مصر إلى بر الأمان.. أم سينفجر البركان؟

حجم الخط
0

د. حسن عبد ربه المصري الغالبية العظمى من أهلنا في مصر غير المتحزبين لهذه الفئة أو ذاك التيار، يمرون بحالة من الإحباط والتردي لا مثيل لها .. غالبية النخب والمثقفين والتنويريين والإصلاحيين ومعهم العقلاء من المؤيدين للتيار السياسي الإسلامي، يعانون من ضغوط نفسيه وعصبية .. كل شباب ثورة يناير 2011 ومعهم شباب الأحزاب السياسية والتجمعات الإئتلافية الرافضين لتقسيم المجتمع بما في ذلك قطاع ليس قليلا من المنضوين تحت عباءة الأحزاب السياسية الإسلامية، يحسون بقيود غير عملية ولا منطقية تحول بقوة بينهم وبين التحرك لتحقيق حلم التغيير والإصلاح والنهضة .. هؤلاء جميعا .. يدركون خطورة ما تمر به مصر الدولة ومصر المؤسسات من ترد وسقوط، ويستشفون بلا مزايدة ما يمكن أن تتعرض له كافة ركائز الوطن وثوابته من ناحية وأطيافه السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية من دمار وتفتيت من ناحية أخرى. وكلهم لا يجدون بين ايديهم متطلبات وقف مسار الدمار والتفتيت ولا الحلول العملية التي توقف هذه الأحوال، وتضع الشعب المصري والوطن على بداية الطريق الصحيح لتحقيق الإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تجيش في صدورهم جميعا .. التيارات الإسلامية التي تتصدر المشهد السياسي المصري أيضاً محبطة ومتردية، ولكنه إحباط القلة التي تشعر أن مشروع توريثها للحكم الذي ثار عليه الشباب والمجتمع كله معطل ولا يسير بمعدله الذي خططت له .. وتحس في قرارة ذاتها ان مسيرتها يشوبها التردي الذي يؤخر تدابيرها المتعجلة لإستكمال ملف التمكين والهيمنة. مصر التاريخ والجغرافيا والدولة تعيش في مأزق حياتي سيقضي عليها لو استمر زلزاله و تكاثرت توابعه .. مصر تعاني من منزلق شعبي إجتماعي وضعها في حالة إستقطاب قد تقودها لأول مرة إلي طريق الإنفجار والإنتحار .. مسؤولية تفاقم هذا الوضع تقع على كاهل الجميع السلطة والمعارضة دون إستثناء أحد .. لكن الجزء الاكبر من المسؤولية يقع على عاتق من بيده السلطة .. الجميع مشاركون في إثم التجاهل والإنشغال بالذات، لكن مؤسسة الرئاسة ووزارتها والحزب الذي يساندهما والجماعة التى تُملي إرادتها عليهم وتًلزمهم وفق منطق السمع والطاعة بتنفيذ مخططاتها، مسؤولون في المقام الاول عما وصلت إليه حال مصر منذ إستفتاء مارس 2011 الشهير بغزوة الصناديق .. كل يوم يمر يزيد من حالة الإنفصام التي زرعتها جماعة الإخوان المسلمين وحزبها في قلب مصر بدعم من الأحزاب الإسلامية المتحالفه معهما، بعد أن نجحوا في التهديد بإشعال النيران في ميدان التحرير وكل محافظات مصر إن جاءت نتيجة فرز أصوات إقتراع جولة الإنتخابات الرئاسية الثانية لغير صالح مرشح حزب الحرية والعدالة.. وزادات حالة إنقسام المصريين وتشرذمهم ومعاداتهم بعضهم لبعض وتفاقمت حالة التصادم الدموي فيما بينهم منذ نهاية يونية 2012 .. فقد إكتشفوا عملياً أن صناديق الإقتراع فرضت عليهم أن يعيشوا تحت وطأة حكم جماعة رؤيتها السياسية محصورة في تحقيق مطلب التمكين .. جماعة تفتقد الكفاءة والكياسة إلا فيما يخص فصيلها الذي رفعته فوق كل الرؤوس .. جماعة تتحايل وتقتنص الفرص في الخفاء والعلن لتوسيع حجم إستحواذها على الوطن الذي تؤمن رموزها و كوادرها أنها ورثته دون القوى السياسية الآخرى .. إكتشاف المصريين لهذا المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه لم يأت من فراغ ولا من قلة تجربة، ولكن من عشرات القرارت والقوانين التي أبانت عن تخطيط مبيت بليل .. فهناك القرار الجمهوري بدعوة مجلس الشعب للإنعقاد دون سند دستوري !! والقرارات الخاصة برفع أسعار بعض المواد الحياتية .. وقرارات الضريبة .. والعجز أمام أزمات الوقود وتشغيل المخابز .. والاعلان الدستوري المحصن للقرارات الجمهورية .. والتآمر المادي والمعنوي ضد المؤسسات القضائية .. ومجلس الشورى الذي يقوم بدور تشريعي ليس مؤهلاً له .. هذا الإكتشاف أكد للغالبية من المصريين أنهم يعيشون حالة من الفوضى التي لم يعرفها أجدادهم ممن عانوا من الحكم المملوكي .. فالتغييب العمدي لأدوار الدولة ممثلة في تدمير مؤسستي الشرطة والقضاء، فتح الباب على مصراعيه لمسلسل سفك دماء الأبرياء.. وحصار المؤسسات القضائية والإعلامية كشف عن قصور في الرؤية وتيبس في التفكير وإستهتار لا مثيل له بالمجتمع وثوابته.. كل ذلك بهدف جر الدولة إلى غيابات الجب، وإلا بماذا نفسر دعاوى منح الضبطية القضائية للجماعات الإسلامية؟ وبماذا نفسر ما قامت بها إحداها من إستعراض للعضلات في محافظة سوهاج؟ وبماذا نفسر مسارعة كل الأحزاب والجماعات الإسلامية إلى مساندة الفكرة؟ وبماذا نفسر تقدم البعض منها بمذكرات للنيابة العامة للحصول على تراخيص إنشاء شركات حراسات وأمن خاصة مسلحة للقيام بالدور الذي تقوم به وزارة الداخلية؟ .. وبماذا نفسر محاولات الوقيعة المتواصلة بين الجيش والشعب.. إنتهت الفترة الإنتقالية التي تولى فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسؤولية إدارة الشأن المصري بخيرها وشرها، وتسلم الرئيس المدني المنتخب المسؤولية .. فلماذا التلميح والتصريح بأن هناك مؤامرات من جانب قدامى القادة العسكريين؟ ولماذا المناداة بعودة القوات المسلحة إلى الشارع السياسي؟ ولماذا يعمل البعض لأشعال نيران الفتنة والمعاداة بين الجيش والشعب؟لآ أعفي احدا من المسؤولية .. من بيدهم السلطة ومن هم في تيارات المعارضة .. وأزعم أنه قد آن الأوان للرئيس محمد مرسي أن يبتعد بنفسه عن كل ما يجعل الغالبية العظمى من شعب مصر تصر على أنه يعمل لصالح الجماعة والحزب!! وانه يلتزم بما يقررانه!! وان اعضاءهما هم عشيرته وأحباؤه .. هذا الإبتعاد الفوري بالنفس، سيكون هو الأساس الذي يبنى عليه جسور إستعادة الثقة بين الرئيس وبين الشعب المصري بكل أطيافه وإنتماءاته، وليس فقط بينه وبين تيارات المعارضة .. وعليه أيضا أن يطبق النص الدستوري الذي يقر أنه رئيس لكل المصريين، بكل معانيه ومفرداته على الجميع بلا إستثناء، ولا يطبقه فقط مع من يظن انهم مستعدون للتعاون معه .. مسلسل العبثية واللا مبالاة الذي فُرض على الشعب المصري من كل الأطراف، يتعارض جملة وتفصيلاً مع مكونات الدولة المصرية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ .. لأن مخطط إضعاف ثوابتها وتفكيك مفاصلها كما نعيشه منذ مارس 2011 على حساب الإستقرار والأمن، لن يؤسس لنظام حكم جديد .. لأن الوطن سيضيع وسيتحول المجتمع المصري الواحد إلى مجموعات مسلحة متقاتلة فيما بينها ومسـتأثرة بما تحت يدها.. وهنا يكون على الجميع أن يختار بين المشاركة في تفجير البركان أو قيادة سفينة الوطن إلى بر الأمان!. واهم ومتغافل عن الحقيقة كل من يظن أن التفريط في الثوابت المصرية التي تراكمت بفعل الحضارات وخصوصية الانسان المصري، خاصة هؤلاء الذين يتبنون نظرية الفوضى الخلاقة التي طرحتها وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة كونداليزا رايس، سيبني نظام حكم جديد أو يؤرخ لقيام الجمهورية الثانية أو الثالثة.. هذا الواهم وذاك الغافل عليهما أن يكونا على يقين أن التفريط هذا يقوض وطن كل المصريين ويهدم ركائز الدولة المصرية، ويفتح طاقة الحمم البركانية عليهما وعلى الآخرين.. تدشين الرئيس لجسر التواصل بينه وبين كل المصريين لوقف مسلسل العبثية مرة واحدة، يتطلب توفير إطار جاد وفعال ومنتج للحوار.كل صور الحوار التى طرحت على إمتداد الثمانية أشهر الأخيرة، لم تنجح لأن حسن النية ومراعاة مصلحة الوطن والشعب العليا لم يتوافرا لها.. دعاوى الحوار من أي طرف، أصبحت مرفوضة لسوء ما ترمي إليه واصبح الكل يصم آذانه عنها.. لماذا؟ .. لأن وأدها بين التعالي والإقصاء والتهميش من قبل ان تبدأ، وتحريفها عن مطلبها الأساسي الذي تبتغيه الغالبية العظمى من أطياف الشعب الغير منخرطين لا في التيارات الإسلامية وفي التيارات المعارضة والذين يشكلون أكثر من خمسة وسبعين مليونا من أبناء مصر، يفرض على رئيس الجمهورية أن يطلب من جماعته وحزبه وقف كافة حملات الترويع السياسي والإجتماعي، وقف مساعي النهم إلى السلطة وكراسيها، وقف التهديد والوعيد والتحالفات المشبوهة.أن فعل ذلك، سيجد من قوى الشعب الصامتة إلى اليوم وغير المتحزبة حتى إشعار آخر كل مساندة وتأييدا، ليس فقط عندما يطرح اطار هذه المبادرة لإستعادة ثقة شعبه، ولكنه سيجدها إلى جانبه بكل قواها عندما ترفض التيارات المعارضة أن تتحاور معه وفق أجندة تتناول مصلحة مصر وشعبها فقط. هذه الأجندة لا يجب أن يحتكرها لا الرئيس وحكومته وحزبه وجماعته ولا التيارات المعارضة، أيا كانت القوة التى يدعي أي منهما أنه يمتلكها. هذه ألاجندة التي تهتم بـ’كيف الخروج من المأزق السياسي الذي شارك الجميع في دخول الوطن المصري فيه’ يجب ان يشارك فيها الجميع .. أكرر الجميع بلا إستثناء.الجميع هنا هم كل رموز أطياف المجتمع المصري وقياداته المدنية والسياسية والإقتصادية والأمنية والإجتماعية المتخصصين والخبراء منهم والضالعين في هذه الميادين.. الجميع هنا، هم كل المهمومين بالشأن المصري دون وصاية من أحد أو إقصاء لأحد .. الجميع هنا، هم من يتفقون على حتمية إبعاد أعمدة الدولة الثلاث الشرطة والجيش والقضاء عن كل ما يؤدي إلى إستقطابها سياسياً وأيديولوجياً، ومن ثم يوظفها لخدمة أهدافه شديدة الضيق سواء كان في أورقة الحكم أو في صفوف المعارضة .. الجميع هنا يجب أن يكون علي قناعة أن مكونات هذه المؤسسات الثلاث تقوم على الحرفية لتخصصها والولاء للوطن والمصريين كلهم .. الجميع يجب ان يكون على ثقة تامة أن هذه المؤسسات تعلمت من حرفيتها المهنية وولائها لأبناء الوطن منذ تبلورت مفاهيم الدولة المصرية الحديثة، أن تكون محايدة حيال كل ما يوصف بالصراع السياسي والإختلاف الأيديولوجي. لست ممن يؤيدون دعاوى إبعاد الرئيس محمد مرسي عن طريق إجراء إنتخابات رئاسية جديدة أو بانقلاب عسكري.. ولست من المؤيدين على طول الخط لكافة أشكال المعارضة والمدافعين عنها بلا رؤية، لأن إستمرار تصادمها بلا معنى ولا سقف مع السلطة سيفجر حتماً البركان.. ولكني بالتأكيد مناصر بقوة لبقاء الدولة المصرية بأعمدتها وثوابتها ووسطيتها وإبداعاتها التي هي خط الدفاع الأقوى الداعم للإستقرار والأمان وإستمرار الحياة. ‘ استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية