مصر: التاريخ لا ينسى.. والشعوب كذلك!

حجم الخط
0

لم يتراجع المصريون منذ أن قامت الثورة عن المطالبة بمحاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك ورجال نظامه الفاسدين ولو للحظة واحدة، فمن شعر بقسوة فقدان الأخ أو الأبن، الاب أو الصديق، لا يمكن أن يتنازل عن محاكمة من ساهموا في قتل ذاك الشخص العزيز الذي أُزهقت روحه في سبيل أن نرى ـ نحن ـ نور الحرية ونخطو أولى خطوات الديموقراطية الحقيقية، فقبل صدور قرار حبس مبارك ونجليه ‘جمال وعلاء’ كان هناك ما يوحي بأن محاكمة مبارك أمر محال، حيث بدأت حملات للترويج لأفضال الرجل على مصر طيلة العقود الثلاثة التي قضاها رئيساً في محاولة للالتفاف على مطالب محاكمته وإكسابه تعاطفيا شعبياً ينجيه من العقاب على ما اقترفه بحق مصر وشعبها، انتشر في وسائل الاعلام أيضا حديث عن ضغوط خارجية من دول عربية للدفع في طريق عدم محاكمة مبارك، ليس حباً في مبارك بقدر ما هو محو لفكرة محاكمة الرؤساء من عقول الشعوب العربية وثقافتهم الثورية، فمحاكمة رئيس واحد قد تعني انتقال تلك العدوى الى الدول الأخرى تماما مثلما انتقلت الثورات نفسها.

من يتوهم ان التأخير والتأجيل في محاكمة مبارك ورجاله تعني إمكانية الالتفاف على هذا المطلب هو مخطئ، فضغط الشارع الذي أسقط نظاماً حديدياً كنا نظن أن سقوطه مستحيلاً ليس من الصعب عليه محاكمة أي شخص حتى ولو كان رأس النظام الساقط، أتصور ان مبارك الان ربما هو نادم على سنواته الأخيرة التي قضاها بين الدول الاوربية والمنتجعات على شاطئ البحر الأحمر في مدينته المفضلة ‘شرم الشيخ’ دون أن يعير الالاف من الواقفين أمام منافذ بيع الخبز أو انابيب البوتوجاز أي إهتمام، ربما يندم على تركه لوطن بأكمله كي يتحكم فيه نجله مع مجموعة من أصدقاؤه من رجال الأعمال الفاسدين، هذا بخلاف المفسدين القدامى من جيل مبارك وحاشيته، لكن مشكلة نظام مبارك الحقيقية هي أنه لم يتعظ من الدرس التونسي، فبينما كان الديكتاتور التونسي أكثر ذكاءً عندما ترك بلاده وفر هارباً، فضل مبارك أن يبقى على أرض مصر، لعله يقي نفسه شر الملاحقة في الخارج وربما تصور أنه سيكون بمقدوره التأجيل على الملاحقة داخلياً من خلال التمارض حيناً وإستعطاف الشعب بخطابات إعلامية تبثها فضائيات مثل ‘العربية’ في أحيان أخرى.

إنني أعتقد أن التأخير في تنظيف البيت المصري من قمامة العهد البائد هو السبب وراء ظهور ما يُعرف بالفلول، وتكوين مراكز خفية وبؤر فاسدة جديدة تخطط لإفشال الثورة والتآمر على الوطن، في محاولة بائسة منهم لإستعادة ماضيهم، لقد بات واضحاً للجميع كيف تكتلت تلك القوى لتفسد فرحة الثورة وتعكر صفو الهدوء من الحين للآخر، وإذا بنا نرى ردود تكاد تشابه تلك التي كنا نسمعها في عهد مبارك من أن هناك قوى خارجية تتأمر على مصر وهي وحدها ـ دون غيرها ـ من يتأمر لسرقة الثورة وهدم الوطن، للأسف هذا ليس بالأمر الخفي على أحد فـعبارة ‘ مصر مستهدفة خارجياً ‘ قد مللنها، كما أنه يجب لمن يرددها ان يعلم أن كل الأوطان والبلدان في كل الدنيا مستهدف من غيرها، لكن السؤال الذي يجب طرحه هنا هو لماذا لا يعترف أحد بأن هناك من يخططون من وراء أسوار محبسهم للتخلص من الثورة في مهدها، وتشويه صورتها؟! لماذا لا يحاكمون بشكل سريع.. ذاك الذي يحقق العدالة أولاً، ويريح الناس ثانياً؟! أليس العدل البطيء نوعا من الظلم؟! وبينما يعود مبارك هذه الأيام الى قفص محاكمته ثانية لتستمر الجلسات، يجب التذكير بأن الشعوب لا تنسى من ظلمها، وكُتب التاريخ لا تغفل السنوات المظلمة من حياة الشعوب، فلا تجعلوا صفحاتنا القادمة مظلمة، حاكموا القتلة والفاسدين، فنحن لن ننسى أبداً! أحمد مصطفى الغـر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية