مصر: الاستعصاء وأطياف أخرى من الثورة المضادة

حجم الخط
0

د يحيى مصطفى كاملتعيش الثورة المصرية مرحلة استعصاءٍ طالت حد السماجة باعثةً ومرسخةً في نفوس الجمهور حالةً من الضيق والملل واليأس والخوف من القادم المجهول… وللحق، فليس في ذلك ما يدهش فهي ثورةٌ منقوصة، ثورةٌ وقفت في منتصف الطريق فأطاحت برأس ورموز النظام ولم تملِ إرادتها بفرض هيئةٍ أو تشكيلةٍ حكومية تقوم بإدارة المرحلة الانتقالية، إنما عوضاً ذلك انزلقت إلى حالة قبولٍ أو تقبلٍ لإدارة المجلس العسكري لإدارة المرحلة الانتقالية إما عن مثاليةٍ أو سذاجةٍ أو جهلٍ بحقيقة هذا المجلس الذي يرتبط بالدولة والنظام برباطٍ عضويٍ وثيق؛ لكل ما سبق فالجمهور المصري الذي لا يؤثر شيئاً قدر الاستقرار والذي حسب أنه رأى وعاش وعانى قاع الضنك وأشنع القمع بات الكثيرون منه يتوقعون الأسوأ ويترحمون على ما ضاع منهم من الأمان خاصةً بعد استشراء الفوضى وبقاء الحال على ما كان عليه (وربما أسوأ…) على الرغم من التضحيات… لذا، وفي مناخٍ يسوده القلق والتوتر ونفاد الصبر يترقب الناس ويراقبون الانتخابات المقبلة أملاً في كسر حالة الاستعصاء والجمود تلك وما ستسفر عنه من نتيجة قد تبين مقدار القوى النسبية الفعلي لتلك القوى السياسية والتنظيمات المتكاثرة كالفطر بصورةٍ محيرة محبطة؛ كما أنهم يراقبون حولهم في خشية تحركات من يطلق عليهم فلول النظام السابق من أعضاء الحزب الوطني المنحل المتربصين بالثورة المحاولين عرقلتها… بالإضافة إلى ذلك فهم يتوجسون ويحتاطون ممن يطلق عليهم قوى الثورة المضادة التي يؤكد الثوريون والمثقفون ومدعو الثقافة أنها لا شك تنظم قواها لعرقلة المد الثوري والتصدي له بالإضافة إلى الحيلولة دون تعاظم الظاهرة وتحقيقها أهدافها… لا جدال في كون الثورة المضادة غدت من أكثر الكلمات شيوعاً في الشهور اللاحقة للثورة، وكغيرها من كلمات النخب التي وجدت طريقها إلى الشارع فقد اكتسبت مسحةً شعبوية لا تخلو من الفكاهة والتندر، ولن تعدم أن يصل إلى مسامعك الاتهامات المازحة بين الأصدقاء بالانتماء إليها، إلا أنني أكاد أجزم بأن مفهوم الثورة المضادة ما يزال ضبابياً في ذهن ومخيلة العامة، وهو أمرٌ معقول، فمدلول الكلمة فضفاض، يشمل بالطبع وفي المقام الأول أسرة المخلوع وطبقة الطفيليين المنتفعين المتحلقين حولها والجهاز الإداري والبيروقراطي للنظام السابق… لكن المؤكد أنه لا يقف عند هذه الدائرة الضيقة… في يقيني أن الثورة المضادة أوسع من ذلك، فهي حالةٌ مزاجية أو موقف وجداني معادي للثورة مرتابٍ منها… إنها قابلية نفسية لدى قطاعات لم تكن بالضرورة مستفيدة من الوضع أيام مبارك وإنما تراه على فقره وقمعه وانحطاطه طبيعياً وعادياً، وعلى ذلك فهي تشمل أطيافاً متعددة، كل من يخشى ويجفل من المجهول والتغيير من كل تلك الطبقات والفئات التي تعهدها النظام بالإفساد الممنهج حتى امتد التلوث والالتواء إلى أعمق جذور منظومة قيمها فها هي تقف عقبةً عنيدةً في طريق التغيير… والأمثلة على ذلك عديدة تزخر بها الحياة اليومية وأحتك بها بصورةٍ يومية مع أشخاصٍ أغلبهم نستطيع أن نصفه بالاستقامة وسلامة النية وخاصةٍ في الجمهور العريض من غير المسيسين الذين أفاقوا من غيبوبتهم على الحدث الثوري.. من ذلك مثلاً أولئك المهنيون الذين حصَّلوا أعلى الشهادات العلمية وبرزوا في مجالاتهم سواءً في الوطن أو في المهجر… ما أكثر ما كان هؤلاء يعبرون بمرارة عن يأسٍ من شعبهم وتبرمٍ يصل حد العداء… لن يتغير شيءٌ أبداً في مصر، فتركيبة هذا الشعب منحطة ولا فائدة فيها هكذا كانوا يحكرون على التطور ومقدرة التاريخ على الحراك، وشيئاً فشيئاً يستسلمون إلى شعورٍ خادعٍ بالرضا المفرط عن النفس والتعالي المغرورالمعادي لشعبهم كأنهم نزحوا من بلدٍ آخر أو هبطوا من كوكبٍ مختلف… ليس ذلك فحسب، بل إنهم يأقلمون حياتهم ومصالحهم على فرضية استحالة التغيير هذه وعلى اعتبار أن أفراد الشعب (وبخاصة الطبقات الدنيا) ما هم إلا مجموعة من اللصوص المطلوقين وغالباً ما ينتهي بهم المطاف إلى السعي وراء علاقاتٍ مع شخصياتٍ نافذة في هيكل النظام الإداري وبصفةٍ أخص الجهاز الأمني تجنبهم الاحتكاك بعامة الشعب وتحميهم منه وتسهل لهم قضاء مصالحهم… حين فاجأت الثورة هؤلاء لم تسقط وتختل رؤيتهم وتنظيراتهم (المغرورة والقاصرة في آنٍ معاً) عن الواقع بما تتضمنه من مكانةٍ متميزة لأنفسهم فقط، وإنما ايضاً بحتمية التعامل مع واقعٍ متغير ذي مفرداتٍ جديدة ومختلفة عليهم أن يعيدوا حساباتهم وارتباطاتهم وفقاً لها… ليس بعيداً من هذه الفئة بكثير أولئك المثقفون والمسيسون الذين أكدوا بعد تحليلاتٍ معقدة أن الثورة لن تقوم، بل وذهب بعضهم إلى عدم ضرورتها… الآن وقد طاشت تنظيراتهم وتخطاها منطق الأحداث مثبتاً فراغها وخطأها بات جل هم الغالبية منهم لجم الثورة وتحجيمها إما عن حرصٍ صادقٍ يتفق ورؤاهم، وهو أقل القليل، وإما من باب المرارة والغيظ النابع من ذواتٍ متضخمة تثأر لأرائها ومواقفها الفكرية… بالتأكيد ينتظرون يوماً يظهرون فيه على شاشة التلفاز (ذلك الساحر الاثير…) وقد تعثرث الثورة وربما أجهضت مقدرتها الحقيقية ليؤكدوا في خيلاءٍ ظافرة أنهم كانوا على صواب منذ البداية.. هذا مع ملاحظة أن الكثيرين منهم يساهمون اليوم في إنشاء العديد من أحزاب ما بعد الثورة الجديدة… طبعاً يلحق بهم عن قرب السياسيون المحترفون (وقدامى المناضلين، للأسف) وقادة وأركان الأحزاب المدجنة الذين كانوا يتفقون معهم في استبعاد قيام الثروة في مصر في تأكيدٍ متملقٍ على التبعية للنظام… وهنالك أيضاً صغار المستثمرين وموظفي القطاع الخاص ممن لم يتورطوا بصورةٍ مباشرة أو بارزة في منظومة مبارك الفاسدة ومع ذلك فعم يعانون الآن في مصالحهم… نموذج آخر هم صغار الموظفين المغبونين في وضع البلد الاقتصادي الذين كانوا يعوضون العجز في دخولهم بالرشى… وكل هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر لقطاعٍ متذبذبٍ من الجمهور مؤهل لأن يشكل رصيداً تلعب عليه القوى الفاعلة في الثورة المضادة فتستثمر في زياده ضيقه وسخطه بهذا الاستعصاء عن طريق التباطؤ والتسويف لتعميق أزمته… ما أقصد إليه ليس دعوةً لتطهير راديكالي مجنون وإنما لا يعدو كونه محاولة لفهم الدوافع النفسية التي قد تحدو قطاعاتٍ وأطيافٍ عديدة من الشعب تشمل من الجمهور أكثر مما قد يتصور البعض للحنين إلى أيام مبارك على الرغم من التباين في خلفياتهم الطبقية ومصالحهم المادية ومن تحفظهم عليه ورفضهم للانحطاط الذي حل بمصر على يديه.

لقد تباطأت الثورة المصرية في وقتٍ حرجٍ فلم تكتمل… هذه هي الحقيقة المرة، وقد أفسح ذلك المجال أمام فلول النظام السابق وقوى الثورة المضادة الفاعلة في التنافس مع قوى الثورة على استمالة هذه القطاعات المترددة إلى معسكرها… لذا يتعين على الثورة أن تجبر ذلك النقص بالمضي قدماً وبسرعة لقطع العلاقة بالماضي عن طريق تمكين الطبقات المنحازة بلا لبسٍ للثورة وصاحبة المصلحة فيها من رأس السلطة كيما تشرع في خلق واقعٍ جديد.. أجل، هي مرحلة استعصاء وركود، ولكنني على يقين من أنها سوف تنكسر في الأسابيع الحاسمة القادمة التي قد تشهد حراكاً وصداماً يفوق كل توقع.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية