مصر التي نحب: نختلف معها لا عليها

عندما نكتب شيئا يتعرض للأوضاع الداخلية في مصر يعاتبنا رفاقنا المصريون ويتهموننا بعدم معرفة ما يجري حقيقة في مصر. وقد كتبت لي زميلة عزيزة تعليقا على مقالي حول حرب أكتوبر بعد 40 سنة قائلة: ‘فلتقولوا خيرا أو عدلا في مصر أو إتركوا مصر وشأنها’، وزميل آخر قال تعليقا على مقالي حول الانقلابات منها الصالح وأكثرها طالح ‘لا أتفق أبدا مع تحليلك لأنني جئت للتو من مصر وشاهدت بأم عيني ما جرى هناك، وأستطيع أن أقول بكل ثقة إن ما جرى لشيء عظيم وهو ليس انقلابا، بل تعبيرا عن مطلب لغالبية الشعب المصري وكان يجب أن يتم منذ زمن’. وكأن الشأن المصري شأن داخلي بحت وليس لعربي أن يتأثر أو يتدخل أو يعلق أو يختلف أو يخرج عن النص الرسمي المقدم من الدولة ووسائل إعلامها، فإما أن نؤيد الرواية الرسمية وإما أن نسكت. ونود أن نؤكد منذ البداية أن ما يجري في مصر، حتى في أشد القضايا محلية، ينعكس على الأمة العربية سلبا أو إيجابا. فإن صلحت مصر تصلح الأمة وإن نهضت تنهض الأمة وإن تراجعت مصر وتقزم دورها انعكس ذلك على مجموع الأمة.
وهل هناك من دليل أسطع من سنوات مبارك الثلاثين التي أخرجت مصر من أي دور فاعل في شؤون المنطقة، وخلقت فراغا كبيرا تغولت فيه إسرائيل فشنت خمس حروب ووصلت ذراعها الطويلة إلى تونس والعراق والخرطوم ودبي ودير الزور. كما ساعد غياب مصر كلا من إيران وتركيا على ملء جزء من ذلك الفراغ، فتمددتا خارج حدودهما على حساب العرب والعروبة، وبقي رئيس مصر منعزلا في شرم الشيخ وغزة تدمر والسودان يقسم ويرتكب مجازر ضد شعبه، والعراق يمزق ويحتل والكويت تحتل ويتوحد شطرا اليمن ثم يدخلان في ما يشبه الحرب الأهلية، ولبنان يأكل بعضه بعضا لمدة 15 سنة. كل هذا ومصر ‘شاهد ماشافش حاجة’. ولذلك من حقنا أن نكتب ونعلق على ما يجري في مصر لأنها تهمنا وشعبها هو شعبنا وإذا اشتكت مصر من ألم تداعى لها سائر الجسد العربي بالسهر والحمى.

في كل واحد منا شيء من مصر
نود أن نؤكد مرة وراء مرة أن مصر عزيزة على قلب كل عربي، بغض النظرعمن يجلس على مقعد القيادة، ولا نقول هذا تزلفا أو إرضاء لأحد. ففي كل واحد منا شيء من مصر. فمن منا لم يتتلمذ على أساتذة مصريين بشكل مباشر أو غير مباشر؟ من منا لم يقرأ ويتأثر بكتابات طه حسين وعباس محمود العقاد وشوقي ضيف وجمال حمدان؟ من منا لا يختزن في ذاكرته شيئا من محمد عبدو وقاسم أمين وأحمد أمين وأحمد لطفي الزيات ومصطفى المنفلوطي وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وعبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس ونجيب محفوظ ورضوى عاشور ونوال السعداوي ولطيفة الزيات. من منا لم يحفظ غيبا شيئا من الشوقيات وقصائد شاعر النيل العظيمة وأطلال إبراهيم ناجي ورباعيات صلاح جاهين ورائعة أمل دنقل ‘لا تصالح’ والرباعيات، كما سالت عسلا على أنامل أحمد رامي، وناصريات الأبنودي وثوريات أحمد فؤاد نجم؟ من منا لم يستمتع بصوت كوكب الشـــرق وأهازيج العندليب وألحان موسيقار الأجيال وطقاطيق الدلوعة ومسرحيات عملاقي المسرح يوسف وهبي وتحية كاريوكا. عشقنا مصر قبل أن نراها من خلال أفلام فريد شوقي وشكري سرحان ورشدي أباظة وفاتن حمامة ومريم فخر الدين وناديا لطفي وسعاد حسني والمليجي والشناوي وإسماعيل ياسين وفؤاد المهندس. وعندما زرناها لأول مرة اكتشفنا أننا نعرف شوارعها وأزقتها وخاناتها ومقاهيها ونيلها الخالد.
الشعب العربي كله ما فتئ يتفاعل مع مصر ومجريات الأحداث فيها، فقد وقف مع مصر في العدوان الثلاثي ونظم المسيرات في كل المدن والبلدات والضيع وكانت طوابير المتطوعين تنتظر دورها للمساهمة في رد العدوان. ملايين العرب ساروا في الشوارع رفضا لهزيمة حزيران/يونيو 1967 مطالبين الزعيم بالتراجع عن استقالته وإعداد الجيش لردع العدوان، وهو ما فعله بالضبط وأعاد الاعتبار للجيش المصري في معارك الاستنزاف العظيمة متوجا هذا التحول العظيم في حرب رمضان 73 الخالدة. لقد انتصر الجيش المصري في حرب أكتوبر بالجيش الذي أعده ناصر والقيادات التي اختارها ناصر والخطط العسكرية التي وضعها ناصر، ثم جاء من يستثمر ذلك الانتصار ويحوله بعد أقل من أربع سنوات لأعظم هزيمة سياسية تلحق بالأمة وبمصر وفلسطين بالذات، بسبب اتفاقيات كامب ديفيد المشؤومة. لقد ساومت تلك الاتفاقية على سيادة مصر واختصرت حقوق الشعب الفلسطيني في حكم ذاتي مسخ وهو أكبر وأخطر تنازل لإسرائيل عن حقوق لا يملكها السادات ولا يستطيع أن يتنازل عنها ولم يكن مفوضا للتنازل عنها، ثم بعد هذا يأتي من يقول لا تتدخلوا في تصرفات الحكومات المصرية؟
وأود هنا أن أطرح للنقاش مسألتين أساسيتين يحق لنا أن ندلو بدلائنا فيهما لأهميتهما ومدى تأثيرهما فينا سلبا وإيجابا.

الموقف من القضية الفلسطينية
من حق مصر أن تكون حريصة على أمنها الداخلي بالطريقة التي تراها، ومن حقها أن تراقب الداخل والخارج. ومن حقها أن تفرض سيادتها القوية على حدودها. أما أن تعامل قطاع غزة كعدو وتهدم 1050 نفقا وتبقي المعبر الوحيد مغلقا أو شبه مغلق وتترك آلاف الفلسطينيين عالقين على المعبر أياما وأياما وأن تقيم منطقة عازلة لعمق كيلومتر أو أكثر، فهذا ما لا نستطيع السكوت عنه وعدم التعرض لتلك الإجراءات التي لا تطال حركة حماس فحسب، بل كافة أبناء القطاع، وكأن الخطرعلى أمن مصر ليس من إسرائيل بل من قطاع غزة. ان نسمع من يطالب بقصف غزة بالطيران وأن يدعو آخر إلى احتلال القطاع وأن يصرخ ثالث من أبواق النظام متشفيا بما تقوم به إسرائيل ضد قطاع غزة مستخدما كلمة ‘الخواجا الإسرائيلي: سلام يا عمي’، وآخر يصرح ‘إذا لا تقدرون على حماس تبقوا نسوان’، ويفتي شيخ معروف بقتل جماعات حماس على طريقة فتاوى الشيخ علي جمعة، ثم يطلب منا أن نظل صامتين فهذا ما لا نقبل به. هكذا يتحول الإعلام في عهد العسكر: العدو الجديد هو حماس وغزة والفلسطينيون، والعدو القديم يصبح رفيقا تتم تحيته على ما يفعل في الفلسطينيين ولا يعترض أحد ولا يجرم أحد ولا يطرد أحد.
القضية الفلسطينية كانت وما زالت وستظل البوصلة التي نقيس بها مواقف الدول والقيادات والأحزاب والإعلاميين والنشطاء ومنظمات المجتمع المدني، ولا بوصلة أهم منها، كما قال الشاعر مظفر النواب: ‘بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة، حطموها على قحف أصحابها’. فكل ما يتعرض للقضية الفلسطينية تنازلا أو تبخيسا أو مساومة لا نستطيع أن نقف معصوبي العيون ومربوطي الألسنة. ولهذا لم نأل جهدا في نقد السلطة الفلسطينية وحركة حماس وكل الأنظمة العربية المساومة وقيادات الانقلابات العربية التي كانت تنفذها باسم فلسطين وما أكثرها، وكذلك الأحزاب العربية وحركات المعارضة التي أدارت ظهرها لفلسطين. نحن لا نشتري بضاعة كاسدة تتحدث عن الموقف القومي، وفي نفس الوقت يتم التفريط في ثوابت القضية الفلسطينية. لا نصدق موقفا يدعي أنه مستند إلى شعب يدعمه وفي نفس الوقت يشيطن الشعب الفلسطيني ويهزئ قضيته المقدسة. وهذا الموقف لا علاقة له بحماس ومواقفها التي لا نتبناها لا سرا ولا علانية.

التراث الناصري
نقطة أخرى لا نستطيع أن نظل صامتين عليها وهي التراث الناصري الذي يحاول بعض الإعلاميين والسياسيين الصغار منهم والكبار أن يجيروه لصالح فرد أو أفراد في مصر فقط، وكأن الأمر لا يعني أحدا. وهنا يحق لنا أن نسأل هل التراث الناصري ملك شخصي لنجله عبد الحكيم أو لابنته هدى، مع تقديرنا الكبير لعائلة الزعيم الخالد، أو حتى رئيس الحزب الناصري حمدين الصباحي؟ الحقيقة أن التراث الناصري وما يمثله ملك للأجيال العربية التي تؤمن بالقواعد الثابتة لهذا الفكر وأهمها: مقاومة الثالوث المتحالف ضد الشعوب العربية ومصالحها الاستراتيجية وأضلاع هذا الثالوث: الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية. أما أن يجلس نظام ما في أحضان الرجعية العربية وأشكالها الأكثر تخلفا تحالفا وتمويلا وإطراء، ثم يدعي أنه وريث الناصرية فهذا إجحاف بحق ناصر وبحق كل المعجبين به والمخلصين لتراثه. الناصرية تدعو لتحرير الموارد الطبيعية العربية من أيدي القوى الخارجية التي تسيطر عليها، ويدعو لتأميمها وتحويلها إلى مصادر قوة للأمة. الناصرية تتحالف مع الجماهير العربية التي لها مصلحة في التحرر والتقدم. والناصرية وقفت داعمة لكل حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. والناصرية كانت وراء إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية ووقفت مع المقاومة الفلسطينية واعتبرتها ‘أنبل ظاهرة أنبثقت عن هزيمة يونيو 67’ فلا يقولن أحد إنه ناصري ويجرم فصائل المقاومة. والناصرية أخيرا وقفت ضد الإقطاع والبرجوازية الكبيرة وانحازت إلى طبقة العمال والفلاحين وأنصفتهم وفتحت لهم أبواب المدارس والجامعات مجانا، مما أتاح للملايين من أبناء الشعب المصري والعربي أن يلتحقوا بالمعاهد المصرية ويتخرجوا منها ومن بينهم من يمارسون الشتم والردح يوميا ضد المقاومة الفلسطينية.
لقد مارسنا النقد اللاذع لممارسات الإخوان المسلمين عندما وصولوا إلى السلطة بتدبير من العسكر. ولم ننس قول مرسي ‘الستينات وما أدراك ما الستينات’ ولا رسالته الحميمية لشمعون بيرز وبقينا بالمرصاد نراقب ما يجري في السنة الأولى، ولكن ضمن ما نراه يتعلق بالقضايا القومية والحريات العامة وعدم الإقصاء وحق تداول السلطة والابتعاد عن الأخونة، وبنفس المنطق لا نستطيع إلا أن نشير إلى الممارسات التي لا نقبلها والتي تلت الانقلاب يوم 3 تموز/يوليو، خاصة استخدام العنف المفرط ضد المعارضة والتضييق على قنوات التعبير والتوجه نحو الدكتاتورية العضوض والإقصاء والتجريم وإصدار الأحكام الجاهزة وإعادة تأهيل الفلول.

الانقسام الطولي والعرضي
تعليقا على ما يجري في مصر كتبت مجلة ‘التايم’ الأمريكية يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر الماضي في مقالها الرئيسي، أن هناك مصرين: مصر التي تلتف حول العسكر والتي تكره الإخوان المسلمين وهي في صعود، ومصر الإخوان المسلمين المعزولين والمجروحين والذين لم يخضعوا ولم يستسلموا لمصر الأولى ويكرهونها أيضا. فبينما مصر الأولى كانت تحتفل في ميدان التحرير يوم 6 أكتوبر بالذكرى الأربعين للحرب، حاولت مصر الثانية أن تصل إلى نفس الميدان ودفعت نحو 57 قتيلا و400 جريح من دون إن تحرز نجاحا.
نحن نريد مصر الواحدة الموحدة التي تقف مع أمتها وتدافع عن قضاياها وتشير بإصبعها لمواطن التآمر على الشعوب العربية وثرواتها ومقدساتها. لا نريد لهذا الانقسام أن يستمر ولا نرى أن الحل بالإقصاء والتهميش وإطلاق النار وتكميم الأفواه وإغلاق الفضائيات وسجن الصحافيين وشيطنة فصائل المقاومة والالتصاق بأكثر الدول تخلفا ورجعية والتعاقد مع الشركات الإسرائيلية لتبييض الوجه أو حماية السفن العابرة للقناة، التي دفع الشعب المصري ثمنا غاليا لتأميمها. نريد مصر أن تبقى تمثل هذا الإرث العظيم في النضال من أجل التحرر والتحرير وصولا إلى الدولة المتينة القائمة على التعددية التي لا تقصي أحدا ولا تحرم من تضع غالبية الشعب فيه ثقتها فيه ليقود البلاد ضمن الأحكام المتفق عليها في دستور يمثل الغالبية الساحقة من الشعب.
نريد لمصر ألا تقف في منتصف الطريق تفتش عن الاتجاه التي تسلكه، بل أن تستمر في رفع شعلة ثورة يناير التي انبثقت من رحم المعاناة والقهر والفساد وانعدام الوزن الذي مثله نظام مبارك، لا أن تعيد إنتاج ذلك النظام تحت شعارات جديدة بضغط من أموال النفط وتشجيع من القوى المعادية للأمة تاريخيا. ولهذا نقول نختلف مع مصر السلطة ولا نختلف على مصر الدور والتاريخ والموقع القيادي.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية