأ، ولكن هناك إجراءات تتم لتجنب حدوث هذا الأمر’.
وتقول زينب علي وهي موظفة بوزارة العدل، ‘إن الكهرباء تهرب يوميا وبالساعات ولا نعلم السبب وراء انقطاعها، لافتة إلى أن الأيام القادمة هي أيام امتحانات، داعية الحكومة للبحث عن حلول سريعة وعاجلة’.
وأكد الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب ‘أن أصل مشكلة الكهرباء يعود إلى عدم وجود رصد دقيق للاستهلاك الفعلي للكهرباء’، مشيرا إلى ‘أن هناك كميات هائلة من الكهرباء تستهلك بشكل غير قانوني، خاصة وأن هناك أعدادا كبيرة من المنازل المخالفة والأسواق العشوائية تقوم بسرقة التيار’. وأكد أن سماح الحكومة باستخدام الفحم بمصانع الإسمنت سيفاقم مشكلة تلوث البيئة، ولن يساعد في حل أزمة الكهرباء.
ويجمع مراقبون على ان مصر تقف على ابواب صيف ساخن ليس من الناحية السياسية فحسب، ولكن من الناحية الاقتصادية والخدمية ايضا. وبينما تستولي الانتخابات سواء الرئاسية او البرلمانية على اهتمام اغلب وسائل الاعلام، يبقى المواطن وحيدا وهو يواجه ازمات معيشية عاتية، في غياب كامل للحكومة ‘المشغولة بامور اخرى’ حسب اراء الكثيرين.