مصرية نوبية: أحمد منيب وموسيقى أرض الذهب

النوبة اسم مشتق من كلمة هيروغليفية قديمة هي «نوبو» وتعني أرض الذهب، أطلق المصريون القدماء هذا الاسم على تلك المنطقة في جنوب مصر، لأنها كانت غنية بالذهب ومصدراً من أهم مصادره، لكن ثراء النوبة ليس ذهباً وحسب، فإلى جانب الثراء المادي وخيرات الأرض، هناك الثراء المعنوي والوجداني، الأكثر قدرة على البقاء والصمود في وجه الزمن وغضب الطبيعة، وتقلبات السياسة، وعهود الحكم. وإن لم يتمكن أهل النوبة من حمل ثرواتهم المادية وبيوتهم وأشجارهم والانتقال بها حينما تم تهجيرهم من أرضهم إلى محافظات الصعيد والإقليم الجنوبي، فإنهم حملوا ثرواتهم المعنوية من لغة وثقافة وعادات وتقاليد وفنون ورسومات ومشغولات وزخارف وأزياء.
وكما أن النوبة أرض الذهب فإنها كذلك أرض الموسيقى، وكما تجري على ألسنة أهل النوبة لغتهم الخاصة القديمة رائقة جميلة، تنساب موسيقاهم أيضاً كنهر فيّاض بالخيال والصفاء، بينما تنتظم في سلم خماسي تمتاز به موقعة بإيقاعات فريدة نابعة من أعماق هذه الأرض. لأهل النوبة آلاتهم الموسيقية القديمة الخاصة بهم كآلة الطنبورة وهي آلة وترية خماسية الأوتار، نجد لها شبيهاً في النقوش والرسومات الفرعونية على جدران المعابد، ويمكن القول إنها قريبة إلى حد ما من آلة السمسمية الموجودة في بورسعيد، وإقليم القناة، وكذلك لأهل النوبة نسخهم الخاصة من الناي والدف بأسماء مختلفة، ولفنون النوبة بشكل عام من موسيقى ورقصات تقليدية ورسوم وملابس طابعها الجميل المحبب إلى القلب.

صوت النوبة الذهبي

يعد الموسيقار والمطرب الراحل أحمد منيب 1926 ـ 1990 من أهم وأبرز فناني النوبة، حيث قدم الموسيقى والإيقاعات والروح النوبية الأصيلة في شكل حديث معاصر بعيدا عن الشكل الفلكلوري التقليدي الخالص. كان أحمد منيب صوتاً مصرياً نوبياً يغني باللغة النوبية وباللهجة العامية المصرية، وكان يعبر في أغانيه عن المشترك الذي يجمع بين المصريين في أي بقعة كانت من أرض الوطن، وبالطبع كان هناك في أعماله الكثير الذي يعكس خصوصية الثقافة النوبية، ويعبر عن هموم وقضايا ومعاناة أهل النوبة، المضافة إلى هموم وقضايا ومعاناة المصريين بشكل عام، الحزن العام والفرح العام والشعور العام، تجاه الكثير من الأمور والأشياء. كما أن الهم النوبي الخاص هو في جوهره هم إنساني قد يختبره المرء في أي مكان وزمان، فالهم النوبي الأول والكبير هو التهجير والاقتلاع من الجذور في أرض الأجداد، حيث الأصل والارتباط الوجودي والطبيعي بالمكان، ما سبب ألماً عميقاً وجرحاً دائماً وحلماً أبدياً بالعودة إلى النوبة، وبناء البيوت التي هدمت من جديد وغرس الأشجار التي اقتلعت من جديد. هذا الهم النوبي وحلم العودة نجدهما في العديد من أغنيات أحمد منيب، سواء باللغة النوبية أو باللهجة المصرية.
لأحمد منيب مكانه ومكانته الخاصة في قلب ووجدان المصريين، وكل من استمع إليه يوماً، كان وحده يمثل لوناً فنياً موسيقياً متفرداً لا مثيل له، ذلك اللون الحديث المعاصر الذي يواكب زمنه بأغنيات قصيرة بسيطة التركيب غير معقدة موسيقياً، يميزها إيقاع نوبي يكاد يكون متشابهاً في نظامه، لكن السامع لا يمله أبداً، ولا يشعر بالاكتفاء من سماع الأغنيات الواحدة تلو الأخرى. على الرغم من أن الآلة الوترية الأولى عند أهل النوبة هي الطنبورة، إلا أن العود كان آلة أحمد منيب الأساسية التي يعزف ويؤلف عليها ألحانه، وكان يُنطق العود بنغم وإيقاع نوبي ما صنع علامة صوتية مميزة تدل على ألحانه فور سماعها. أحاط أحمد منيب نفسه بمجموعة من الشعراء الغنائيين الذين كانوا يكتبون كلمات أغانيه باللهجة العامية المصرية واللغة النوبية، منهم على سبيل المثال محيي الدين شريف ومجدي نجيب وعبد الرحيم منصور، كما كان أحمد منيب يكتب بنفسه بعض كلمات أغانيه باللغة النوبية. ولا يخفى تميز وفرادة كل كلمة تغنى بها أحمد منيب طوال حياته الفنية، وجرأتها وقوتها وحمولتها السياسية المرتبطة بالهم الخاص والعام على السواء، قام الموسيقار الراحل بذلك بصدق شديد وبساطة مدهشة، بعيداً عن صورة الفنان الملتزم أو المناضل بالفن، أو ذلك الفنان الذي يتاجر بالآلام بينما هو يلهو ويمرح فوق هذه الآلام، ويتخذ من المصائب الرهيبة فرصة ذهبية للظهور بحثاً عن مجد شخصي أولاً وأخيراً، كان أحمد منيب فناناً حقيقياً ووطنياً مخلصاً منتمياً إلى مصر، ومنتمياً بالطبع إلى أرضه النوبة التي حرم منها وظل يتغنى بها ويحلم بالعودة إليها.
كان فن أحمد منيب تعبيراً صادقاً عما كان ولا يزال يؤرق المصريين، كما في أغنية «حدوتة مصرية» التي يغنيها كسرد متصل مع أنغام قليلة، ويمتزج فيها الهم المصري العام بإشارات إلى معاناة أهل النوبة، «يا ناس يا ناس يا مكبوتة.. آهيا دي الحدوتة.. حدوتة مصرية» «قبل الطوفان ما يجي.. خلتني أخاف عليكي يا مصر وأحكيلك على المكنون.. مين اللي عاقل فينا مين مجنون.. مين اللي مدبوح م الألم.. مين اللي ظالم فينا مين مظلوم» «مين اللي بيبيع الضمير ويشتري بيه الدمار.. مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم». يأسر أحمد منيب سامعه منذ بداية الأغنية حتى نهايتها، وينفذ إلى أعماقه بإحساسه وتعبيره الصوتي عن كل كلمة ويجعله في حالة تنبه ذهني كامل، يتتبع غناءه وطريقة نطقه لكل كلمة، وكذلك وقوفه بعد كلمات معينة ليصبح الصمت دالاً أيضاً.
كان أحمد منيب صوتاً جامعاً لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد، ولم يستغل معاناة النوبة لإشاعة أجواء الفرقة والتمزق، بل كان يعبر بقوة وصدق عن هذه المعاناة حالماً بالعودة إلى أرضه في يوم من الأيام، ومن أجمل أغانيه تلك الأغنيات التي تصف حال الشوق والحنين إلى النوبة، وتصور الحياة الجميلة البسيطة على أرضها في أحضان النيل والطبيعة، والحلم والأمل في إعادة تلك الحياة كما كانت بجميع تفاصيلها، ومن أشهر هذه الأغنيات أغنية «مشتاقين يا ناس لبلاد الدهب» ويا ناس هنا نداء يدل على أن الشق بلغ حده وزاد احتماله، تبدو هذه الأغنية كدمعة حنين مترقرقة في العين، يغنيها أحمد منيب بإحساس عميق يتجلى صدقه في كل حرف من حروف كلماتها، تتكون الأغنية من ثلاثة مقاطع، يختلف المقطع الأول في تركيبه اللحني وطريقة غنائه عن المقطعين التاليين، فبعد أن تبدأ الأغنية بضربات الدفوف والإيقاع المنتظم المصاحب للموسيقى، يغني أحمد منيب المقطع الأول الذي يقول: «مشتاقين يا ناس للبيت.. لنبع الحبايب.. لبلاد النخيل والغيط ع العود اللي غايب.. للحب الكبير.. والشوق الكتير.. مشتاقين يا ناس لبلاد الدهب» بوتيرة بطيئة يسير المقطع الأول ويغنيه منيب متمهلاً مع التمديد الطويل للكلمة الأخيرة من كل جملة، هذا التمديد قد يوحي بالبكاء أو بصرخات تعلن عن الألم، أو ربما نداء استغاثة ورفع للشكوى، وربما هي محاولة للوصول بالصوت إلى المكان الذي تهفو إليه الروح وتشتاق إليه النفس. بعد ذلك ينساب اللحن بشكل أكثر سرعة، وكذلك غناء المقطع الثاني الذي يقول: «كُبُر الشوق جوه القلب.. كان لسه في حضن الحب.. خدنا ومشينا والأيام خدتنا.. رحلة.. عودة.. ناويين إننا راجعين يا بلادي ومشتاقين.. مشتاقين يا ناس لبلاد الدهب» ويقول المقطع الثالث: «نادرين لما نرجع تاني لبلاد الجمال رباني.. جوه البيت هنزرع نخلة تطرح خير وتعمل ضلة.. والعصافير تلقّط غلة في الحوش الكبير والرملة.. جار الساقية في العصرية نحكي حكاوي.. والأفراح هتملى الناحية ويّا غناوي.. مشتاقين يا ناس لبلاد الدهب».
ترك أحمد منيب مجموعة كبيرة من الأغنيات الرائعة باللهجة العامية المصرية من أشهرها «الليلة يا سمرة يا سمارة» و»عقد الفل والياسمين» التي يتغني فيها ببعض مدن وقرى ومحافظات مصر في الوجه البحري والوجه القبلي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ويذكر النوبة بالطبع، ويضم كل أسماء كل هذه الأماكن ويشبكها في عقد واحد كزهرات الفل والياسمين، ويختتم الأغنية بسيناء الحبيبة قائلاً: «من السويس قلت ياللي.. في القنطرة فجر تملّي.. والوز الأخضر بيصلي على القناية من سينا». وكذلك أغنيات أخرى مثل «شبابيك» «صدقني يا صاحبي» «ربك هو العالم» «شجر الليمون» «شد القلوع يا مراكبي» وأغنية «مصرية نوبية» ذات اللحن الأخاذ والكلمات الجميلة التي يقول مطلعها: «مصرية نوبية.. حبيبة سمرة خمرية.. عيونها كحيلة عسلية.. وحتى عينيها سحرية.. وشوق ونغم وحنية» وغيرها الكثير من الأغنيات.
كما ترك أحمد منيب أيضاً مجموعة أخرى رائعة من الأغنيات باللغة النوبية من أشهرها أغنية «نيجربيه» تتيح هذه الأغنيات التمتع بصوت أحمد منيب بلغة وتعبيرات صوتية أخرى، ما يزيد الإحساس بمدى رحابة عالم هذا الفنان وتنوعه. للغة النوبية وقع جميل على الأذن وهي من اللغات القديمة جداً، التي حافظ أهلها عليها وحرصوا على تناقلها عبر الأجيال، وأحياناً نجد في بعض أغاني أحمد منيب بعض المفردات القليلة التي تتشابه مع مفردات اللهجة العامية المصرية، وتساعد الترجمات المتوفرة لبعض أعماله على فهم هذه الأغنيات والمزيد من الاستمتاع بها، وحتى إن لم تتوفر الترجمة فاللغة ذاتها مع صوت أحمد منيب وإحساسه وموسيقاه يتحقق للسامع الكثير من المتعة الفنية. ومن الأغنيات النوبية الجميلة أغنية «إرشورتنا» وفيها غزل لطيف وتعبير موسيقي رائع عن معاني الكلمات، كتعبيره عن رنة خلخال الحبيبة المارة في الطريق، وأغنية «إسكاليلو» أي الساقية، وتتحدث عن الساقية والشادوف والجلوس عندهما، وجلسات السمر والمرح والتغزل في سمراء جميلة والسؤال عن أحوالها، كما تتحدث أيضاً في إشارة إلى النوبة عن بناء الساقية الفريدة من جديد وإعادة زراعة الأرض. وكذلك من أجمل الأغنيات باللغة النوبية أغنية «بلسم شافي» وهي أغنية باللغة النوبية، على الرغم من عنوانها الذي قد يبدو باللهجة المصرية، يستخدم منيب هاتين المفردتين «بلسم شافي» ويقصد بهما الحبيبة التي يفتقدها ويبحث عنها قائلاً: «سلّيه سلّيه سلّيه.. بلسم شافي سلّيه».
مع هذه الأغنية وجميع أغنيات وأعمال الموسيقار الراحل أحمد منيب، يستمتع المرء بجمال الموهبة الطبيعية وبالموسيقى المنسابة كمويجات النيل الخالد، وبذلك الصوت الوقور الجميل ذي الإمكانيات التعبيرية الواسعة، ونبرته التي لا تخلو من لمسة الحزن أحياناً وإحساس الشجن المغلف بالصبر والرضا، ذلك الصوت الذي نشعر فيه بالطيبة المصرية ورحابة النفس والفرح الخالص من القلب عندما يأتي الفرح، ذلك الصوت الذي تتجلى فيه الذاتية المصرية وأصالة الوجدان المصري وسلامة الروح المصرية.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية