مصر: أهمية فتح ملف التعذيب بانتهاك الأعراض أمام الرأي العام

حجم الخط
0

مصر: أهمية فتح ملف التعذيب بانتهاك الأعراض أمام الرأي العام

محمد عبدالحكم ديابمصر: أهمية فتح ملف التعذيب بانتهاك الأعراض أمام الرأي العامكانت النية معقودة علي الكتابة هذا الأسبوع في موضوع قابلية النظام الرسمي العربي للتبعية وخدمة المخططات الخارجية المعادية، لكن تطورات الأحداث في مصر ووصولها إلي درجة هتك أعراض الرجال بعد اغتصاب النساء، جعل الصمت أمام هذه الجريمة جريمة أخري أبشع وأنكي، لهذا نحينا جانبا ما كنا قد هيأنا النفس له إلي موضوع هتك العرض كوسيلة من وسائل التعذيب النفسي والبدني شديدة الانحطاط.. وقد جاء تطور الأحداث في الشارع المصري ليفرض علي قوي التغيير بكافة توجهاتها ومواقفها فتح ملف هتك العرض والتحرش الجنسي، الذي يمارس من قبل أجهزة الأمن.. ولم يعد هذا المسلك المنحط قاصرا علي هتك أعراض النساء بل انتقل إلي هتك أعراض الرجال، عقابا علي تصديهم ببسالة لـ عائلة مبارك ومواليها.. وقد يكون تاريخ جريمة هتك العرض قديما.. شهدته مراحل مختلفة من التاريخ، لكن لم يعرف أنه مورس في السجون ومراكز الشرطة والأمن المصري إلا منذ إثارة قضية العسكري الأسود ، ودوره عام 1948، ونظرا لحساسية الموضوع اجتماعيا وأخلاقيا طوي ملف العسكري الأسود ولم يفتح مرة أخري، وحسب أدق المعلومات فإن هتك الأعراض والتحرش الجنسي صار وسيلة رئيسية من وسائل التعذيب البدني والنفسي في تسعينات القرن الماضي، عند التعامل مع الجماعات الإسلامية، واستهدفت زوجات وأخوات وأمهات البعض، وانهار عدد منهم وكان يوقع علي ما يطلب منه فور أن يري أمه أو أخته أو زوجته أو إبنته في ذلك الوضع البشع.. وأعطي اتساع استخدام هذا الأسلوب معركة الجماعات مع حسني مبارك طابعا ثأريا أكثر منه سياسيــا أو دينيا.وبقي جرم بهذا الحجم حبيس الصدور وطي الكتمان.. لا يثار من جانب المجني عليهم، رغم أنه كان متداولا علي نطاق واسع، في أحاديث المحبوسين والمعتقلين، في تلك الفترة، وما زال عدد من الموجودين في السجون والمعتقلات يحمل ذكريات وعقد شديدة الإيلام من جراء ذلك.. هذا الصمت حمي مقترفيها، فزادوا تماديا في جرمهم، وكان رهانهم علي القناعة الراسخة لدي المجني عليهم بعدم البوح بما وقع.. وعلي تصور يري بأن هذا الجرم البشع محصن ومصان بفعل التقاليد وبخجل الإعلان عنه. وبسبب ما يعكسه من طعن في شخصية المجني عليه، وما يلحقه من عار قد يبقي باقي العمر، واستمر هذا الوضع حتي يوم الأربعاء الأسود ، في الخامس والعشرين من أيار (مايو) العام الماضي، وفيه نقلت الفضائيات ومصورو الصحف ووكالات الأنباء صور ذئاب الأمن والبلطجة وهم يمزقون ملابس وينهشون جسد الصحافية نوال علي في الطريق العام، وعلي مرأي ومسمع من العالم كله، وكان متصورا أن الجريمة ستمر، كما مرت في السابق، لولا وقفة النساء البطولية، اللائي خرجن متضامنات محتجات، في يوم الأربعاء التالي، وذكري مرور اسبوع علي الجرم البشع، وكن متشحات بالسواد ويلبسن الحداد.. علي اعتبار أن هذا الانتهاك كان لعرض مصر كلها، ولم يكن لواحدة من بناتها فقط.إلا أن ما حدث من مكافأة وحماية الضباط والبلطجية الذين اقترفوا ذلك الجرم، زاد من ثورة الرأي العام. وقد كوفئ ضابط أمن دولة برتبة عميد، بتعيينه مستشارا سياسيا بسفارة مصرية في عاصمة أوروبية كبري. مما أبقي جذوة الجريمة مشتعلة في قلوب أصحابها وأنصارهم، فضلا عن أنها نالت اهتمام الرأي العام المحلي والدولي، والأهم كان الإصرار من جانب بعض من وقعوا في براثن ذئاب العادلي، وصلابتهم التي صارت مضرب الأمثال، وتحديهم للتقاليد التي كانت تحول بينهم وبين فضح الجناة.. وكان النموذج الأبرز هو عبير العسكري، الصحافية بـ صوت الأمة التي رغم ما وقع عليها من غبن، وثمن خاص كان عليها أن تدفعه، وترك خطيبها لها، رغم ذلك فإنها واصلت المقاومة وأصرت علي فضح أفعال الذئاب التي أطلقها حسني مبارك وولده الرئيس الموازي علي أحرار مصر وحرائرها، ولم يثنها إسقاط النائب العام للتهمة، ورفض التحقيق فيها، وعادت تشارك بحماسة في مظاهرات تأييد القضاة والدفاع عن حقهم وحق مصر في قضاء مستقل ومنصف.والجديد هنا يتمثل في تحدي عملية القتل النفسي والمعنوي التي أرادت بها عائلة مبارك ترويع الشباب الذي ينزل إلي الشوارع يواجه جحافل الأمن وفرق البلطجة التي تتصدي بوحشية للمتظاهرين، الذين لم يكتفوا بالاعتداء علي القضاة، وتمادوا حتي سحلوا المستشار محمود عبد اللطيف حمزة، وامتد جرمهم إلي هتك عرض الشباب، لكسرهم نفسيا وقتلهم معنويا.. لكن واحدا لم يقبل بهذا الاعتداء الدنيء، وتحلي بجرأة وشجاعة مكنته من فضح ممارسات ذئاب العادلي ، ودخل محمد الشرقاوي التاريخ الوطني المصري كأول شاب رأي أن هذه الجريمة تستوجب الفضح، فهي لا تنقص من قدره بقدر ما تكشف عفن وانحطاط التعامل مع المواطنين، وحكي قصته ونقل تفاصيلها إلي الرأي العام، وطيرتها وكالات الأنباء ونشرتها الصحف. وبثتها الفضائيات. وهذه الجرأة والشجاعة كسرت حاجزا نفسيا ومعنويا كان حائلا بين المجني عليه وحقه في القصاص العادل.وهذه السطور موجهة للرأي العام، ولقوي التغيير، التي تقبل المنطق والحجة والحق، وليست موجهة إلي عائلة مبارك ولا إلي حبيب العادلي، الوزير الأكثر وحشية في تاريخ وزارة الداخلية، وتفوقه علي سليم زكي، حكمدار القاهرة في الأربعينات الذي كان يحصد شباب الجامعة برصاص جنوده الغادر، لكنه لم ينتهك عرض إمرأة ولا تحرش برجل، فتوجيه الحديث إلي من فقدوا الرشد والإحساس والضمير والأهلية لا جدوي من ورائه، فما يفعلونه فاقد لأي معيار أخلاقي أو أي مبرر إنساني أو منطق عقلي. ولهذا فإن حديثنا موجه للرأي العام وقوي التغيير، نقول فيه: إن ما تقوم به عائلة مبارك وتوجيهاتها المباشرة إلي حبيب العادلي وذئابه يعمق روح الثأر، وينشر أيديولوجية الانتقام، وهذا يحمل خطرا حقيقيا علي البلاد والعباد، ومصدره تغييب القانون، ليصيغ لكل قانونه الخاص، بشكل يعطي لأي جماعة الحق في أن تأخذ القانون بيدها، بما قد يدفع بمصر إلي المجهول.. وعلي قوي التغيير أن تجنب المجتمع الوقوع في براثن هذا الخطر، والظرف موات أمامها.. فتناقض موقف السلطة القضائية مع ممارسات وتصرفات عائلة مبارك وذئاب العادلي، جعل منهم قوي تقف في مواجهة الرئيس الموازي وأبيه، وترفض سحل وهتك عرض النساء والرجال علي أيدي ذئاب الداخلية. والحل ليس في الثأر أو الانتقام إنما في حشد طاقة الشعب وقوي التغيير للتخلص من حكم عائلة مبارك ، فالحركة الشعبية الواسعة والثورة الشاملة أصبحت حلا مطلوبا لأزمة مصر الراهنة.وهتك العرض جريمة لا يجب أن تمر دون طرح سؤالين متعلقين بهذا السلوك الرسمي المشين.. ما سر هذه الطاقة غير المحدودة علي الشر؟.. ومن أين جاءت؟ وأين كان هذا المخزون من الغل والعناد؟.. وما سببه؟، وهذان السؤالان لا يمكن الرد عليهما بالمنطق التقليدي، ولا بالخطاب الشائع أن الاستبداد هو السبب، فكم من مستبد غلف استبداده بهالات الأبوة والأخلاق الحميدة، ووقفت حدود استبداده، أو حتي وحشيته عند تخوم من تصورهم أعداءه وأعداء أفكاره ونظامه الذي أقامه، أياً كان موجها ضد فئات وشرائح معينة، وليس ضد الشعب كله، كما هو حادث الآن.. وكثيرا ما تملق مستبدون عواطف العامة ودغدغوها وكسبوا شرعيتهم من مساندتهم، وبني مستبدون تجارب كبري لفتت الأنظار، ألم ينقل ستالين الاتحاد السوفييتي، في سنوات قلائل من حالة التخلف والتمزق إلي حالة القوة الأعظم؟ ألم يبن فرانكو أسبانيا وأعاد لها قوتها بعد حرب أهلية طاحنة.. لم يكن مستبدا فقط بل كان حليفا للنازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا؟.. ألم يستخدم البعض الدين غطاء للاستبداد.. وألم يكن السادات مثلا واضحا لذلك؟ ولما سقط الغطاء سقط وانتهي أمره، أما حكم عائلة مبارك هو الأقرب إلي حكم قطاع الطرق، إذا خاصموا فجروا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا. وهذا يرتب علينا إعادة قراءة طبيعة هذا الحكم. إنه يعاني نوعا من المرض، لا يعفي المصاب به من المسؤولية ولا يسقطها، إنها حالة اجرام متجاوز لكل الحدود، لا يواجه إلا بسيف الحق والعدل والقانون والشعب. والوعد الذي قطعه حبيب العادلي علي نفسه بفرض التوريث بالإرهاب والبطش اللازمين مقابل استمراره في المنصب، وإمكانية ترشيحه رئيسا للوزراء في الفترة الأولي من الوراثة، فهو وعد من لا يملك لمن لا يستحق . ويرتطم بشجاعة وصلابة وشرف فتيات ونساء وشباب، حملوا علي عاتقهم فضح العائلة وتعرية الرئيس الموازي وملاحقة ذئاب العادلي ووضعهم في مواجهة الشعب كله، الذي لن يغفر أو يتسامح في حقه، ووقوع مثل هذه الجرائم علي البعض يعني أنها موجهة للجميع، أي ضد كل الشعب، وإن كانت عبير العسكري قد فقدت خطيبها فقد كسبت تقدير واحترام الجميع بلا استثناء، وإن كان محمد الشرقاوي قد تجاوز مشاعره وآلامه وأعلن بشجاعة ما حصل له فقد أضاف إلي الرجولة معني جديدا، ووجه رسالة واضحة إلي كل من يعنيه الأمر: إذا كان المجرمون أرادوا قتل الشعب معنويا ونفسيا، فإن نماذج محمد الشرقاوي وعبير العسكري وندا القصاص هي التي قتلت هذا الحكم البغيض.. وفتحوا الطريق أمام الشباب لقيادة عملية التغيير المطلوبة والملحة. علينا جميعا أن نساند هؤلاء الأبطال، ونقول لمن أرادوا لهم الموت النفسي والمعنوي لقد تحولوا إلي شهداء أحياء يمشون بيننا ويدخلون بنا مرحلة جديدة من مراحل المقاومة، التي ستكلل بالنصر إن شاء الله. إنهم أبناؤنا ومصدر فخرنا جميعا.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية