مصر: الاستثمار بمعزل عن التنمية الشاملة يجهض ثورة 25 يناير

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

من يقرأ الصحف ويستمع ويشاهد البث المسموع والمرئي في أجهزة الإعلام المصرية، ويمر على الإعلانات العملاقة في الطرق الرئيسية وفي شوارع القاهرة وعواصم المحافظات والمدن؛ من يفعل ذلك يطالع إعلانات لشركات صناعية والكترونية وتجارية وغذائية وعقارية كبرى؛ محلية وعربية وأجنبية، توحي بأنها صانعة ثورة 25 من يناير العظيمة، وهذه الإعلانات تربط الثورة بالمنتج الذي تروج له، وكأنه محرك الثورة ومفجرها، ورافع مطالب الشعب ومُسقط النظام البائد، وهذا لم يغط على نهجها التقليدي في تعميق الخط الشوفيني والروح الانعزالية التي تكرست إبان الحكم السابق؛ الواضح بين ثنايا الإعلانات المؤثرة على الرأي العام، وكثير من الإعلانات ليس مصريا، مما يطرح سؤالا عن مصلحتها في تعميق هذا الخط المتخلف. وعند استعراض أسماء كثير من تلك الشركات نجد أغلبها ضليعا في الفساد المالي والسياسي، وفي عملية الزواج المحرم الذي جرى بين المال والسياسة من جهة، وبين رجال الأعمال وسلطة الحكم من جهة أخرى. ومن المتوقع أن تكشف التحقيقات عن دور كثير منها في إفساد الحياة السياسية ودعم وتأييد عائلة مبارك وزبانيتها.

قامت بذلك شركات عقارية مصرية وخليجية، واحتكارات متعددة الأنشطة، وفي مقدمتها شركات المشروبات الغازية والأطعمة السريعة العملاقة، وكذلك شركات الاتصالات الهواتف المحمولة؛ كلهم يهيمون حبا بمصر!! ، ويشيدون بثورتها ويدعون العمل على حمايتها؛ وهذا استمرار لما كان يحدث من زبانية جمال مبارك؛ نهبوا وهربوا وبددوا، وهم يرفعون شعار ‘في حب مصر’. وفي إعلانات ما بعد ثورة 25 يناير أصبح العلم المصري بكل قدسيته خلفية ثابتة للسلع والمنتجات بتلك اللغة، التي أفسدت الثقافة الوطنية، وشوهت الدور التاريخي لمصر، وانتشرت لافتات ‘مصر فوق الجميع’؛ تملأ الطرقات والصحف وأجهزة الإعلام؛ بكل الأشكال والأحجام، وتتصدرها صور الشهداء الأبرار، ومنها ما يعرض مع الباعة الجائلين وفي المحلات الصغيرة وأكشاك بيع الحلويات والسجاير؛ وقد علقت مؤسسة صحافية كبرى ملصقا ضخما في أنحاء البلاد يقول ‘مصر أولا ومصر أخيرا’، وكأن شيئا لم يحدث، وأن الثورة لم تغير شيئا من ثقافة فاسدة سادت إبان العهد البائد. وبجانب ذلك وجدنا أن من بين شباب الثورة من جعل نفسه مدافعا عن سوق الأوراق المالية المعروفة بالبورصة. داعيا لإنقاذها، ومروجا للاستثمارات الأجنبية، وكأن البورصة أصبحت وطنا وأضحى السماسرة وحدهم هم من يتمتعون بحق المواطنة، وحق العيش على أرض مصر، وأنهم الأولى والأجدر بالرعاية. وتتضاءل أمام مصالحهم أي مصالح أخرى، حتى لو كانت في سمو ونبل ما دعت إليه ثورة 25 يناير. وبالقطع فليس منا من هو ضد البورصة، ولا ضد أي نشاط مالي أو غير مالي مشروع. ولا يمكن فصل هذا عن الأحاديث المتداولة بين أوساط متنفذة حول إعادة بناء مصر، وتأخذ منحى يرى أن مصر تُبنى بالتبرعات والصدقات وإحسان القادرين والأغنياء، وليس بالتخطيط والعمل والإنتاج، حتى اختفت الإشارة إلى التنمية الشاملة، وإذا تمت فبشكل خجول.

والمجتمعات لا تبنيها التبرعات ولا تتقدم بإحسان القادرين، ومع سلامة ذلك العمل ونبل نواياه ومقاصده في تخفيف معاناة الضعفاء والمحتاجين، وبناء دور العبادة والملاجئ والعيادات الطبية، لكنه يبقى عاملا مساعدا، وعلى هامش التنمية الحقيقية، وهي تحتاج إلى تجنيد وحشد طاقة المجتمع كله ومعه موارد الدولة لزيادة الانتاج في مجالات الزراعة والصناعة، وتعزيز خدمات التعليم والصحة والنقل والمواصلات والإسكان والبحث العلمي، وما زال الخطاب الرسمي للحكم الانتقالي ملتزما بنص وروح الخطاب السابق على الثورة؛ في عبادة الاستثمار العشوائي وتقديس المستثمرين، خاصة إذا ما كانوا أجانب.

والاستثمار إذا ما انفصل عن التنمية الشاملة المستقلة حرث في البحر. وضرره أكثر من نفعه، والأخطار التي تواجه الثورة لها علاقة بضعف الوعي الاجتماعي، وغياب المشروع الوطني التنموي؛ الحاضن الطبيعي للاستثمار الحقيقي، ومعنى هذا أن الفرص ما زالت قائمة كي يعيد حكم مبارك إنتاج نفسه مرة أخرى. وكشفت تجربة الأربعين عاما الماضية هول ما قام به الاستثمار العشوائي وغياب ضوابطه، والتجربة التاريخية في الحالة المصرية تؤكد دور الدولة الجوهري في التنمية، أما الاستثمار المنفلت فهو باب الفساد والانهيار والتدخل الأجنبي، وعن طريقه وئدت التجارب الرائدة منذ محمد علي حتى تصفية تجربة عبد الناصر، وبه وئدت أي تجربة تنموية مستقلة في الوطن العربي وخارجه.

تقوم التنمية على ركيزتين أساسيتين؛ القطاع العام والقطاع الخاص. وهذا لا يمنع من وجود قطاعات أخرى إلى جانبهما؛ أهمهما القطاعين التعاوني والأهلي أو الخيري، وأي قطاع، وأي منا لا يصلح منفردا للتنمية في البلاد النامية، ونجاح القطاع الخاص في الغرب له أسباب تاريخية غير متاحة في ظروف البلاد النامية، فتقدم وثراء الغرب جاء حصيلة تراكم نهب منظم وإبادة عرقية وغزو عسكري وهيمنة سياسية واحتكار اقتصادي، وبوجود جماعات وطبقات داخل البلاد النامية؛ تعمل طابورا خامسا يسهل مهام الاستغلال والنهب ويستقبل الغزاة ويحتفي بهم. وإذا كانت هذه ظروف غير متوفرة، ولا يمكن تكرارها؛ لا سياسيا ولا أخلاقيا. لذا فإن الدول الساعية للنهوض تبحث داخلها عن إمكانياتها الذاتية وتعظمها، ويأتي سلاح الفساد الممنهج للحيلولة بين هذه الدول والنهوض. ولا يمكن للتنمية الشاملة أن تتحقق إلا بمكافحة الفساد ومقاومته بنظام ديمقراطي وقوانين رادعة، وهيئات رقابية فعالة، وجمعيات عمومية تقوم بواجبها داخل المؤسسات في مراقبة الميزانيات التفصيلية لها؛ ووقف الاعتداءات الممنهجة على الأصول والمال العام، وإعادة ما تم نهبه بالخصخصة، وتغيير نمط البيع الاحتكاري، وعرض البيع على الجمهور؛ بسقف أعلى لا يتجاوز عشرين ألف جنيه مثلا، وتصبح الخصخصة نوعا من الاكتتاب الشعبي، وتأخذ الرأسمالية بذلك طابعا شعبيا؛ يحد من استغلالها ويخفف من وطأتها وضغطها، وبدلا من أن تكون الخصخصة وسيلة للاحتكار تتحول إلى طريقة لتوسيع رقعة الملكية على قاعدة عريضة من حملة الأسهم. ثم يأتي رفع الأجور، وتوجيه الدعم من الأغنياء إلى المحتاجين، وأغلب ما زال موجها لدعم الصادرات والغاز والسولار والمازوت والكهرباء؛ لمصانع الأسمنت والأسمدة والحديد والألومنيوم، ولدعم الدولة الصهيونية بتصدير الغاز الرخيص إليها، على حساب فقراء مصر وطبقتها الوسطى. وأثبت أن الدعم لا يفيد المواطنين مع بيع المنتجات والسلع بالأسعار العالمية. وأشار الباحث الاقتصادي أحمد السيد النجار في دراسته التي عرضتها صحيفة ‘العربي’ القاهرية في عددها الماضي إلى قيمة الدعم الذي يحصل عليه مصدرون نافذون سياسيا، ويزيد عن دعم الفلاحين والأدوية والتأمين الصحي وإسكان محدودي الدخل وتنمية الصعيد، ورأى ذلك نوعا من التعدي على الحقوق الاقتصادية الاجتماعية للفقراء والطبقة الوسطى لصالح الرأسمالية الكبيرة. وإذا ما علمنا أن دعم الصادرات جزء يسير إذا ما قورن بدعم طبقة رجال الأعمال، واستحواذه على مبالغ طائلة، إذا ما استثمرت لأوقفت الهبوط إلى خط الفقر الذي سقطت تحته نسبة عالية من المصريين. إن الضغوط الإقليمية والغربية تتزايد، وتأخذ شكل حصار يمنع مصر من الانطلاق، ويحول دون دخولها إلى حقبة جديدة تقتضيها ظروف التحول العظيم الذي أحدثته الثورة، وتتعرض مصر لحصار من نوع جديد؛ عن طريق مال يتدفق على قوى بعينها؛ مهمتها شل حركة الثورة وإرباكها. وسبق ونشرنا عن أموال نفطية تدفقت على جماعات سلفية محددة، فغيرت مواقفها من أقصى درجات رفض العمل الوطني والسياسي إلى انغماس كامل فيه دون سابق إعداد أو معرفة، وبدلا من أن تكون عاملا إيجابيا في تضافر وتضامن القوى الثورية والوطنية أضحت مصدر قلق بالغ على الوطن والمواطن، بعد العدوان على الأضرحة وهدم القبور. وما تدفق على مصر من الغرب صوب منظمات أهلية مصرية هو الأكبر في تاريخها، ولا يقل تأثيرا عن أموال النفط؛ وأحدث ارتباكا بين بعض قوى الثورة، ووجدنا حركة فتية مثل حركة 6 إبريل تعزل منسقها العام وتنقل زمام قيادها إلى مؤسسيها وأعضائها؛ بتأثير ما تردد عن أموال أمريكية وصلت إلى جيوب البعض.

من جهة أخرى دخلت شركة ‘غوغل’ على الخط ومنحت وائل غنيم تفرغا على حسابها لمدة عام، لإنشاء منظمة أهلية في مصر، وكانت أوساط غربية قد اختزلت ثورة 25 يناير بملايينها في شخصه، وكانت مجلة ‘تايم الأمريكية’ قد اختارته أبرز الشخصيات المؤثرة في العالم، لانتزاع الجدارة من صناع الثورة، فتوحي بأنها من عمل المؤسسات الغربية، وكله من أجل حصار الثورة وشل قدرتها عن اتخاذ الخطوات اللازمة، التى تضع قدم مصر على طريق التنمية الحقيقي. والاعتماد على المنظمات الأهلية المؤمركة هو نوع من تعويض ما كان يقوم به المصرف الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي والدول الغربية لتدمير اقتصاديات الدول النامية، وأثار اختيار ‘غوغل’ قدرا من البلبلة في صفوف الثورة، وكان شقيق وائل غنيم قد صرح لصحيفة ‘المصري اليوم’ في عدد الأربعاء الماضي (27/ 4) أن المنظمة المزمع إنشاؤها تحمل مفاجآت في الشخصيات التي ستنضم إليها!!. في هذا المناخ تأتي رحلة رئيس الوزراء عصام شرف إلى السعودية ودول الخليج لتثير القلق، وقد جاءت في أعقاب تواتر معلومات عن ضغوط سعودية خليجية تلوح بسلاح المال والعمالة، وتطلب منع محاكمة مبارك وعائلته، وبدت الزيارة ترسيخا لقواعد قديمة في التعامل مع الضغوط والمغريات، والحجة هي الأزمة الاقتصادية، وهي حجة وإن كان صحيحة؛ لكنها فيها التهويل أكثر من الحقيقة؛ لم يكن الاقتصاد المصري قبل 25 يناير متعافى، وجاءت الثورة لتسلب منه عافيته. ويتأكد لنا يوما بعد آخر أن الاستثمارات الداخلية والخارجية ومنها الخليجية، إذا ما كانت بمعزل عن التنمية الشاملة تتحول إلى طاقة مغذية لتحريك ماكينة الفساد والفتن، التي انتهت بانفجار المجتمع في ثورة عارمة في كل أنحاء مصر.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية