القاهرة ـ الخرطوم ـ «القدس العربي»: أعلنت وزارة الخارجية المصرية، أمس الخميس، رفضها لما اعتبرتها رغبة إثيوبيا بفرض سياسة الأمر الواقع على دولتي المصب في ملف سد النهضة.
وأكد السفير أحمد حافظ، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية أن «تصريحات وزيري الخارجية والري الإثيوبيين خلال المؤتمر الذي عُقد في أديس أبابا أول أمس بمناسبة مرور 10 سنوات على تدشين سد النهضة الإثيوبي، التي أكدت اعتزام إثيوبيا استكمال ملء سد النهضة حتى لو لم يتم التوصل لاتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد، تكشف مجدداً عن نية إثيوبيا ورغبتها بفرض الأمر الواقع على دولتي المصب، وهو أمر ترفضه مصر لما يمثله من تهديد لمصالح الشعبين المصري والسوداني ولتأثير مثل هذه الإجراءات الأحادية على الأمن والاستقرار في المنطقة».
والأربعاء، قال وزير الخارجية الإثيوبي، ديميكي ميكونين، خلال ندوة احتفالية بعشرية بدء مشروع بناء سد النهضة، إن استكمال مشروع سد النهضة «مسألة ضمان لسيادة البلاد».
وفي 9 مارس/ آذار الجاري، رفضت إثيوبيا مقترحا سودانيا، أيدته مصر، بتشكيل وساطة رباعية دولية لحلحلة مفاوضات السد المتعثرة على مدار 10 سنوات.
وتصر إثيوبيا على بدء الملء الثاني للسد حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق، بينما تتمسك مصر والسودان بالتوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي حفاظًا على حصتهما السنوية من مياه نهر النيل ومنشآتهما المائية.
وبيّن المتحدث الرسمي المصري أن «من المؤسف أن المسؤولين الإثيوبيين يستخدمون لغة السيادة في أحاديثهم عن استغلال موارد نهر عابر للحدود، فالأنهار الدولية هي ملكية مشتركة للدول المُشاطئة لها ولا يجوز بسط السيادة عليها أو السعي لاحتكارها، بل يتعين أن توظف هذه الموارد الطبيعية لخدمة شعوب الدول التي تتقاسمها على أساس قواعد القانون الدولي وأهمها مبادئ التعاون والإنصاف وعدم الإضرار».
غياب الإرادة السياسية
ولفت إلى أن «هذه التصريحات الإثيوبية صدرت في الوقت الذي تبذل فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية الشقيقة، التي تولت رئاسة الاتحاد الأفريقي، مجهودات مقدرة لإعادة إطلاق مسار المفاوضات والتوصل لاتفاق قبل موسم الفيضان المقبل، ما يعكس غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي للتفاوض من أجل التوصل لتسوية لأزمة سد النهضة».
وزاد: «مصر والسودان أكدتا على أهمية الانخراط النشط للمجتمع الدولي في مفاوضات تقودها وتُسَيرُها جمهورية الكونغو الديمقراطية من خلال رباعية دولية تضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لضمان فاعلية العملية التفاوضية ولدفع الدول الثلاث ومعاونتها على التوصل لاتفاق على سد النهضة خلال الأشهر المقبلة».
السفير محمد إدريس، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، قال إنه تزامناً مع انعقاد اجتماع الأمم المتحدة رفيع المستوى حول المياه مساء الأربعاء، قادت البعثة المصرية في نيويورك، بالتعاون مع بعثات عدد من الدول الصديقة، تحركاً على مدار الفترة الماضية لتشكيل مجموعة نواة ضمت 17 دولة ممثلة عن مختلف الأقاليم الجغرافية في الأمم المتحدة لصياغة بيان عابر للأقاليم يضع رؤية دولية واضحة إزاء قضايا المياه، ثم تمت دعوة العضوية العامة للأمم المتحدة للانضمام له، وتقديمه إلى سكرتير عام الأمم المتحدة.
وأضاف: يحدد البيان أولويات وخطوطاً رئيسية لتحركات المنظمة الأممية في مسار متابعة تنفيذ الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة المعني بالمياه.
أكاديمي يحذر من طوفان يضرب السودان
وزاد: أسفرت تحركات الدبلوماسية المصرية المُكثفة عن توقيع أكثر من 155 دولة على البيان في سابقة ذات دلالات بالغة ومؤثرة على مسار التعامل الدولي مع قضايا المياه، إذ أصبح البيان وأولوياته تكتلاً جامعاً للأغلبية العظمى للأمم المتحدة، ورؤيتها الموحدة لما ينبغي أن يكون عليه العمل الدولي متعدد الأطراف في مجال المياه بعد أن عانى هذا المجال طويلاً من تشتت وتباين كبير في الرؤى في ظل الحساسية العالية لقضايا المياه على المستويات الإقليمية والدولية.
ولفت إلى أن البيان الذي تم تسليمه أمس إلى سكرتير عام الأمم المتحدة يؤكد على محددات الموقف المصري من قضايا المياه، إذ أكد البيان على أن المياه مسألة حياة وقضية وجود، وأن النفاذ إليها حق أصيل لكل إنسان، وركّز على أزمة شُح وندرة المياه وآثارها العميقة على دول النُدرة المائية والحاجة لاتخاذ تدابير عاجلة لدعم هذه الدول.
وتطرق إلى حتمية التعاون العابر للحدود اتصالاً بالمجاري المائية، وضرورة توفّر الإرادة السياسية لتحقيق ذلك، وإعمال جهود الوساطة ومفاوضات المياه الفعّالة لتلافي النزاعات وتحقيق الاستقرار الإقليمي، كما تعرّض البيان لأبعاد أخرى شملت تمويل المشروعات المائية التي تحترم الحق الإنساني في المياه وتتسق مع البيئة، وتحديات تغير المناخ، والكوارث المرتبطة بالمياه، والإدارة المتكاملة والحوكمة الرشيدة للموارد المائية.
وأضاف أن اعتماد هذا البيان المحوري يعد خطوة غير مسبوقة دولياً على طريق العمل المتواصل للدفاع عن مصالح مصر الاستراتيجية في قضايا المياه، وتأتي في إطار متصل، إذ سبقتها وستتلوها خطوات أخرى، في إطار الترويج وحشد الدعم للمواقف المصرية على الساحة الدولية.
استمرار الضغط
في السياق، وجه رئيس لجنة المفاوضات المصرية الإسرائيلية في طابا، اللواء محسن حمدي، الذي لقب بـ «الجنرال الصامت» رسالة للحكومة المصرية حول سد النهضة بعد 32 عاما من تحرير طابا.
وقال: «القانون الدولي والمراجع التاريخية الثابت تسجيلها في الأمم المتحدة تثبت الحقوق مؤيدة بخرائط ووثائق وصور، والتمسك بالمبادئ أمام أي دولة تحاول التلاعب». وأكد: «تأخرنا جدا في إثبات الحق المصري ووجهة النظر الفنية، ولا بد من استمرار الضغط بحقوقنا ومراعاة التوقيت». وتابع: «عموما مصر أعلنت دعمها لحق إثيوبيا في التنمية مع الحفاظ على الحقوق المائية لدول المصب مصر والسودان لأنها مسألة حياة».
طوفان نوح
في الموازاة، حذر عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، من خطورة سد النهضة الإثيوبي على السودان، موضحا أن السودان يحتاج لمعلومة عما إذا كان سيتم الملء الثاني خلال الصيف المقبل أم لا، وفي حال الملء يحتاج السودان لاتخاذ إجراءات خاصة لتجميع مياه في الخزانات، وفي حال عدم الملء عليه ترك مكان فارغ في الخزانات حتى لا يتعرض لفيضانات.
وأضاف في تصريحات متلفزة، أن سد النهضة يوجد على ارتفاع 650 متر فوق سطح البحر، وأي اندفاع للمياه سيؤثر على سد الروصيرص في السودان.
ولفت إلى أن الهضبة الإثيوبية مليئة بالمشكلات الجيولوجية والطبيعية من ناحية الأمطار، وأن هناك أكبر فالق يقسم الهضبة الإثيوبية ومتشعب منه العديد من الفوالق، وهذا سبب فشل وانهيار العديد من السدود الإثيوبية، وحال انهياره سيشهد السودان فيضانا مثل طوفان سيدنا نوح أو تسونامي اليابان» معقبا: «إذا السد انهار صباحا السودان سيكون انتهى مساءً» على أن تصل المياه للسد العالي خلال 6 أيام، مشددا على أن نسبة أمان سد النهضة 50٪ فقط.
وأكد على ضرورة التنسيق بين الدول الثلاث حول الملء الثاني لتقليل الضرر على مصر والسودان، منوهًا بأن إجراءات الإنشاءات الهندسية لم تتم حتى الآن لتخزين 13.5 مليار متر مكعب، والسد غير مؤهل لتخزين مليار متر مكعب واحد أكثر من 5 مليارات متر التخزين الأول، وهذا لا يعني أن إثيوبيا لن تستطيع التخزين هذا العام، موضحا أن جميع الدراسات الإثيوبية حول سد النهضة أولية وضعيفة.
وتتفاوض الدول الثلاث منذ 2011 للوصول إلى اتفاق حول ملء السد وتشغيله، لكنها رغم مرور هذه السنوات أخفقت في الوصول إلى اتفاق.
وتبني إثيوبيا السد على النيل الأزرق الذي ينضم إلى النيل الأبيض في السودان لتشكيل نهر النيل الذي يعبر مصر. وترى أنه ضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية، في حين تعتبره مصر تهديدا حيويا لها، إذ تحصل على 90 ٪ من مياه الري والشرب من نهر النيل.
… والسودان يتسلم موافقات مبدئية على وساطة دولية
أعلن السودان، أمس الخميس، أنه تسلم موافقات مبدئية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، على تشكيل آلية رباعية للتوسط في حل الخلاف المستمر منذ عقد مع إثيوبيا بشأن مشروع سد النهضة.
ومنذ عام 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتّفاق حول ملء سدّ النهضة الذي تبنيه أديس أبابا وتخشى القاهرة والخرطوم من تداعياته، وأخفقت الدول الثلاث في التوصل إلى اتفاق.
والشهر الماضي، اقترحت الخرطوم تشكيل آلية رباعية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر رحبت به القاهرة ورفضته أديس أبابا.
وبعث رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك الإثنين رسائل للجهات الأربع لطلب وساطتها رسميا.
وأكد كبير مفاوضي السودان الخميس أن الأطراف الأربعة وافقت مبدئيا على مقترح بلاده.
وقال مصطفى حسين الزبير لـ«فرانس برس»: «تسلم السودان الموافقة المبدئية لكل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة على مقترحه بتكوين آلية رباعية للتوسط في مفاوضات سد النهضة، وقالت هذه الأطراف إنها تسعى لحدوث إجماع من الدول الثلاث، إثيوبيا ومصر والسودان، حتى تشرع في عملها».
وأشار إلى أن «توسط هذه الأطراف الدولية سيعطي ضمانات أكبر، كما انه من شأن خبراتها في هكذا قضايا أن تساهم في تسريع الحل».
الزبير بيّن في تصريحات صحافية أخرى أن كل الأطراف قد رحبت بدعوة السودان للوساطة الرباعية، التي تدعمها مصر بقوة، وأعربت الأطراف الدولية عن استعدادها للقيام بدور تسهيل التفاوض والوساطة فيه وإتاحة خبراتهم الفنية والقانونية والسياسية للتقريب بين وجهات نظر الدول الثلاث.
ولفت إلى أن ذلك يهدف «للمساهمة في حل أزمة سد النهضة الإثيوبي مع دولتي السودان ومصر التي تراوح مكانها منذ 10 سنوات».
وأوضح أن «السودان خاطب الاتحاد الأفريقي، ممثلا في شخص رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، رئيس الدورة الحالية للاتحاد، لرفع دور اللجنة الرباعية التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، إلى وسطاء، لحل الأزمة عقب فشل المفاوضات السابقة».
وأشار إلى أن «زيارة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى القاهرة خلال الأسبوع الماضي، طرحت أهمية تغيير آلية التعاون حول ملف سد النهضة بدلا من الآلية السابقة التي لم تحرز تقدما، رغم استمرارها نحو 7 أشهر».
وأضاف «السودان حاليا يهدف إلى إشراك وسطاء لإحداث اختراق ولعب دور أوسع في ملف سد النهضة».
وأشار الزبير، وهو كبير المفاوضين في وزارة الري والموارد المائية السودانية، إلى أن «ترفيع الجهات المراقبة إلى صفة وسيط على الأقل، سيحدث تأثيرا على الأطراف، بسبب امتلاك اللجنة الرباعية التي ستنتقل من صفة المراقب إلى الوسيط، خبرات كافية في كيفية تقريب وجهات النظر» مؤكدا أن «السودان خاطب الاتحاد الأفريقي رسميا، وأن الأخير يقوم بإخطار الأطراف المعنية».
ولفت إلى أن «الخطوة الحالية تتمثل في الترويج للموقف الجديد» وشدد على أن «لا ينبغي أن يقوم الجانب الإثيوبي بعملية ملء خزان سد النهضة من دون التوصل لاتفاق وبدون موافقة الأطراف المعنية».
وأردف «السودان سيتضرر كثيرا خاصة في ظل غياب المعلومات عن طريقة الملء وآلية التصرف في المياه». وتوقع «من اللجنة الرباعية الجديدة، وعقب اكتمال المشاورات، أن تقوم بالدعوة لعقد اجتماعات ومحاولة التوصل قدر الإمكان إلى حلول ملموسة».
إلى ذلك، وصل الخرطوم أمس الرئيس النيجيري الأسبق أليسون أبوسانجو، للوقوف على الأزمة بين السودان وإثيوبيا، حسب ما قال مصدر مطلع لـ«لقدس العربي» مضيفاً دون كشف هويته، أن «الرئيس النيجيري الأسبق يسعى لتلمس مواقف الحكومة السودانية في عدة نقاط بينها سد النهضة وأزمة الحدود مع إثيوبيا التي سيزورها غدا للغرض نفسه من أجل الوقوف على رؤية الحكومة الإثيوبية بالنسبة للأزمة مع السودان في سد النهضة والحدود بغرض طرح مبادرة لنزع التوتر وإعادة الوضع الطبيعي المتمثل في التعاون بين الدول الأفريقية دون حروب ونزاعات».
وتابع «سيلتقي الضيف رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزيرة الخارجية مريم الصادق ووزير الري ياسر عباس، للاستماع لرؤية السودان في القضايا محل الخلاف لنقلها في مبادرتنا التي تحظى بدعم أمريكي واضح المعالم».