إسمع ايها المتذاكي إنني مصر الولَّادَة ولست عاقرا فهاأنذا أتنفس هواء نقيا وأربي أبنائي على الكفاف والعفاف، لكنني ايضا ملْهِمة بثراء ومليئة حتى التخمة بأبطال البطون وأبطال العقول والسواعد. سألتها في حيرة عن شخص البطل في سيرة أبنائها فقالت والابتسامة لا تفارق محياها إسمع يا سيدي إن البطل في نظري هو إنسان ممتلئ بالدفء لا تحس معه بالغربة او الوحشة، ومشاعره لا يخترقها الحقد أو الحسد صادق في عواطفه ويتمتع بجاذبية يتميز بها لإلهام وتحفيز الناس في عالم مليء بالفرص والإحتمالات. قلت لها مقاطعا أي ابنائك تمرد على تدريبك وتربيتك فلم يستحق منك وسام البطولة؟ إرتبكتْ وتجهمتْ وهذا طبيعي لأنها أم لكل أبنائها ودائما ما غضت الطرف عن العاق منهم وأخذت من الطيب لتطعم العاصي.
و تقول في حرقة أليسوا ابنائي على كل حال؟ قلت لها أي نعم هم أبناؤك لكن لابد من ممارسة الحياة بتشعباتها وتعقيداتها، فكما تزغردين عندما تشيعين أبناءك الشهداء، فلا ضير ان تمسكي العصا لا انتقاما وتشفيا وحاشى ان تكوني كذلك، ولكن تأديبا وتشذيبا للفروع المعوجة وللذي سرق من أخيه اللقمة. أليس البطل يا سيدتي هو الذي يعتبر الحياة عطية خاصة يستفيد فيها من كل لحظة وكل فرصة يمكنه استغلالها من أجل إسعاد الغير؟ لقد سمعت أيتها العزيزة عن ابناءك الكثير وتعرفت على المهم منهم والوضيع، ليس طبقيا لكن أخلاقيا ومهنيا. فهناك من أبناءك من يمتلك شخصية عاطفية دافئة يقدر الناس ويفعل أي شيء في سبيل إنجاح ما يؤمن به بحماس ومثالية، وهناك بالمقابل من هو خسيس يفتقر الى القدر الكافي من الشهامة والمروءة فيحتقر ويضرب بعنف وبلا رحمة.
نعم ما تقوله أيها السيد صحيح فهم ابنائي وفلذات كبدي واتطلع الى ان يكونوا إخوة، وقاطعتها قائلا: إن هناك من ينصب نفسه كبير الاخوة اعتبارا منه ان اللقب حصانة وشفاعة له لينهب إخوته الضعفاء، ويقطع الطريق عن إخوته العقلاء الحكماء بيسلبهم ما يملكون. وكانت انحناءة رأسها معبرة وزادت قائلة بأنها غالبا ما كانت مناصرة لِأبنائها من الضعفاء وقاطعة الطريق أمام انتشار الوهم على حساب نشدان الحقيقة. فقلت لها متسائلا هل نشدان الحقيقة هدف بحد ذاته كترف فكري؟ رمقتني بنظرة حادة ورفعت السبابة قائلة العدالة المنشودة هي من حرك ابنائي عبر تاريخهم الى يوم الناس هذا، فبسبب الفساد الذي تفشى في فترات حكم لا اتشرف بالحديث عنها طغت حالة الغليان لدى ابنائي المصريين فخرجوا في ثورات مطالبين بحقوقهم في الحياة الكريمة، والعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف تعليمهم، والسكن الذي يحترم انسانية الانسان المصري.
و هذا ايضا كان من مطالبي انا أولا كأم وكذلك تطلعهم باعتبارهم ابنائي الاعزاء الذين شربوا من لبني وتوسدوا ركبتي وحملتهم فوق ظهري، وازيدك ايها السيد المحترم قائلة ومتسائلة في حرقة وأسف كبير، لماذا تفشت البطالة في عهد الحكام الطواغيت من أبنائي العاقين؟ ولماذا كان الضعفاء من أبنائي يتناولون الأكل الذي يحمل مواد مسرطنة؟ ولماذا كان يسكن بعض من أبنائي واحفادي في برك من المياه، والفئران تشاركهم في سكنهم ومن حولهم؟ أليس الجواب عن كل هذه الاسئلة وغيرها يصيب بالغثيان والنوبات العصبية؟ فأنا يا سيدي باعتباري أمهم كنت أشاهد تلك المناظر المقززة وكان جسمي ينتابه إحساس بالقشعريرة، وأرتعد من تلك الفوضى والأسى الذي يعيشه غالبية أبنائي. ولن يتمتع برضاي من أهان جزء من فلذات كبدي أو قتل في أجسادهم وأرواحهم الحس بالامل، وجردهم من أسمى معاني الكرامة والانسانية، ولو قدر لي أن الفظ عظامه من جوفي لفعلت غير آبهة ولا متأسفة. نعم لقد رأيت في عينيها حزنا كبيرا وأسى أكبر وعزما على الانتصار لأبنائها الصغار محاولة ضمهم الى حضنها الكبير.
محمد بن امحمد العلوي – المغرب