مصر: افشال تجربة الرئاسة المدنية المنتخبة ديمقراطيا
14 - August - 2013
حجم الخط
0
لم ينقض غير حول كامل يتيم على تجربة الرئاسة المدنية المنتخبة ديمقراطيا لدولة عربية كبيرة مثل مصر حتى عادت عقارب الساعة إلى الوراء ساعات وساعات. يخطئ من يدعي أو يظن أن ما حدث بمصر لن يكون له ما بعده على مستوى الانتقال الديمقراطي ببقية البلدان العربية. لقد تمكن الإخوان المسلمون بسوء إدارتهم لمرحلة ما بعد انتخاب محمد مرسي العياط من تأخير أي أمل في انتقال ديمقراطي قوامه الأساس تداول السلطة مدنيا عشرات السنين. وهم بذلك خذلوا أتباعهم بالتأكيد لكنهم أيضا أضروا بنضالات فئات شعبية مختلفة آمنت بالنضال الديمقراطي وقدمت في سبيل ذلك الكثير. لقد كان في تعامل الإخوان المسلمين بمصر مع وصولهم للحكم وكأنه تم بانقلاب، وليس عن طريق الصندوق، مهما اختلفنا في الظروف المحيطة بالعملية الانتخابية، الأثر الفارق في ‘وأد’ التجربة الانتخابية بمصر ولو لحين. الآن وقد تم ما تم لا بد من استخلاص الدرس من التجربة بما ينعش الآمال مجددا في بناء عملية ديمقراطية سليمة دون قفز على المراحل أو بناء مقلوب لا يحترم الكرونولوجيا الطبيعية والتسلسل الزمني السليم لمراحل التأسيس من وضع الحجر الأساس فحفر الأساسات ومد قنوات الصرف وغيرها من متطلبات العمارة والتشييد مع التأكيد على مد الجسور بين أطراف البيت المختلفة بما يسمح بانسيابية الحركة في الاتجاهات كلها درءا لكل انسدادات أو اختناقات محتملة. لقد كان البناء ‘الديمقراطي’ بمصر طوال المرحلة الانتقالية لما قبل العملية الانتخابية الرئاسية وما تلاها كمن وضع العربة أما الحصان وطالبه بالركض. المصيبة أن الحمار، لقلة تجربته وربما لغبائه، ركض واصطدم مع أول حركة مع العربة الثقيلة التي تنوء بحملها الجبال. انتخابات برلمانية فرئاسية فإقرار دستور بلجنة أدعي أنها منتخبة وما هي كذلك، فكان المولود مشوها لا أمل في إنعاشه ولو اجتمعت لذلك حسن النوايا وصفاء سريرة الفرقاء. لم يتعلم الحاكمون أن التوافق هو أساس العمل السياسي وأن الاستقواء بالأتباع أو بالجيش او بالخارج لن يقوى عن وقف الصيرورة الطبيعية للأمور وإن تأخرت تطبيقا وتفعيلا. الجيش لاعب أساسي لكنه غير منزه عن العمل السياسوي الساعي لحفظ مكانته في المشهد، والإقصاء يثقل كاهل البلد ويضعف مسيرته نحو الاستقرار. وحده العمل القاعدي من الشارع مع الناس ولأجلهم يحقق الإجماع على التغيير والحشد له. هكذا تصرفت حركة ‘تمرد’ الشبابية وحققت ما عجز عنه الكثيرون لسنوات مع بعد سقوط مبارك أو تخليه عن الحكم. لكن ‘حداثة’ عهد الشباب المتزعم للحركة بدهاليز السياسة وطراوة عودهم يجعل من تحقيق أهداف ‘الثورة الثانية’ سرابا. فقدان الثقة بين الفرقاء لا يمكن إلا أن يتعزز في ظل استقطاب سياسي متواصل حتى بعد عزل مرسي، وما من أمر يهدد سلامة الإجراءات وسلاسة الانتقال وسرعة تحقيق خارطة الطريق أكثر من الثقة المفقودة بين الفاعلين وبين الشعب بعضه ضد بعض. كما في مصر، تعرف الدول العربية الأخرى التي قيل انها عاشت ‘الربيع العربي’ أزمة تدبير الاختلاف وتدبير الزمن السياسي. هدر للزمن وللمقدرات في حروب دونكشوتية تبتغي الإقصاء والتحكم في بناء المستقبل السياسي وفق أجندات خاصة تعتبر مصلحة الفصيل السياسي مقدمة على مصلحة الوطن. لم يكن ‘الثائرون’ ينظرون للأمر هكذا زمن الحراك، لكنه واقع السياسة المتردي وغياب الفهم الصحيح لآليات إعمال الديمقراطية التشاركية التي تسعى لبناء الوطن جمعا لا تفريقا وفق أغلبيات عددية تحتاج لتدقيق ومواءمة مجتمعية ضرورية. بدل ذلك صرنا نسمع أصوات تزايد على بعضها في الاستنكار أو التزكية أو التهويل. لكن الكل هناك في اليمن وليبيا وتونس وهنا بالمغرب يصرون جميعهم على أن مصر مختلفة عن الهنا والهناك. في مصر بدأت الدماء تسيل وفتح مزاد المتاجرة بها في سوق النخاسة السياسي. قد يتطور الأمر إلى ما أبعد من ذلك كلما تأخر القائمون على البلد في تحقيق أكبر قدر من الوفاق المجتمعي والمصالحة السياسية وفق مبدأ لا غالب ولا مغلوب. لكن الواقع يظهر مرة أخرى أن الوفاق غير ممكن لأن محاكمة المجرمين والمحرضين أيا كان موقعهم ضرورة حتمية للانطلاق. المصالحة الوطنية لن تتحقق في غياب تفعيل العدالة والمحاسبة، لأن في ذلك تأخير للمواجهة الحتمية بدل معالجة أسبابها وذاك درس أثبتت كل المراحل الانتقالية الناجحة نجاعته في تحقيق الاتتقال الديمقراطي السليم. يا ليتنا نعتبر فقط. أوشن طارق – المغرب