عناية جابر
حين ابتدأت ثورة يناير، فرغ بريدي الألكتروني من الرسائل إلا بعضها القليل، وتأكدت في حسبة بسيطة، أن أكثر أصدقائي وصديقاتي هم من المصريين. لمّا أوقفت الأجهزة الأمنية المصرية خدمة التخابر والانترنت، غابت التحايا الرقيقة:’ صباح الورد’ و’نهارك فلّ’ وسوى ذلك ممّا يُعرف عن لطف المصريين ومبادراتهم المرحة.
أمام شاشة التلفزيون، أربكتني رؤية الوجوه المصرية الباسمة في العادة، وقد استحالت الى وجوه غاضبة. بدت إطلالة الحاكم المصري في خطاباته القصيرة، وبفعل محاكاة عجيبة، متماثلة مع هيئة احدى المومياءات الفرعونية، وجهه أشبه بجذع شجرة يابسة، ولم يكن يرى قبالته ملايين الناس، يرى شخصه فقط مكرراً ملايين المرات.
مصر محروسة، وكلّ يحبها على طريقته. الناس بطبيعتهم ليسوا محكومين بالحقد والحرب، وأنا أصّدق ذلك. صفقّت لهذه الناس في قلبي، وارتفعت وتيرة الحماس في داخلي. أصبحت هائلة. الحشود، والتظاهر يجعلانني عادة أصاب بالبرودة والتجاهل. هذا مشهد مصري مُغاير ومختلف، حبّب اليّ المشاركة بالتظاهر، وبدا الحشد أمراً مُشتهى.
فكرّت: ‘سعيد من يعثر له على كوّة مفتوحة على الضوء، سعيد من يقدر أن يستنهض من جوف مظلم بريق أمل، يضعهُ نصب عينيه، يشتغل عليه ويغتبط به، ثم فكرّت: سعيد من يتحرّك، خارج الفخ اللبناني’. وفكرّت أن الوقت الآن، وقت مصر، وأن على كل العالم العربي أن ينصت ويتأمّل ويعي.
أخيراً، هذه مصر. هاهم أولادها يخرجون غاضبين. بداية شعرت بالتهيّب من وفرة الغضب، ثم سرعان ما أخذني غضبهم. لا. هذا الغضب ليس عبثياً، يدرك الناس كلفته الباهظة، لكنهم يمسكون بمصيرهم. يريدون الكرامة في وطنهم، يريدون السلام والأمن والحرية، ويريدون للعدالة أن تنتصر.
لا تستطيع البشرية أن تسعى الى شيء آخر غير السلام والحرية والأمن، هذا واضح وبديهي ويدركه الحسّ السليم الأكثر بساطة. وحدهم الناس البسطاء هم أسياد هذه الأرض، أمّا الطغاة فهم ليسوا بشراً وأيامهم إن طالت، الى زوال.
لم أخف على أصدقائي وأصحابي من الموت، خفت أن يرهقهم التجمهر، أن تُبّح حناجرهم، خفت أن يتعبوا، أن يؤوبوا الى بيوتهم، أن يتركوا مصر غير محروسة وغير محضونة، لكنهم بدوا أمامي على الشاشات، غاضبين لأكثر ممّا أشتهي وأحبّ، مُصرّين على البقاء في الشوارع ما بقي الطاغي، حتى يسقطوه.
لقد شعّ نور في الوجوه الغاضبة. أجل، تعرف الناس التي خرجت الى الشوارع، الكلفة الباهظة للحرية. تعرف ذلك منذ زمن طويل. لكن الصمت أيضاً كان قدراً كما هو قدر الحياة الحرّة الآن. سوف تتدارك مصر الخيبة هنا وهناك وسوف تنتصر. المستقبل أكيد ما قرب منه وما بعُد. لم تعد مصر يائسة، ولا واهمة ولا حالمة، وثمة ما يبلورهُ شبابها وشيوخها وأطفالها، وثمة ما خرج من القمقم وما يتحقق، إن لم يكن اليوم، فغداً. لقد عرف شعب مصر أن ما من شيء أسفر عن صبرهم، سوى مزيد خداعهم. لقد كانت حياتهم ثقيلة كحجر في الرئة، ووجهها الآخر أكثر ثقلاً. الناس الغاضبة في الشوارع وفي البيوت، واثقة هذه المرّة، ولقد تحقّق حلمهم أخيراً.. الناس لا تهذي، ولم يعد الخوف يضغط على قلبها.
بدت صديقتي مسرورة تشاهد معي مشاهد من شوارع مصر، وقالت لي بفرح: ‘يبدو أن التظاهرعمّر ثورة طال انتظارها، لقد تنّحى، إنهم يحققون نجاحاً مؤثراً’ وقال صديق آخر:’انه نجاح باهر’ وكان يشّع فرحاً. من أين يأتي هذا الصفاء الذي يحّل عليّ؟ حتى بالأمس، كان الأفق مسدوداً، وكانت الصخرة جاثمة بثقلها على القلوب وما من حلّ. اليوم خرجوا لملاقاة أملهم الذي طال انتظاره، الأمل الذي أضمروه ودونه تضحيات لابدّ من بذلها. خرج المصريون لملاقاة الأمل وملاقاة الحقائق قصيرة الأمد وطويلته، فلقد عاشوا طويلاً من دون أية حقائق وأيّ أمل.
لتعذرني مصر إذا كنت أنظر الى نصرها على انه نصري الشخصي. لا أسعى الى تسجيل انتصار خاص على أرض مصر، لكنني أحزن قطعاً إن انتكست هذه الهبّة المصرية، بعد ان أهدرتُ في سبيلها ملايين خفقات قلبي، وبعد ان ارتعشت فرحاً من اجل هذا الأمر العظيم، ومن أجل هواء جديد يهّب من مصر، ومن أجلها منتصرة، ووّلادة لأيّ انتصار آت من هذا البلد العربي وذاك، وملهمة كما فعلت تونس وأكثر، للمقهورين والفقراء والمهمشين. مصر القلب النابض للوجود الإنساني العربي، ومصر في أكثر المفاصل الآن، أهمية في هذا القرن، لمّا ان التغيير فيها يُحفّز على تخطيّ أيّ تردّد، ويكشح الغمة واليأس. مصر التي جوّعها وأهانها طغاتها، خرجت الى الشمس، غاضبة ومتوترة ونزقة، لكنها مفعمة بالدفء وبوعد التغيير، ويتجلى شبابها الآن في التحوّل المصيري، الجمالي العميق، والفلسفي والإنساني والأخلاقي.