مصر: الاستقطاب الطائفي يفسد الانتخابات ويجعلها محل طعن!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب

كان من المفترض أن تكون هذه السطور حول ما جرى في تونس وانتخاب المنصف المرزوقي رئيسا مؤقتا للجمهورية، وما في ذلك من نقلة نوعية اعتبرها كثيرون غيري في الاتجاه الصحيح، وجاءت الخطوة التونسية متقدمة كثيرا مقارنة بمسار التطورات الجارية في مصر، بأولوياتها الخطأ، وهو ما جعل للتهافت والتكالب الأولوية على سرعة قطف ثمار ثورة لم تنضج ولم تكتمل بعد. وخطر ذلك على مصير الثورة نفسه، ولم ينج أحد من هذه الصرعة، التي شغلت أكثر فصائل الإسلام السياسي التقليدي قوة وإمكانية وانتشارا عن أي شيء آخر. وإن كانت هناك استثناءات فإنها جاءت من شباب الإخوان المسلمين؛ بما لا يقارن بحجم الكتلة الأكبر الممثلة في حزب الحرية والعدالة وحزب النور.

وتبقى الفرصة سانحة أمام الإخوان إذا أعادوا النظر في علاقاتهم مع القوى الوطنية الأخرى، وقد كانت مع حق الإخوان في العمل السياسي، وضد ما تعرضوا له من سجن واعتقال وملاحقة، وكان من الواجب أن يصب ذلك في مجرى التوافق الوطني المطلوب في المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر. وهذا لم يحدث، ولم يبق الأمر عند حد الخلاف إنما تجاوزه إلى ما هو أسوأ، وهو اللعب على ورقة الاستقطاب الطائفي والفرز المذهبي، وبرزت في المرحلة الثانية من الانتخابات بدرجة أكثر من المرحلة الأولى، ووقع الإسلام السياسي في فخ الغواية دون حساب لمقتضيات التحالف الانتخابي، الذي ربط حزب الحرية والعدالة بحزب الكرامة العربية؛ الحزب القومي العربي البراغماتي.. الذي تغلبت عليه تكتيكات السياسة عن استراتيجات المبدأ والفكر، وهي تنطلق من مبدأ الوحدة وفكرة القومية العربية، وأحيانا ما يحشر حزب الكرامة نفسه في غيتو المصرية الضيق، ولم يتنبه إلى قيمة الوطنية المصرية العريقة، وهي لا تقوى بعيدا عن محيطها الجغرافي ودوائرها العربية والإقليمية، وهو ما صنع قوة مصر وبنى أمجاد العرب، وأحيانا ما يقع حزب الكرامة في فخ ‘الخصوصية’ كتقليل من أثر المشتركات القومية الأوسع. هذا في وقت قفز فيه الإسلام السياسي المصري على الخصوصيات الذاتية والمشتركات القومية، وظهور حركة شابة من الإخوان المسلمين آثرت البعد عن قيود قياداتها التقليدية والخروج عن خط الجماعة الرسمي، وهذه الحركة انحازت إلى الثورة من لحظتها الأولى، ولم تسقط في غواية الحكم والسلطة، وهذا تم بعد فقدان شباب الإخوان القدرة على تحمل تشدد الشيوخ ومناورات الحرس القديم. وتركوا الجماعة وحزبها الحرية والعدالة، وشكلوا حزبا باسم ‘التيار المصري’ ، وينظر كثيرون إلى أن حزب ‘التيار المصري’ مقدمة لتغيير متوقع في الخريطة السياسية المصرية.

إذا كان ذلك هو حال الإخوان فإن الأمر أكثر إشكالا مع التيار السلفي؛ بالذعر الذي يثيره أكثر من أي تيار إسلامي آخر، وللذعر أسبابه الموضوعية، وذكرت على هذه الصفحة من قبل، ووقع حزب الحرية والعدالة فيما وقع فيه حزب النور السلفي، ولم ينج من الرهان على الاستقطاب الطائفي والفرز المذهبي، وكان من المتوقع أن تخف حدة ذلك فى المرحلة الثانية من الانتخابات؛ يومي الأربعاء والخميس الماضيين، وما زالت نتائجها الرسمية لم تعرف حتى كتابة هذه السطور، لكن المؤشرات تقول بأن الاستقطاب الطائفي والفرز المذهبي زادا عن معدل ما حدث في المرحلة الأولى، وفيها تجاوز قضاة حدود مهمتهم ووجهوا الناخبين إلى انتخاب حزب النور.

هناك أسباب موضوعية زادت من الهوس الطائفي والمذهبي، وهذه الأسباب مرتبطة بالقواعد القانونية والدستورية التي أحاطت بالمرحلة الانتقالية وتدنيها إلى مستوى العرف الذي يحكم علاقات جماعات ما قبل الدولة، وأهملت نصوص الإعلان الدستوري التي تُجَرم تأسيس الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو مذهبي، وتحظر الدعاية الدينية، وضربت جماعات الإسلام السياسي عرض الحائط بالقانون، ليس هذا فقط بل هناك جماعات لا علاقة لها بالإسلام السياسي؛ كجماعة ‘أنصار السنة المحمدية’، وخرجت على الناس ببيان وزعته في دمنهور عاصمة محافظة البحيرة ذكرت فيه وجوب الالتفاف حول الأحزاب الإسلامية ضد ما أسمته الأحزاب العلمانية، وحرضت على عدم التصويت لأحزاب الكتلة المصرية ‘لأن التصويت لها باطل شرعا’ حسب ما ورد في البيان.

و’جمعية أنصار السنة المحمدية’ من الجمعيات التي وردت في تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها وزير العدل للبحث في التمويل الخارجي للجمعيات الدينية والأهلية والسياسية، وذكر أنها تلقت أموالا من مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني من قطر؛ يصل مجموعه إلى مئة وواحد وثمانين مليوناً وسبعمائة وأربعة وعشرين ألفا وأربعمائة وستة وثمانين جنيهاً مصرياً، والغريب أن الجمعية حصلت على موافقة وزير التضامن الاجتماعي الأسبق عليها في اليوم التالي لخلع حسني مبارك. وحصلت على تمويل آخر من ‘جمعية إحياء التراث الإسلامي’ بالكويت، ويبلغ مئة وأربعة عشر مليوناً وأربعمائة ثلاثة وتسعين ألف وستمائة ثلاثة وأربعين جنيهاً مصرياً وتمت الموافقة عليه بنفس التاريخ، ومبلغ مائتين وستة وتسعين مليونا ومائتان وثمانية عشر ألفا وثلاثمائة وأربعين جنيهاً مصرياً أخرى. وهو أضخم مبلغ ورد علـــي الإطـــــلاق كتبرع في شهر واحد؛ مقارنة بمجموع المبالغ التي وردت لجميع الجمعيــــات الأهلية على اختلاف أنواعها، ومن المعروف أن محاولات الجهات المانحة تمويل تلك الجمعية قد قوبل برفض الأجهزة الأمنية من قبل. وهذه الجمعية أهدرت دم محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيس جمعية التغيير الوطنية السابق. واستند شيخها محمود عامر في فتواه على ما وصفه بـ”محاولة الدكتور البرادعي إثارة الفتن بدعوة الشعب إلى العصيان لذلك وجب على أولي الأمر متمثلين فى الحكومة والرئيس حسني مبارك قتله حال عدم توقفه عن ذلك الأمر”!. وعلى صعيد آخر أُتهِمت الكنيسة الارثوذكسية المصرية بتوجيه أتباعها في اتجاه معاكس لاتجاهات الإسلام السياسي، فبينما حرّم المتطرفون الإسلاميون التصويت لـ’تحالف الكتلة المصرية’، لوجود ‘حزب المصريين الأحرار’ بين مكوناته. وهو حزب أسسه ويساهم في تمويله رجل الأعمال المسيحي نجيب ساويرس، مع العلم أن هذا التحالف يضم ‘حزب التجمع’ و’الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي’، والحزب الأخير أسسه محمد غنيم رائد زراعة الكلى ومحمد أبو الغار رائد أطفال الأنابيب، والمخرج السينمائي داود عبد السيد، والوزيرة السابقة ميرفت التلاوي، وحازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء في حكومة عصام شرف، وكان من بينهم عمرو حمزاوي الباحث في معهد كارنيجي الأمريكي؛ قبل انسحابه من مبادرة تأسيس الحزب في نيسان/ابريل الماضي. وأيديولوجية هذا الحزب خليط بين الليبرالية والاشتراكية؛ تقوم على إعادة توزيع الثروة لصالح العمل والعاملين على قواعد اقتصاد السوق غير المنضبطة!!. وتصويت المسيحيين المصريين فيما قبل ثورة 1952 كان يصب لصالح حزب الوفد دون أبعاد طائفية تقريبا، باعتباره حزبا وطنيا جامعا وقتها، ويحتضن المواطنين بلا تمييز، وإن كان التمييز دخله في مطلع أربعينات القرن الماضي، حين هبت عليه رياح كبار ملاك الأراضي، وكان طبيعيا والأمر كذلك أن يقبل تشكيل الوزارة تحت ضغط قوات الاحتلال البريطاني وهي تحاصر قصر عابدين في 4 شباط/فبراير 1942 وخيرت الملك بين تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الوزارة أو التنازل عن العرش، وكانت وثيقة التنازل معدة وجاهزه للتوقيع، ورضخ الملك وقبل الوفد وتغير الوفد وتغيرت أحوال مصر معه، وقامت ثورة 1952. الاستقطاب الطائفي والفرز المذهبي استقرا من خطايا حزبي الحرية والعدالة والنور من جهة وتحالف الكتلة المصرية من جهة أخرى، وقد ألغيت انتخابات دائرة الساحل، ويتبعها حي شبرا، وتسكنه أكبر كتلة مسيحية، واعتبر عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة أن دعم المسلمين لحزبه طبيعي ‘فالحزب أعلن هويته الإسلامية وليس في ذلك استقطاب’، ورأى عضو المجلس الرئاسي في حزب المصريين الأحرار أن ذهاب أصوات الأقباط ـ يقصد المسيحيين ـ لتحالف الكتلة المصرية طبيعي أيضا ‘لأن التحالف يعبر بالأساس عن الفكر الليبرالي الوسطي، الذي طالما صوت له المسيحيون’، وزادت الاتهامات الموجهة للكنيسة الأرثوذكسية بقيادة البابا شنودة الثالث بدعم تحالف الكتلة المصرية؛ زادت الموقف حدة، وهناك من يُرجع السبب في تفوق تحالف الكتلة المصرية في المرحلة الأولى في انتخابات دائرة الساحل، وحي شبرا إلى دور الكنيسة، وجاء تاليا لقائمة حزب العدالة والحرية، التي ضمت أحد المسيحيين المصريين المحسوبين على التيار القومي العربي، وحصلت على أربعين في المئة من الأصوات، بينما حصل تحالف الكتلة المصرية على ثلاثين بالمئة، وجاء حزب النور في المركز الثالث؛ بنسبة خمسة عشر بالمئة، لكن الانتخابات في هذه الدائرة ألغيت!. الاستقطاب الطائفي والفرز المذهبي كانا حاضرين في المرحلة الأولى، وتقول مؤشرات الجولة الأولى من المرحلة الثانية أنهما زادا حدة، واستعرت الاتهامات في أكثر من دائرة من الدوائر التسع يومي الأربعاء والخميس الماضيين. وبذلك تراجع الخطاب الوطني أمام لغة التشدد الديني. وغابت البرامج ولغة السياسة وحلت المفردات الطائفية والمذهبية، التي تفرق وتحض على الكراهية، وإذا ما استمر هذا فإن عواقبه وخيمة على الجميع، وهناك أصابع تلعب لنشر ثقافة التقسيم والحروب الأهلية وإشعال الاقتتال الطائفي والصراع المذهبي.

وكل ذلك ليس وليد الانتخابات الحالية إنما سبقها بسنوات، ووصل ذروته في استفتاء تعديل عدد من مواد دستور 1971 الذي تم في 19 اذار/مارس الماضي، وهو الاستفتاء الذي قلب أولويات مرحلة الانتقال رأسا على عقب، على العكس مما حدث في تونس، التي ووضع أولوياتها بشكل أقرب إلى الصحة، وانتخبت جمعية تأسيسية بشكل مباشر من الشعب لوضع الدستور، ومكنت نفسها من انتخاب رئيس جمهورية مؤقت يدير البلاد إلى أن تضع المرحلة الانتقالية أوزارها، ويحل محلها نظام سياسي جديد يعبر عن الدولة التونسية الجديدة.

وتبدو وحدة الدين والمذهب في تونس، مقارنة بثنائية الدين وتعدد المذاهب في مصر؛ ذلك الاختلاف صنع هذا الفرق، بجانب طبيعة وعي كل من الإدارة التونسية؛ سياسية الطابع، والإدارة المصرية العسكرية، وعليه هناك من يرى أن نتائج انتخابات مصر ستضيف من المشاكل والمعضلات ما يجعل الوضع أكثر توترا واحتقانا، وكان من تحمسوا للانتخابات بالصورة التي تمت بها يرونها حلا.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية