مصر: أثر الإدارة الاقتصادية التقليدية على مستقبل الثورة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

قوى داخلية وإقليمية وخارجية عديدة تسعى جاهدة لإجهاض ثورة 25 يناير. وتتحرك على المستويات كافة، في داخل مصر وخارجها، وعلى مستويات السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والرأي العام؛ قوى ليست قاصرة على الفلول وملحقاتها من رجال أعمال وبلطجية وخارجين على القانون. وقد تمكنت من اختراق الثورة، والعمل على كشف العلاقة التي تربط تدخلات وضغوط القوى الداخلية والإقليمية والخارجية ضرورة لاستكمال جوانب المعرفة الناقصة بأطراف معادلة العداء السافر للثورة. على هذا الصعيد تعمدت الإدارة الأمريكية الإعلان عن تدخلها المالي والتقني بلا مواربة، وجاء ذلك على لسان السفيرة الأمريكية آن باترسون؛ المرشحة للعمل في القاهرة. وكشفت الخيط الذي يربط الأموال العربية؛ سعودية وخليجية، التي أغرقت البلاد، بالتمويل الأمريكي. ومن يرصد المشهد المصري يرى ثراء مفاجئا وفاحشا لشخصيات وجماعات كانت تتوسل عونا بسيطا ومساعدة تكفي بالكاد أعمال البر والوعظ التي تقوم بها، وكان العمل السياسي والحزبي بالنسبة لها من المحرمات؛ تركت كل هذا واتجهت مشدودة نحو الإعلام والسياسة والصحافة.. كل يوم تظهر فضائية، وكل ساعة تولد مطبوعة، وفي كل دقيقة يتأسس حزب. وما يجري على صعيد العمل الأهلي والحقوقي من اختراق امتد إلى العمل الرسمي والحكومي، ليترك انطباعا بخضوعه لابتزاز وضغوط ضخمة؛ يعرفها المواطنون ولا تفصح عنها السلطات الرسمية والحكومية؛ من أجل منع محاكمة حسني مبارك وعائلته وأركان حكمه، مع رد الاعتبار لمنظومة الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار، التي ما زالت تعشش في أنحاء مصر.

وتكشفت علاقة ما أعلنته السفيرة الأمريكية آن باترسون، المرشحة للعمل في القاهرة في جلسة عقدتها لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي من أسابيع قليلة لاعتمادها خلفا لمارغريت سكوبي وهي تلملم أوراقها استعدادا لمغادرة مصر؛ كشفت أن هذه العلاقة تأتي ضمن عملية توزيع الأدوار في حصار الثورة. وتمثل الأموال التي صرفتها الإدارة الأمريكية في الفترة من 25 كانون الثاني/يناير (تاريخ ندلاع الثورة) قمة جبل الثلج العائم، وتقدر بأربعين مليون دولار، وهو ما يقرب من 240 مليون جنيه مصري، ومعها تم تخصيص 65 مليون دولار تحت مسمى مساعدات ‘دعم الديمقراطية في مصر’، ويقترب هو الآخر من 400 مليون جنيه مصري.. يضاف إليه مبلغ 150 مليون دولار وهو حوالي 900 مليون جنيه مصري، تحت مسمى تشجيع النمو الاقتصادي، وموجه لأفراد وشركات خاصة تعمل لحساب المصالح الأمريكية والصهيونية في مصر، وإجمالي المبالغ (المعلنة) لتغطية هذا ‘التدخل الناعم’، إذا جاز التعبير، بأكثر من مليار و500 مليون جنيه مصري، وهو مبلغ كبير بكل المعايير.. وقمة جبل الثلج العائم تخفي أكثر مما تُظهر، وهو ما أغرى 600 منظمة ‘حقوقية وإنسانية’، وجعلها تتقدم بطلبات للحصول على نصيبها من هذه الأموال المسمومة.

سياسة سافرة هدفها ضرب أكثر من عصفور بحجر.. الأول يصور مصر لدى الرأي العام الدولي كمجرد جمهورية موز لاتينية؛ تعيش عالة على ما يقدم لها من مساعدات وعون مالي وعيني. والثاني تأكيد انطباع بأن مصر دولة فاشلة تعتمد على ‘سادة’ البيت الأبيض، الذين يتعجلون تقسيمها وتفكيكها، ولا تملك حيال ذلك غير التسليم وتوقع الأسوأ. والعصفور الثالث هو توظيف شعار الديمقراطية لتأجيج الصراعات وزرع الشقاقات. ومن يطلع على أدبيات المنظمات التي تحصل على الأموال الأمريكية داخل مصر يجدها تتعامل مع مصر كفسيفساء متناقضة الألوان والأشكال؛ لا رابط بينها، وإذا ما اعتاد المواطنون لغتها فستكون أساسا لثقافة دخيلة تعادي الاندماج وترفض الانصهار وتقوض أسس الوحدة الجغرافية والسياسية والمجتمعية الراسخة في مصر من آلاف السنين.

ودعوى اعتماد تمويل ‘دعم الديمقراطية’ أكذوبة كبرى؛ يشهد عليها ما فعلته بالعراق؛ فككته وباعدت بين مكوناته، وحولت البلد الأغنى في الدنيا إلى الأفقر بين أقرانه، ومكن نهج ‘دعم الديمقراطية’ القوى الأكثر طغيانا وفسادا وعنصرية من التحكم في الأرزاق والأعناق، وعلى هذه ‘الديمقراطية’ عبرت قوات الغزو أرض الرافدين، والنموذج العراقي قام ليبقى وفق المنظور الأمريكي من أجل تعميمه على دول عربية كبرى؛ مثل مصر والسعودية والجزائر والمغرب، وقد بدأ بالسودان ولم يتوقف عنده.

وهذا يحدث في لحظة تبلور فيها تصور أمريكي صهيوني يرى أن لحظة التقسيم حانت والتعجيل بها يقتضي استغلال المرحلة الانتقالية الحالية، واستثمار ما فيها من سيولة وخلط وتعقيدات وتناقضات وضيق أفق قوى محسوبة على الثورة، وترسيخ الثقافة الانعزالية، والرهان على نشر مشاعر ‘الغيتو’. وبدلا من نقل مصر من الثورة إلى الدولة يتم العمل على نقلها من الوحدة إلى التقسيم. وأخذ الدور الأمريكي على عاتقه تشجيع ما تقوم به المنظمات العنصرية واليمينية في الاتحاد الأوروبي والمنظومة الغربية وكافة المنظمات الصهيونية من أجل هذا الهدف؛ وتلعب السفارة الصهيونية ومركزها الأكاديمي وشركات ‘الكويز’ وملاكها من رجال أعمال وجواسيس؛ دورا خطيرا في استغلال هذه الظروف لإشعال الفتن والصراعات.

وما يجري في صمت على الجبهة الاقتصادية الاجتماعية لا يقل خطرا. فما زال هدف تحقيق العدالة الاجتماعية بعيد المنال، ويجد حكومه تناور حول ما يخص الحد الأدنى للأجور وتلتف حول حكم المحكمة الإدارية العليا، الذي حدده بألف ومئتي جنيه مصري، وتطبقه مجزأ على خمس سنوات، وغير قادرة على وضع حد أقصى للأجور التي يتقاضاها العاملون في المراتب العليا؛ مثل كبار رجال الشرطة وقادة القوات المسلحة والأجهزة والإدارات السيادية، وتصل مرتباتهم إلى مئات الألوف إن لم تكن بالملايين.

والعدالة الاجتماعية تقتضي ألا يزيد الحد الأعلى للأجور عن عشرين ضعفا أي 24 ألف جنيه، كي يستقيم ميزان العدل نسبيا. مع تدخل السلطات الرقابية لكبح جماح الأسعار الذي استعرت بعد الثورة بشكل قد يفجر ثورة جديدة قد تنحو نحو العنف وتقفز على الطابع السلمي للثورة. وهذا ناتج رؤية قاصرة لدى من يديرون الاقتصاد المصري؛ تحمل القطاع الخاص وحده مسؤولية التنمية، وكأن مصر لم تتعلم من تجربة أربعين عاما أثبتت أن القطاع الخاص غير مؤهل لهذا الدور. فما زال رهانه على الاستثمار الأجنبي واعتماد الاقتصاد الريعي من دخل قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج وعوائد النفط والسياحة، وبسبب ذلك تم الطلاق البائن بين الاقتصاد الانتاجي والخدمي والاستراتيجي، والاكتفاء بتوكيلات ‘الفرانشايز’؛ لشرائح البطاطس المحمصة والأكلات السريعة والمشروبات والمقاهي، وسمسرة البورصة ومضاربات الأراضي والمساكن والمنتجعات وقصور وقلاع أباطرة المال ولصوص الخصخصة، واختفت مصر المنتجة المبدعة المكتفية ذاتيا، وتوقفت الدولة عن التدخل وتركت النشاط الاقتصادي لعشوائية السوق ولرجال أعمال ومستثمرين؛ عوملوا كأنبياء للعصر الأمريكي الصهيوني، وهم في الحقيقة شياطينه. وأضحت مصر تستهلك ما لا تنتج وتنتج ما لا ينفع، فزادت طبقاتها المعدمة والمحرومة اتساعا. عاد المصرف الدولي للانشاء والتعمير يطل برأسه، وبدأت أصابع صندوق النقد الدولي تستعد للعبث مرة أخرى بالإغراءات المدمرة وإبقاء الحال على ما هو عليه. ومن المفاجآت أن الصندوق مندهش من حجم الفساد الذي كان عليه حكم حسني مبارك، وهي نكتة سوداء؛ ينطبق عليها مبدأ شر البلية ما يضحك. ومن طالع ‘الأأهرام’ في الثالث من هذا الشهر يجد تصريحات عبد الشكور شعلان ممثل مصر ومجموعة الدول العربية في صندوق النقد الدولي، وهو يعرض تقرير الصندوق عن نتائج زيارة وفده الأخيرة لمصر. ويتصنع التقرير البراءة، وكأنه ليس صانعا للفساد وناشرا للفقر وحاميا للنشاط الطفيلي وهادما للمؤسسات الانتاجية الصناعية والزراعية والاستراتيجية، بدعوى إعادة الهيكلة والخصخصة ودعم رجال الأعمال ووكلاء الاحتكارات والشركات الأجنبية على حساب دور الدولة والقطاعين العام والتعاوني. بهذه البراءة الكاذبة أشاد التقرير بقدرة الاقتصاد المصري على الصمود في مواجهة الأزمات التي يواجهها!! ، واطمئنانه إلى استمرار النهج القديم الذي خطه لمصر والإبقاء عليه ‘بصورة أسرع مما كان متوقعا، وتحقيق معدلات نمو سريعة في القريب العاجل’ وعلق شعلان عما تردد عن رغبة صندوق النقد في إلغاء الدعم (وهي رغبة صحيحة). ونجاحه في إقناع المسؤولين في المصرف الدولي وفي الصندوق بعدم مطالبة الحكومة المصرية من الاقتراب من الدعم في الوقت الحالي!! وعلينا وضع ألف خط تحت عبارة الوقت الحالي، فهذه المؤسسات الاستعمارية تنتظر فرصة مواتية، ولا تقبل بالخراب بديلا، والدول التي تحررت منه نجحت وتقدمت واحتلت مكانة مرموقة. وأعرب عن أمله في أن تجد السلطات المصرية طريقة مثالية (طبعا من وجهة نظره) لتطبيق نظام دعم يضمن وصوله لمستحيقه!!. ومستحقيه كانوا وما زالوا على شاكلة هشام طلعت مصطفى وسميح ساويرس اللذين حصلا على ملايين الأمتار المربعة للإسكان الفاخر بما يشبه المجان بينما الغالبية العظمى تعيش في مساكن لا تليق بالحياة الآدمية؛ وتتوزع على أحياء فقيرة وعشوائيات وتزاحم الموتى ‘حياتهم’ في المقابر والمدافن.

ويسترسل شعلان في المغريات فيقول: ‘أنه على الرغم من أن الحكومة المصرية لم تقبل القرض الذي وافق عليه الصندوق فإن قيمة هذا القرض وهي ثلاثة مليارات دولار موضوعة تحت تصرف مصر للتصرف فيها في أي وقت تشاء’ ويراهن شعلان أن تعود معدلات الاستثمار إلى ما كانت عليه مع زوال هذه الحالة (يعني حالة الثورة) وقال من المتوقع أن تتعداها’ هل لهذا تم تسليم إدارة اقتصاد الثورة لأصدقاء المصرف الدولي وصندوق النقد الدولى، وأنصار قطع الدعم عن مستحقيه الفقراء؟

، ولتبقى المعالجة الجذرية لقضايا العدالة الاجتماعية ليست في وارد من يديرون اقتصاد الثورة. وبين نار التمويل الخارجي؛ العربي والغربي، واستمرار القبول بضغوط المؤسسات المالية الأمريكية يتم العمل على حصار الثورة وخنقها وإجهاضها واستغلال المناخ الحالي لنشر ثقافة التقسيم والتفتيت، وهو ما يجب مقاومته بكل ما يملك الشعب من قوة وقدرة على التصدي والتماسك والوحدة!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية