بين الحين والآخر، يُتاح لي الاستماع الى أم كلثوم، التي تقدمها لمدة ساعة كاملة قبل منتصف الليل احدى الاقنية العربية، فأنا من عشاق أم كلثوم منذ كنت فتى، بل واذكر بكثير من الاعتزاز، انني بعت بطاقات حفلتها اليتيمة في دمشق، اذ اتفقت مع السيدة زوجة المحامي المرحوم زهير الميداني ـ وكان من اصدقاء والدي ـ ان اجلس في كوخ خشبي وُضع خصيصا لبيع بطاقات هذه الحفلة، مقابل اجر يومي زائد بطاقة لحضور الحفلة.. وكذلك زيادة عشرة بالمئة من كل بطاقة أبيعها.
اقيمت الحفلة في الساحة الصيفية لمعهد اللاييك في شارع بغداد ـ وكانت البطاقات قد بيعت بالكامل عبر ذلك النشاط الكبير الذي بذلته سيدات النادي العربي، وكان ريع الحفل على ما اذكر بما كان يسمى في ذلك الوقت ‘نقطة الحليب’ اي الحليب الذي يوزع على الاطفال اليتامى والمحتاجين منهم.
موضوع مقالي ليس ما ذكرته، انما تمهيد لاسأل هل كان الشعب المصري في ذلك الزمن أسعد منه في هذا اليوم؟
اتذكر، كلما استمعت الى ام كلثوم، تلك الايام الجميلة، ايام عبد الناصر، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والقرارات الاشتراكية، وطرد الانكليز وخطابات عبد الناصر التي كان يستمع اليها ليس فقط الأمة العربية بل العالم كله ان لم اكن ابالغ.. وفي اول عبارة من عبد الناصر: ايها الاخوة المواطنون، فإذا بأمة بكاملها من المحيط الى الخليج تستمع الى هذا الرجل الاستثنائي في زمن كان خاليا من الرجال الاستثنائيين..
واكثر ما اتذكر مصر ام الدنيا والنيل والسينما المصرية التي كانت في ذلك الوقت السينما الابهر بنجومها اللامعين. وكم في فتوتي احببت النجمة المصرية راقية ابراهيم التي اذهلتني بجمالها، فلم يفتني يوم من دون ان احضر احد افلامها، خصوصا عندما تقف امام الموسيقار محمد عبد الوهاب بقامتها الطويلة وجسدها المشدود وهي تسأله بسخرية: ‘حكيم عيون حضرتك’.. كنت في فتوتي احب الافلام المصرية، بل اتقنت اللهجة المصرية كأحد ابنائها وصرت ادعي امام رفاقي انني مصري الاصل، وانني ولدت في الاسكندرية، وبيتنا كان هناك قرب فندق فلسطين. والحقيقة التي اعلنتها فيما بعد انني ولدت في حي العقيبة بدمشق وليس بقرب اي فندق، بل قرب مقبرة الدحداح التي كنت أخاف العبور منها في الليل.. والتي مكتوب على بابها عبارة عمر بن الخطاب: ‘الموت باب كل منا عابره’.
سألت في البداية هل كان الشعب المصري في ذلك الوقت اسعد منه الآن؟ اذ كان يلفت نظري في حفلات ام كلثوم عظمة الموسيقى التي تقف خلفها. الموسيقى العربية التي لم اجد اجمل منها في كل ما سمعت من موسيقى في العالم، خصوصا ضابط الايقاع بحركة اصابعه التي كان بها يقود الفرقة الموسيقية كلها كبديل للمايسترو في السيمفونيات الغربية، ومؤخرا في الحفلات التي نشاهدها على مسارحنا العربية.
ومن خلال حفلات ام كلثوم تنتقل الكاميرا لتقدم لنا مشاهد متتابعة للجماهير التي تحضر هذه الحفلات فأنتبه لهذا الحضور الكثيف ان في المسارح المكشوفة او في الاوبرا التي تتسع لاكثر من خمسة عشر الف مشاهد.. انتبه الى هؤلاء، وانتبه الى ان الرجال بلباسهم الرسمي، وان النساء معظمهن بفساتين السهرة فأقول في نفسي: هذه هي مصر القديمة، مصر الجمال والحضارة والفن الراقي.. هل حضور هؤلاء (مترسمين) احتراما للفن ولأم كلثوم بالذات، هذه التي تقف على المسرح كأنها ملكة من ملكات الفراعنة. تقف باعتزاز وتغني، كأنها تغني لنفسها وتطرب لنفسها، مع جنون جماهيرها عند كل مقطع.
يا لزمان مصر الجميل، اين هي منه الآن؟
الآن، جمهور من نوع آخر.. فن هابط على كافة المستويات، سينما لم تعد سينما الا فيما ندر.. موسيقى مقلدة بآلاتها الاعجمية.. زحمة غير طبيعية في الشوارع بل.. وحفاة للاسف.
لم تعد مصر تتسع لاهلها. فقراؤها سكان قبور.
كانت مصر في ذلك الزمن الجميل لم يتجاوزعدد سكانها العشرين مليونا.. هي اليوم قاربت المئة مليون، وما يلفت النظر ان السيدة المصرية الساكنة في المقابر هي الأكثر انجابا من السيدة الساكنة في القصور.
كانت مصر جميلة يا ناس..
الآن، يا لهول ما يحدث في مصر..
لم يعد يستطيع اي شاب ان تحتضن يده يد حبيبته.. وآخر الاخبار ان شبانا ملتحين اعتدوا على شاب وفتاة لأنهما كانا يمشيان على شاطئ السويس وهما يتخاصران.. فاوسعوهما ضربا بالعصي ليطبقوا عليهما ‘الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر’ كما هو سائد في السعودية. ربما أفهم ان يحدث هذا في السعودية، لكونها البلد الذي نشأ فيه الاسلام، بلد مكة والكعبة والمدينة وقبر الرسول.. اما في مصر.. مصر الطرب والغناء وتحية كاريوكا وسامية جمال.. مصر عبد الحليم حافظ الذي غنى
قدر احمق الخطى
سحقت هامتي خطاه
فمنعت هذه الاغنية من الاذاعة والتلفزيون وهي من اجمل اغاني عبد الحليم حافظ.. مصر فريد الاطرس وسامية جمال ترقص الى جانبه كاشفة على ساقيها.. مصر تلك اصبحت غائبة الآن عن المشهد.
مصر التي كانت الخطوة الاولى نحو الحضارة والتكيف مع العالم المعاصر.. ها هي اليوم ترجع الى الوراء عشرات السنين.. وكيف؟ بالديمقراطية.. بالانتخابات الحرة.. لا ابالغ اذا قلت ان خطباء المساجد في مصر افسدوا الشعب المصري، وان العودة الى الاسلام الاول هو الخلاص.. وهذا بالموضوعية غلط.. الاسلام طبيعته ان يتطور مع العصر.. وان يتفهم ما يحصل في دنيا الطائرة والكمبيوتر والانجازات العلمية العظيمة، لا ان يظل تحت خيمة الصحراء ووسيلته من بلد الى بلد ركوب الجمل.
يجب ان لا تتبلد افكارنا.. يجب ان نماشي العصر لا ان نرجع مع كل خطوة يتقدم بها العالم عشر خطوات الى الوراء، بل مئة خطوة الى الوراء..
يا لعز مصر الذي اصبح حلما.