محمد عايش لم تعد نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية على قدر كبير من الاهمية، الا بمقدار ما تؤشر عليه من استمرار شعبية القوى الثورية، واستمرار قدرة الاخوان على حشد الناخبين ودفعهم للخروج من أجل التصويت أو المشاركة في فعالية أو مليونية او اعتصام أو مسيرة. بعد الاعلان الدستوري المكمل لم يعد مهماً من هو الرئيس الذي سيحكم مصر في السنوات المقبلة لأن مفاتيح السلطة انتقلت الى الجيش، بل ان الدستور المقبل للبلاد لا يزال معرضاً لأن يقوم العسكر بكتابته ومن ثم عرضه على الاستفتاء الشعبي دون المرور بمراحله التشريعية الطبيعية، ليصبح دستور مصر أقرب الى قانون طوارئ، وليكون الجيش بذلك قد استأثر بالسلطة لنفسه وبالقرارات المهمة في البلاد. صدور الاعلان الدستوري المكمل في اليوم الثاني للتصويت في جولة الاعادة بانتخابات الرئاسة (17 يونيو) يدل على أن العسكر كانوا يضعون هذا الاعلان كخطة بديلة في حال تبين أن مرشح الثورة هو الذي سينجح في الانتخابات، وأن مرشح المجلس العسكري لن يتمكن من الفوز، وهو ما حدث فعلاً حيث تم اصدار الاعلان وتم نشره فوراً في الجريدة الرسمية مساء اليوم الثاني عندما تبين أن حظوظ أحمد شفيق في الفوز متدنية، وأن مرشح الاخوان محمد مرسي ذاهب الى القصر الجمهوري بأصوات الناخبين، ولذلك استبق العسكر النتائج الرسمية للانتخابات باغتصاب السلطة من خلال الاعلان الدستوري والانقلاب على الثورة. الاعلان الدستوري بمضمونه وتوقيت صدوره، والتوقيت بالغ الذكاء لاعلانه، يؤكد أن الجيش في مصر يلعب لعبة سياسية بالغة الذكاء والدهاء، بينما نجاح العسكر في تمرير خطتهم يؤكد أن القوى السياسية والثورية بما فيها الاخوان المسلمون لا زالوا غير قادرين على قراءة ما يجري بالصورة الصحيحة، فما فائدة رئيس جمهورية بلا صلاحيات؟ وما فائدة دستور ونظام سياسي يكرس حكم العسكر الذين انتفض عليهم وعلى حكمهم الشعب المصري؟.. والأهم من ذلك: كيف سيتحقق التغيير في مصر دون أن تتمكن القوى الثورية من أن تحكم بشكل حقيقي وجدي؟ قرار المحكمة الدستورية العليا قبل أيام، ومن بعده الاعلان الدستوري المكمل الذي صدر على شكل ‘فرمان عسكري’ بينما المصريون منشغلون في احصاء أعداد الناخبين ومراقبة مراكز الاقتراع، كل هذا يدل على أن مصر ذاهبة الى النموذج التركي الذي كان قائماً قبل ان يصل حزب العدالة والتنمية الى الحكم قبل سنوات، اي النموذج التركي عندما تم افشال حكم نجم الدين أربكان من جانب العسكر ومن ثم اقصاؤه عن الحياة السياسية.
يريد العسكر في مصر أن يحكموا من وراء ستار، وأن يبقوا مفاتيح اللعبة السياسية في أيديهم، وأن يُفشلوا حكم الاخوان، وأي حكم يمكن أن ينتج عن الثورة والقوى المدنية، يريدون لمحمد مرسي أن يكون رئيساً رمزاً، فبوجوده رئيساً يقتنع رجل الشارع البسيط أن الثورة نجحت في التغيير، بينما لا يكون الرئيس قادراً على أن يغير شيئاً في أرض الواقع، ومع مرور الوقت يفقد الاخوان شعبيتهم وتفقد الثورة بريقها، وربما يعاد انتاج النظام السابق حينها وعلى نار هادئة، وبعيداً عن الضجيج والضوضاء. ليس أمام المصريين اليوم سوى تفويت الفرصة على قوى الثورة المضادة، وعدم تمكين العسكر من اغتصاب السلطة والانقلاب على الثورة، وهذا لا يتم الا من خلال الاسراع في ابطال الاعلان الدستوري من خلال دستور جديد يمنح الرئيس صلاحياته الطبيعية، ويعطي مجلس الشعب سلطته التشريعية والرقابية المعتادة، ويعيد الجيش الى ثكناته، ويخرجه من الحياة السياسية في البلاد ليستعيد مهمة الأساس في الدفاع عن البلاد والحفاظ على جمهورية مصر العربية ضد أي اعتداء خارجي أو عدوان يستهدفها. ‘ كاتب وصحفي عربي يقيم في لندن.