القاهرة ـ «القدس العربي»: لجأ مصريون إلى ساحات المحاكم في محاولة لوقف قرارات الإزالة التي صدرت لمنازلهم في أكثر من مكان في القاهرة والجيزة، في إطار خطة تطوير القاهرة التي تتبناها الحكومة المصرية للقضاء على العشوائيات، ونقل المقابر التاريخية من وسط القاهرة.
آخر دعوى قضائية شهدتها ساحات المحاكم المصرية، أقامها مكتب «دفاعنا» للمحاماة الذي يديره المحامي الحقوقي خالد علي، موكلاً عن بعض أهالي منطقة ألماظة في القاهرة، للطعن على المادة الثانية من قرار رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، رقم 3025 لسنة 2021 الذي يتيح الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات الواقعة في نطاق توسعة شارع حسين كامل سليم، تمهيداً لنزع ملكيتها.
ويطالب الأهالي بدلاً من إزالة الـ 39 عمارة يقطنون فيها، أن يتم ترحيل سور مطار ألماظة بقدر المساحة اللازمة لتوسعة الشارع.
بديل متاح
وقال الأهالي في الدعوى إنهم «لا يعارضون أعمال التطوير، ولكن يطالبون بالبديل المتاح الذي يوازن بين كافة المصالح، فترحيل سور المطار يسمح بالتوسعة اللازمة ما يحمي الأهالي من هدم منازلهم التي تملكوها بعقود شراء منذ عشرات السنين من إحدى شركات القطاع العام آنذاك، ولهم نسبة في الأرض».
وأوضحوا أن «التعويضات المقترحة من الدولة تقدر بـ 8 آلاف جنيه للمتر، رغم أن سعر المتر المربع في المنطقة الآن يتجاوز 35 ألف جنيه، ويستحيل عليهم الحصول على سكن بديل بمبلغ التعويض المقدر من الدولة».
وقال أحد الأهالي لـ«القدس العربي» دون ذكر اسمه، إنهم «فوجئوا بقرار الإزالة، إضافة إلى قرارات أخرى موجهة لرئيس حي مصر الجديدة بقطع المياه والكهرباء عن العقارات المقررة إزالتها».
نزلة السمان
والخميس الماضي، نظرت محكمة دعوى أقامها أهالي منطقة نزلة السمان، في ضواحي محافظة الجيزة، ضدّ قرارات إزالة منازلهم وعدم إعلامهم بمشاريع التطوير التي يجري تنفيذها دون أي حوار معهم.
وأعلن المحامي الحقوقي خالد علي، الموكّل عن الأهالي، أن المحكمة قضت بتأجيل القضية إلى جلسة 16 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بعد طلب المحامين من المحكمة إرسال لجنة خاصة من قبلها لمعاينة المنطقة على أرض الواقع، تكون هي الفاصل بين الأهالي والحكومة، والاطلاع على تقارير خاطئة من محافظة الجيزة واللجنة المسؤولة عن تطوير المنطقة.
وقبل عدّة أشهر، فوجئ أهالي نزلة السمان بمرور لجان لحصر سكان ومباني المنطقة ووضع علامات على البيوت، ولم تتضح خطة الحكومة للمنطقة سوى لاحقاً، حيث يعدّ الحصر خطوة غالباً ما تُتَّخذ قبل قرار الإزالة في إطار خطة التطوير
وفي أواخر أغسطس/آب الماضي، بدأت بالفعل المرحلة الأولى من تهجير أهالي نزلة السمان، بالتزامن مع بداية إزالة منطقة سن العجوز بالنزلة، ومن المقرّر إزالة منطقة نزلة السمان بكاملها على 3 مراحل.
وحسب «حركة الاشتراكيين الثوريين» فقد اضطر قرابة 8 آلاف مواطن إلى ترك منازلهم، بعد أن حرمتهم عشرات المدرّعات المحمّلة بمئات جنود الأمن المركزي، من أي سبيل للاعتراض في سبتمبر/أيلول الماضي.
أهالي الورّاق ونزلة السمان وألماظة يقيمون دعاوى رفضا للإزالة
وتُعتبر منطقة نزلة السمان من أقدم مناطق الجيزة التاريخية، لقربها من الأهرام ومفيض نهر النيل، وتوسّعت رقعة السكن فيها، خاصة بعد بناء خزان أسوان وجفاف المنطقة. في البداية، كانت نزلة السمان تتبع قرية الكوم الأخضر إدارياً، ولكن في عام 1932 أصبح لها كيان إداري مستقل، وأنشئ فيها قسم شرطة الأهرام، الذي تتبع له الآن جميع القرى المحيطة، ومنها الكوم الأخضر.
جزيرة الورّاق
في السياق، قررت محكمة القضاء الإداري، السبت، تأجيل الدعوى المقامة من عدد من أهالي جزيرة الورّاق، لوقف تنفيذ وإلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 20 لسنة 2018 والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 2 يونيو/ حزيران الماضي، بإنشاء مجتمع عمراني جديد على أراضي الجزيرة، ونقل تبعية الجزيرة من المحليات إلى هيئة المجتمعات الجديدة، لجلسة أول يناير/ كانون الثاني المقبل.
وسبق للمحكمة أن أصدرت حكما تمهيديا في هذه الدعوى في مارس/ آذار 2019 بتشكيل لجنة ثلاثية منتدبة من مكتب خبراء الجيزة لدراستها، وإعداد تقرير فني بشأنها، على أن يتضمن التقرير بيان تبعية الجزيرة، فيما يتعلق بما إذا كانت الجزيرة مجتمعا سكنيا مستقلا أم تابعة لوحدة محلية لقرية أو مجلس مدينة، وإعداد حصر بنسبة العقارات المنشأة على الجزيرة ونسبة الأراضي الزراعية، وأيضاً إعداد حصر ثالث بعدد الأراضي التي أصدرت الحكومة قرارات بنزع ملكيتها للمنفعة العامة.
يذكر أن عماد الدين محمد، أحد أعضاء هيئة الدفاع عن أهالي الجزيرة، سبق وقال أمام المحكمة إن قرار رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ضرب بعرض الحائط مواد الدستور، ومبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، فأصبح مواطن جزيرة الورّاق مهددا بالتشريد، على خلاف غيره من المواطنين.
سلة غذاء
أما خالد علي عيد، أحد محامي أهالي الجزيرة، فقد أكد أن القرار يخالف الهدف من إنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي أنشئت في الأساس لتعمير الصحراء لا للبناء في الأماكن السكنية، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مبان.
وأضاف أن الجزيرة تعتبر سلة غذاء لمحافظات القاهرة الكبرى، بما تنتجه من محاصيل زراعية استراتيجية، وأن الاستمرار في تنفيذ ذلك القرار سيهدم رقعة زراعية هامة قريبة من محافظة القاهرة.
وأوضح أن محاولات السيطرة على أراضي الجزيرة والتضييق على أهلها قديمة، وتعود إلى عام 1998 حين أصدر رئيس مجلس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، قرارا باعتبار جميع الجزر النيلية محميات طبيعية، مانعا بذلك بناء أي مبان على أراضيها، وبناء عليه منعت مواد البناء من دخول الجزيرة منذ ذلك العام، ومع ذلك جاءت قوات أمنية لإزالة ما سموها بمخالفات البناء في الجزيرة على الرغم من أنه لم توضع طوبة واحدة على أراضي الجزيرة منذ صدور القرار في 1998.
ونشر موقع شركة «أر أس بي» صورا لنموذج التخطيط المستهدف، بعد أن تعاقدت معها الحكومة المصرية في 31 مارس/ آذار 2013 لتطوير الجزيرة كنموذج للتنمية المستقبلية في القاهرة. والمشروع هو الوحيد الذي تنفذه الشركة في مصر.
وطبقا لما ذكرته الشركة على موقعها، فإن من المتوقع تطوير الجزيرة المقترحة كنموذج للتنمية المستقبلية في القاهرة، وأن الهدف هو تطوير الجزيرة بحيث يدمج النموذج الجديد في البناء مع طبيعة القاهرة التاريخية، ويرفع شعار «السكان يبتسمون يوميا».
وبدأت الأزمة بين أهالي الجزيرة والحكومة في صيف عام 2017 عندما طوقت وحدات أمنية المنطقة بشكل مفاجئ، وبدأت بإخلاء المساكن وهدمها على رؤوس السكان لتندلع مواجهات عنيفة مع رجال الأمن، تسببت في سقوط قتيل بالرصاص الحي و59 جريحاً بينهم 31 من أفراد الأمن، وقضت محكمة مصرية العام الماضي بسجن 35 من أهالي الجزيرة لمدد تتراوح بين 5 سنوات والمؤبد بتهمة التجمهر ومقاومة الشرطة.
وتأتي عمليات الإزالة الأخيرة التي طالت مقابر تاريخية في وسط القاهرة، ضمن مخطط القاهرة 2050 الذي أطلقه مدبولي، حين كان رئيساً لهيئة تطوير المجتمعات العمرانية عام 2009 وكان المخطط في إطار حملة جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع حسني مبارك في ذلك الوقت.
وتقرر وفقا للمخطط الذي تم وضعه في 2007 إخلاء المناطق غير الآمنة بالقاهرة، وإزالة الكثافات السكانية العالية من المناطق العشوائية، ونقل مقابر القاهرة ما عدا الأثرية والتراثية منها، التي تعرف باسم مدينة الموتى إلى مشارف المدينة وتخصيص هذه المساحة للحدائق والمساحات الخضراء.
نقل المقابر
كان عبد الرحيم شحاتة، محافظ القاهرة الأسبق، طرح فكرة نقل المقابر من القاهرة في عام 2000 بحيث يتم استخدام الأرض في حدائق عامة ومنشآت خدمية لسكان المناطق المجاورة، من خلال دراسة تم إعدادها لنقل رفات الموتى بطريقة علمية، ولكنه لاقى معارضة شديدة منعته من تنفيذ المشروع.
وفيما يتعلق بعملية نقل واستخراج الجثث، ينص القانون رقم 5 لسنة 1966 على أن «أراضي الجبانات أموال عامة، ولا يجوز إخراج جميع الجثث المدفونة في جزء من الجبانة أو في الجبانة الملغاة لوضعها في المقبرة العامة المخصصة لهذا الغرض بالجبانة المستعملة إلا بعد مرور 10 سنوات من تاريخ آخر دفن فيها». بينما أضافت المادة 18 من اللائحة التنفيذية على هذا النص استثناء بأنه: «يجوز إنقاص هذه المدة بقرار من وزير الصحة وبناء على طلب المجلس المحلي المختص».