اقترع المصريون، قاطفين ثمار ثورةٍ ملأت الدنيا صخباً وصدحت بحريةٍ لم يدركوها بحقٍ حتى اللحظة. ثاروا، هتفوا، نزفوا، فاوضوا، أصروا، صمدوا حتى كانوا على موعد مع التاريخ في التغيير الديمقراطي حتى وصلوا لمرحلة الإقتراع لإنتخاب الرئيس، لكن ما صنع المفاجأة هو ما آلت إليه هذه الإنتخابات في دورتها الأولى من نتيجة خالفت التوقعات وخيبت آمال الثوار، فقد انحصرت المنافسة في جولة الإعادة بين مرشح االإخوان المسلمونب د. محمد مرسي والفريق أحمد شفيق أحد أعمدة النظام السابق، وسقط جميع المرشحين المحسوبين على الثورة وأبرزهم د.
عبد المنعم أبو الفتوح والناصري حمدين صباحي.
رسمت هذه النتيجة علامات الذهول على محيّا المصريين، فكيف بثورةٍ أطاحت بالنظام البائد وأسقطت الفريق شفيق ذاته من على رأس الحكومة أن تعيده وبقوة كمرشح ذي ثقل على كرسي الرئاسة، وكيف بمرشح الجماعة أن يحصل فقط على نحو خمسة ملايين صوت بينما حصلوا في الإقتراع النيابي الأخير على ما يفوق العشرة ملايين.
باعتقادي أنه إذا ما تم تناول النتائج بطريقة منطقية لوجدنا أنها معقولة نوعا ما، فقد دفع االإخوان المسلمونب ثمنا غاليا لقاء تخبطهم في اتخاذ قرار الترشح على الرئاسة، حيث أفرز هذا التخبط وجود الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح القيادي المنشق عن الجماعة كمنافسٍ ذي ثقلٍ ثوري وشعبي لمرشح الجماعة ومشتت لأصواتها، بالإضافة إلى السلوك الإستئثاري للجماعة والرغبة في الهيمنة والسيطرة من خلال التجربة البرلمانية الأخيرة ومن خلال االلجنة التأسيسية لوضع الدستورب.
بنظري أرى أن عدم تبني الإخوان لخطاب جامع للمصريين ومنفتح على التيارات السياسية المتنوعة (تحديدا اليسار) ومطمئن للمكون القبطي عزز الشعور بالرهبة تجاههم فاستفاد الفريق شفيق من ذلك أيما استفادة، حيث لعبو بمهارة هلى الوتر القبطي واستمالهم نحوه، وبالتالي برز الأقباط ككتلة تصويتية كبيرة نقلت الفريق شفيق إلى جولة الإعادة، وكان لمماطلة المجلس العسكري في إقامة الإنتخابات محفزا لإنتشار الفوضى واهتزاز الأمن فـصور ذلك وكأن الفوضى وليدة الثورة ونتيجة لها، مما قوّى ودعم موقف شفيق. أكبر الخاسرين من هذا الإقتراع هي الثورة المصرية ذاتها حيث ثبت وبالوجه القاطع عدم سقوط النظام بشكل كامل، فما زالت تمتد جذور هذا النظام في أركان الدولة المصرية ومفاصلها الرئيسية، مما يحتم على الثوار ضرورة المضي وبنفس الزخم الثوري نحو استكمال الثورة والحيلولة دون فوز شفيق والعمل على اسقاط ما تبقى من رموز وبرامج هذا النظام المستبد.
بنظري أن هذه النتيجة تعتبر فرصة تاريخية للجماعة لإعادة النظر في خطابهم وخطواتهم الأحادية والمضي باتجاه تكوين خطاب جامع للأمة المصرية ومطمئن لأقلياتها، واثبات انحيازهم وبشكل لا لبس فيه نحو الثورة بعد أن حادوا عن دربها وخذلوها في العديد من المناسبات وبالتحديد في أحداث شارع محمد محمود في نوفمبر المنصرم.
يتوجب على المصريين أن يعوا حقا عظمة مصر وثورتها والإنتقال نحو نظام ديمقراطي عادل تشيع الحرية فيه ويقضي على الإستبداد ويجفف منابع الفساد، وأن تكون حقوق الإنسان ثقافة متجذرة في نفوس المصريين، والدفع نحو تعزيز المكانة المحورية لمصر قوميا ودوليا.
حسام وعدي العسّال[email protected]