مصر: الاحتكام الى الشعب هو الحل

حجم الخط
1

صام الاخوان المسلمون شهر رمضان عن الطعام، لكنهم لم يصوموا عن الاعتصام. صاموا الشهر الفضيل ثم افطروا في نهايته على اعتصامٍ قد يصل الى حدِّ العصيان.
رئيس حكومة العهد الجديد حازم الببلاوي جزم بان المعتصمين ‘تجاوزوا كل حدود السلمية، وذلك بالتحريض على العنف وممارسته واستخدام السلاح وقطع الطرق وتعطيل حركة المرور والاعتداء على المنشآت العامة وترويع المواطنين واحتجازهم، حتى وصلت الاعتداءات الى المستشفيات والمدارس واستغلال الاطفال’.
ألا تشكّل هذه الافعال بمجملها عصيانا بامتياز؟
قيادة القوات المسلحة اتهمت ‘الاخوان’ من دون ان تسميهم بانهم وراء الاضطرابات الامنية في البلاد. قالت ان الجيش قتل خلال شهر 60 ارهابيا في شبه جزيرة سيناء المضطربة، حيث كثف الاسلاميون هجماتهم الدموية منذ عزل الرئيس محمد مرسي.
الا تشكّل هذه الافعال اعمالا ارهابية؟
ربما لهذه الاسباب اكد الببلاوي ان ‘لا تراجعَ عن فضِ اعتصاميّ رابعة العدوية والنهضة. انه قرار نهائي توافق عليه الجميع (في الحكومة) ولا رجعة عنه على الاطلاق’.
لم يكتفِ الببلاوي بالتأكيد والتشديد، بل توعّد المعتصمين بان ‘استخدام السلاح ضد رجال الشرطة او ضد المواطنين سوف يواجّه باقصى درجات الحزم والقوة’.
ربما لهذا السبب تخوّف السناتور الجمهوري الامريكي جون ماكين عقب زيارته القاهرة من ان الوضع ينذر بـِ’حمام دم شامل’.
هل وصلت الوساطات الدولية والجهود الدبلوماسية الى طريق مسدود؟
ظاهر الحال ينبئ بذلك، فقد اعلنت رئاسة الجمهورية المصرية في بيان عشية عيد الفطر المبارك ان مرحلة الجهود الدبلوماسية انتهت، محمّلةً جماعة الاخوان المسلمين المسؤولية كاملة عن اخفاق تلك الجهود وما يترتب على هذا الاخفاق من احداث وتطورات لاحقة.
غير ان مصادر مبعوثي الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وقطر والامارات العربية المتحدة الذين شاركوا في الوساطات، اشاروا الى ان باب الحوار لم يوصد بعد. فهل ثمة مخرج من هذا المأزق قبل الانزلاق الى ‘حمام دم شامل’؟
لعل المخرج الذي تقدّم به المرشح الاسلامي المستقل في انتخابات الرئاسة المصرية الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح يستأهل الدرس بعناية. فقد دعا القيادي الاخواني السابق (الذي كان استقال من الجماعة وحلّ في المرتبة الرابعة في سباق الرئاسة) الى عرضِ ‘خريطة الطريق’، التي تقدّم بها الفريق اول عبد الفتاح السيسي في خطبته الشهيرة مساء 3 يوليو/تموز الماضي، على استفتاء عام حتى اذا اجازتها غالبية المشاركين، جرى اعتمادها رسميا بكل مضامينها. ومن المعلوم ان ‘خريطة الطريق’ تلك تنطوي على تعليق العمل بالدستور، وانهاء ولاية الرئيس محمد مرسي، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور رئيسا مؤقتا للجمهورية، وانشاء لجنة خاصة لبحث التعديلات الدستورية المطلوبة ووضع مشروع متكامل بشأنها لاقرارها في استفتاء عام، ووضع قانون جديد للانتخابات، واجراء انتخابات رئاسية واخرى برلمانية الخ.
يقول الدكتور ابوالفتوح ان المشكلة في ‘خريطة الطريق’ انها لم تستند الى اساسٍ دستوري، ما حمل البعض على القول انها غطاء لانقلاب عسكري، وان حل المشكلة يكون باقرارها في استفتاء عام، الامر الذي يضفي عليها مشروعية قانونية وسياسية، فلا يعود في وسع احد ان يدعي ان تنفيذ احكامها، بما في ذلك تكريس انهاء ولاية مرسي، ينطوي على انقلابٍ عسكري.
في التعليق على اقتراح ابو الفتوح، تبدّى رأيان، الاول شائع بين انصار العهد الجديد مفاده ان ‘الاخوان’ لن يوافقوا عليه لانهم يظنون ان وصولهم الى السلطة بعد نحو 80 عاما من التوق اليها فرصةٌ لا يجوز التفريط بها، وان الموقف الافضل والافعل هو في الاصرار على اعادة مرسي الى منصبه، على ان يتولى هو شخصيا تنفيذ ‘خريطة الطريق’، كلها او جلها، بما في ذلك اجراء انتخابات رئاسية جديدة. الثاني شائع بين الاسلاميين، ولاسيما الاخوان المسلمين، ومفاده ان اركان العهد الجديد لن يوافقوا على اقتراح ابو الفتوح لانهم يخشون الا تنال خريطة الطريق موافقة غالبية المشاركين في الاستفتاء، بالنظر الى القدرة التنظيمية الهائلة التي يتمتع بها الاخوان المسلمون والكفيلة باسقاطها.
ارى ان كِلا الرأيين، وبالتالي الموقفين المبنيين عليهما، يفتقران الى الصحة والواقعية، ويشكوان من نقصٍ فادح هو عدم تغليب الوحدة والمصلحة الوطنيتين على ما عداهما من الاولويات وذلك على النحو الاتي:
اولا، لانه لا يجوز ان يتمسّك الاخوان المسلمون بمطلب اعادة مرسي الى منصبه، ذلك لان الوحدة والمصلحة الوطنيتين اعلى واغلى من ‘شرعية’ رئاسة مرسي، خصوصا ان اقتراح ابوالفتوح يكفل اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لاحقة، الامر الذي يكفل تعزيز ثقافة الديمقراطية وممارستها.
ثانيا، لانه ليس صحيحا ان ‘خريطة الطريق’ لن تحظى بموافقة غالبية المشاركين في الاستفتاء بدعوى القدرة التنظيمية المتفوقّة للاخوان المسلمين الكفيلة باسقاطها، ذلك ان الاستفتاء يتطلّب قدرات تنظيمية اقل بدرجات عدّة من القدرات المطلوبة للانتخابات البرلمانية. بالعكس، ثمة ترجيح بان يصوّت ملايين المصريين الذين كانوا نزلوا في 30 حزيران/يونيو الى الميادين والساحات والشوارع على مستوى مصر كلها (قيل اكثر من ثلاثين مليونا) تأييدا لانهاء حكم الاخوان المسلمين، ان يصوّتوا لصالح ‘خريطة الطريق’ بغية اضفاء مزيد من الشرعية عليها.
ثالثا، لانه بصرف النظر عن مدى صحة او عدم صحة المقولتين سالفتي الذكر، فان كِلا الطرفين، بل جميع اطراف الصراع في مصر مدعوون الى تجاوز خلافاتهم ومصالحهم الضيقة، وذلك بالاحتكام الى الشعب من اجل شرعنة التدابير التي من شأنها صون الوحدة والمصلحة الوطنيتين وتعزيز حكم القانون والديمقراطية. بذلك تتفادى مصر الحرب الاهلية وتستعيد وزنها ودورها على الصعيدين الوطني والقومي.
الاحتكام الى الشعب هو الحل.

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية