القاهرة ـ «القدس العربي»: تعقد محكمة مصرية، اليوم الإثنين، جلسة للنطق بالحكم في قضية متهم فيها الناشط علاء عبد الفتاح، أحد رموز ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، والمحامي الحقوقي محمد الباقر، والمدون محمد إبراهيم، المعروف بـ«أوكسجين» بتهم «نشر أخبار كاذبة من شأنها التأثير على الأمن القومي للبلاد.
الجلسة المنتظر عقدها اليوم، أثارت ردود فعل دولية واسعة، واعتبرت منظمة «هيومن رايتس واتش» أنها «تأتي ضمن سلسلة من محاكمات الطوارئ الظالمة التي تشهدها مصر» وطالبت السلطات المصرية بـ«وقف هذه المحاكمات الجائرة أمام محاكم خاصة لا تسمح بالاستئناف، فيما اندلع سجال بين الخارجية المصرية ونظيرتها الألمانية، عقب بيان طالبت فيه الأخيرة بالإفراج عن عبد الفتاح والباقر.
«رايتس واتش» قالت إن «الحكومة المصرية بدأت بما لا يقل عن خمس محاكمات في «محكمة أمن الدولة طوارئ ضد حقوقيين، ونشطاء، ومعارضين سياسيين بارزين بشأن جرائم مزعومة متعلقة بالتعبير، قبل إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 إنهاء حالة الطوارئ في البلاد».
ظلم فادح
وبيّن جو ستورك، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة أن « محاكمة الحقوقيين والمنتقدين السلميين في هذه المحاكم الخاصة لمعارضتهم السلمية هي ظلم فادح لأن سلطة الرئيس الواسعة على هذه المحاكم تقوض استقلاليتها وحيادها، ومسارعة الحكومة إلى استخدام محاكم الطوارئ قبل إعلان إنهاء حالة الطوارئ، بعد حبس هؤلاء الأشخاص احتياطيا بشكل غير قانوني لسنوات، يؤكد أن القمع الشرس بحق المنتقدين السلميين لا يزال سائدا في مصر».
وأضاف: «إحالة هذه القضايا إلى محاكم الطوارئ – مباشرة قبل إنهاء حالة الطوارئ في مختلف أنحاء مصر ـ هي محاولة سافرة من الحكومة المصرية لحرمان هؤلاء النشطاء والسياسيين المعروفين من العدالة. ويكشف هذا التلاعب القانوني عن مهزلة النظام القضائي المصري في التعامل مع المعارضة السياسية».
محاكمة 48 حقوقيا
المنظمة لفتت في بيانها إلى أن «ما لا يقل عن 48 حقوقيا، وناشطا سياسيا، ومعارضا محتجزين ظلما وقضوا أشهرا وسنوات محبوسين احتياطيا أُحيلوا إلى محاكم الطوارئ لمحاكمتهم، قبل أن يرفع الرئيس حالة الطوارئ».
واعتبرت أن هذه الخطوة «تشير إلى عزم الحكومة على إخضاع هؤلاء المعتقلين للقواعد الاستثنائية لهذه المحاكم».
وتابعت: «أُنشِئت هذه المحاكم بموجب قانون حالة الطوارئ المصري لعام 1958، الذي يسمح لهذه المحاكم بالاستمرار في الإشراف على المحاكمات المحالة سابقا حتى بعد رفع حالة الطوارئ، ولا يمكن إحالة قضايا جديدة إلى هذه المحاكم بمجرد انتهاء حالة الطوارئ».
وبينت أنه «يمنح قانون الطوارئ الرئيس، أو من يفوضه، سلطة المصادقة على الأحكام أو إلغائها وتخفيفها، ما يقوض استقلالية هذه المحاكم وحيادها. كما يتمتع الرئيس بسلطة واسعة لتعيين قضاة محاكم أمن الدولة طوارئ والتحكم في تكوين هذه المحاكم».
وتابع البيان: «اعتُقل عبد الفتاح، والباقر، وإبراهيم في سبتمبر/ أيلول 2019 وحُبِسوا احتياطيا لأكثر من عامين، بما يتجاوز الحد الأقصى بموجب القانون المصري».
ونقل البيان عن محامي وأقارب لعلاء والباقر، أنهم اكتشفوا أن القضية أحيلت إلى محكمة أمن الدولة طوارئ للمحاكمة في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، قبل 10 أيام من إعلان الرئيس السيسي إنهاء حالة الطوارئ التي كانت تشمل البلاد بأكملها.
وزاد البيان: «من بين الذين أُحيلوا مؤخرا إلى محاكم الطوارئ المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، عزت غنيم، الذي اعتقل وأخفي قسرا في مارس/ آذار 2018، مع 30 متهما آخرين في تلك القضية إلى محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ في 23 أغسطس/آب الماضي».
وتناول التقرير إحالة عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب مصر القوية، إلى محاكم الطوارئ لمحاكمته في 25 أغسطس/آب.
وكان أبو الفتوح محبوسا احتياطيا منذ فبراير/شباط 2018. كما أحيل النائب السابق في البرلمان زياد العليمي إلى محاكم الطوارئ في 25 تموز/يوليو، وكان محبوسا احتياطيا منذ يونيو/حزيران 2019، تبعا للمنظمة.
انتهاكات
وفيما يتعلق بمحاكمة عبد الفتاح، والباقر، وإبراهيم، قالت «رايتس واتش» إن المحاكمة «شهدت انتهاكات عديدة للمحاكمة العادلة والإجراءات القانونية الواجبة، وإن المحامين لم يتمكنوا من الاطلاع على ملفات القضية إلا بحضور نيابة أمن الدولة، كما تجاهلت المحكمة باستمرار طلباتهم المتكررة للحصول على نسخة من الملفات المكونة من 2,000 صفحة تقريبا».
«رايتس واتش»: القمع الشرس للمنتقدين السلميين لا يزال سائدا
وزاد التقرير: «واجه الثلاثة ظروفا مروعة في مجمع سجون طره، وورد في بيان أصدرته عائلة عبد الفتاح في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أنه تعرض للصفع والركل أثناء مروره من باب السجن، وأُمِر بالبقاء بملابسه الداخلية فقط، ثم أُجبر على السير في ممر بين أشخاص ضربوه على ظهره وعنقه».
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وضعت السلطات المصرية تعسفا عبد الفتاح، والباقر، والمرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب «مصر القوية» عبد المنعم أبو الفتوح على قائمة الإرهاب ورفضت محكمة النقض طعونهم في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، حسب المنظمة.
محاكمة قيادات التنسيقية
تناول التقرير «محاكمة قيادات التنسيقية المصرية لحقوق الإنسان، ففي 11 سبتمبر/أيلول الماضي، وهو اليوم الذي أصدر فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر، بدأت في محكمة أمن الدولة محاكمة المدير التنفيذي للمجموعة عزت غنيم، و30 آخرين، يُحاكم 17 منهم غيابيا، يُزعم ارتباطهم بالمنظمة بتهم القيادة، أو العضوية، أو التمويل، أو الدعم لمنظمة إرهابية».
واتهمت نيابة أمن الدولة العليا أيضا غنيم وثلاثة آخرين باستخدام حسابات المجموعة على «فيسبوك» و«تويتر» و«يوتيوب» لتوثيق وفضح التورط المزعوم للشرطة في الاحتجاز التعسفي للأشخاص؛ وقتل الآخرين وتعذيبهم وإساءة معاملتهم؛ والإهمال الطبي المتعمد للسجناء. كما تشمل لائحة الاتهام بحق الأربعة انتقاد السلطات القضائية لإصدارها أحكام الإعدام دون أدلة والافتقار إلى ضمانات الإنصاف في المحاكمات الجنائية، وفق التقرير الحقوقي.
واعتقل «قطاع الأمن الوطني» المصري غنيم في مارس/آذار 2018 ورفض الكشف عن مكانه لأسرته ومحاميه، وأخفاه قسرا لمدة ثلاثة أيام. ثم أخفت السلطات غنيم قسرا لخمسة أشهر تقريبا بعد أن أمر قاض بالإفراج عنه في 4 سبتمبر/أيلول 2018.
وثّقت «رايتس واتش» ظروف الاحتجاز التعسفية التي واجهها المتهمون، حيث ترفض سلطات السجون دوريا السماح بزيارات السجون والرعاية الطبية الضرورية جدا
ودعت عشر منظمات حقوقية مصرية في 9 سبتمبر/أيلول السلطات إلى الإفراج الفوري عن 14 متهما رهن الاحتجاز يتبعون المنظمة، مؤكدة أن المحاكم الاستثنائية «لا تقدم الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة» مضيفة أن التهم «من صميم العمل الحقوقي المشروع بل الواجب على كل إنسان».
قضية أخرى تناولها التقرير، صدر فيها الحكم على صحافيين اثنين بالسجن 4 سنوات ونائب سابق بالسجن 5 سنوات.
وقالت المنظمة في تقريرها: «في يونيو/حزيران 2019، اعتقلت السلطات النائب السابق زياد العليمي والصحافيَّين هشام فؤاد وحسام مؤنس لتخطيطهم لتشكيل ائتلاف سياسي لخوض انتخابات 2020 البرلمانية، وأحيلت القضية إلى محكمة أمن الدولة طوارئ للمحاكمة في 25 يوليو/تموز بعد أن ظلوا محبوسين احتياطيا لأكثر من عامين. في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، حكمت محكمة جنح طوارئ أمن الدولة المصرية على العليمي بالسجن خمس سنوات وفؤاد ومؤنس بالسجن أربع سنوات بتهمة «نشر أخبار كاذبة». ولا يوجد ما يشير إلى تصديق الرئيس السيسي على الحكم».
عبد المنعم أبو الفتوح
وزاد التقرير: «اعتقلت السلطات المصرية في فبراير/ شباط 2018 عبد المنعم أبو الفتوح، المرشح الرئاسي لعام 2012 ورئيس حزب مصر القوية، بتهمتَي نشر أخبار كاذبة وقيادة جماعة أسست على خلاف القانون، وحبسته احتياطيا لأكثر من ثلاث سنوات، وفي 25 أغسطس/آب الماضي، أحالت السلطات قضيته إلى محكمة جنايات أمن الدولة طوارئ للمحاكمة، التي بدأت في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي».
وحسب المنظمة: «جاء اعتقال أبو الفتوح بعد ساعات قليلة من عودته من لندن، حيث أجرى مقابلات مع وسائل إعلام عديدة، منها قناة «الجزيرة» و«بي بي سي العربية» و«التلفزيون العربي» انتقد فيها الرئيس السيسي وما قال إنها بيئة خوف تحيط بالانتخابات الرئاسية لعام 2018».
وزاد التقرير: «المرشح الرئاسي السابق ذو الـ 69 عاما محبوس انفراديا في سجن طرة. أفادت عائلته عن معاناته من أعراض تشبه نوبة قلبية في يوليو/تموز» مضيفة أنه «طلب المساعدة لساعات من حراس السجن دون أي رد، ويصل الحبس الانفرادي المطول إلى حد المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، ويمكن أن يرقى إلى مستوى التعذيب بموجب المعايير القانونية الدولي ».
الشأن الداخلي
إلى ذلك، رفضت وزارة الخارجية المصرية التصريح الصادر عن الحكومة الألمانية بشأن جلسة المحاكمة اليوم. وقالت في بيان مساء السبت: «هذا الأسلوب الذي ينطوي على تجاوزات غير مقبولة تدخل سافر وغير مبرر في الشأن الداخلي المصري، ويُصادِر على مسار قضائي دون دليل أو سند موضوعي».
وزادت: «من المُستغرَب أن تطلب الحكومة الألمانية احترام القانون، وتدعو في الوقت ذاته للتدخل والتأثير على أحكام القضاء المصري الشامخ والمشهود له بالاستقلالية والحيادية والنزاهة، وهو ما نرصد معه ازدواجية المعايير».
وأكدت «رفضها الكامل للتدخل في الشأن الداخلي، ووجوب احترام سيادة القانون ودستور الدولة المصرية، وأن افتراض نتيجة بعينها هو أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً لما يُمثله ذلك من إهدار للقضاء والعدالة، ولمبادئ سيادة القانون، وما ينص عليه الدستور من الفصل بين السلطات».
واختتمت «من الأحرى أن تلتفت الحكومة الألمانية لتحدياتها الداخلية بدلاً من فرض وصايتها على الغير».
وكانت الخارجية الألمانية قالت عبر حسابها على موقع «تويتر» إن الحكومة الألمانية تتوقع أن «تعمل الحكومة المصرية على تحقيق محاكمة عادلة وكذلك الإفراج عن الباقر والمتهمين الآخرين علاء عبد الفتاح ومحمد إبراهيم، مشددة على أنه لا يجوز معاقبة المحامين على ممارسة نشاطهم المهني».
وتابعت أن «من وجهة نظر الحكومة الاتحادية، فإن حرية التعبير هي أساس السلام الاجتماعي ومشاركة جميع الأوساط الاجتماعية والاستقرار المستدام».
واختتمت: «نثمن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة المصرية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إطلاق أول استراتيجية مصرية لحقوق الإنسان في سبتمبر/ أيلول، وسوف نتابع تنفيذها باهتمام كبير».