توازت نقلتان غريبتان في شطرنج الأمم على ارض مصر.
فبعد الدعم السعودي للازاحة العنيفة للرئيس المعزول محمد مرسي، وعودة السلطات للمؤسسة العسكرية مجددا، شاهدنا فصولا من الاندفاعة الدبلوماسية الروسية لدعم النظام الجديد أيضاً مما خلق حلفاً موضوعياً غير متوقع بين السعودية وروسيا.
الحلف الموضوعي حصل من خلال تبني السعودية خطاً معارضاً لأحزاب الاسلام السياسي في المنطقة العربية، وهو الأمر الذي ركب على سكّة الخط الروسي الرسمي الذي يتبنى السياسة نفسها.
الاستراتيجية الروسية مفهومة باعتبارها تقوم على شق المنطقة العربية والاسلامية من افغانستان حتى فلسطين من خلال دعم النزاع السني الشيعي، من جهة، والعداء لأحزاب الاسلام السياسي في صورة تنظيمها الأكبر في العالم: جماعة الاخوان المسلمين، باعتبارها تشكل تهديداً لحلفائها المستبدين في المنطقة، والجماعة المسيّسة الرئيسية ضمن دائرة الشعوب الاسلامية التي تحيط بروسيا.
اما الاستراتيجية السعودية فخلقت تناقضاً كبيراً في ترتيب أولوياتها، فمقابل الحلف الروسي الايراني، كان المنطقي والموضوعي للسعودية تجميع حلفائها من احزاب اسلامية وأنظمة قريبة منها مستهدفة بالهجوم الروسي الايراني.
بدلاً من ذلك ضعضعت السعودية جبهتها الداخلية والخارجية، فاضافة الى الجهات المتعاملة مع ايران، قامت باستعداء أحزاب الاسلام السياسي ضدها، وحشّدت أكثر من خصم على جبهتها.
مستفيدة من هذه الاستراتيجية الخاطئة تقدمت روسيا خطوة الى مياه المتوسط الدافئة مبتعثة وزيري الخارجية والدفاع لترتيب صفقة عسكرية مع مصر ذكر ان قيمتها مليارا دولار.
خلال ذلك تجد مصر نفسها في وضعية غريبة فهي تقف موقف المستدين حالياً لسد عجزها المالي من أموال السعودية (فحتى الهبات لها ثمن) وهو أمر يكشف عن ضعفا اقتصاديا مصريا، من جهة، يقابله نفخ عضلات مالية مع روسيا تدفع فيه مصر مبلغاً طائلاً، من جهة أخرى.
الرسالة الدبلوماسية التي نقلها لافروف للحكومة المصرية كانت شبيهة بما تفعله روسيا مع النظام السوري: تقديم الغطاء الدولي لتكريس الاستبداد بدعوى مواجهة الاسلاميين.
بدعمها للتغيير في مصر أضعفت السعودية، أرادت أم لم ترد، وضعها في كل المنطقة العربية، وخصوصا في سورية، حيث تدور رحى المعركة الاقليمية والدولية حالياً، وكانت النتيجة الأولى فقدان المعارضة السورية موطئ قدم لها في مصر، فيما انهمكت سلطات الحكم المصري الجديد باضطهاد اللاجئين الى مصر من سوريين وفلسطينيين كما لو كانوا عرضاً من أعراض الثورة المطلوب وأدها في مصر كما في سورية، وبدأ اقتراب مصري حثيث من النظام السوري في اختلاف واضح عن الموقف السياسي الصلب للحكومة السعودية من النظام المذكور.
النتيجة العملية لذلك ان السعودية ساعدت في تقديم مصر على طبق لعدوها الروسي في سورية، مضعفة خاصرتها الطرية هناك، مما سمح لادارة بوتين بالتقدم موضعياً، ففوق تزايد وزنها في مصر فانها حصلت، عملياً، على حصّة من الأموال السعودية المدفوعة للقاهرة.
تهليل مؤيدي الحكومة المصرية الحالية للعرض الروسي واعتبارهم ذلك ابتعاداً او تحدياً للنفوذ الامريكي ضعيف، ويتناقض مع ما صرح به مدير المخابرات المصرية مؤخرا، والذي اكد ان الصفقة ليست على حساب الأمريكيين، لكن التكذيب الحقيقي لهذا الادعاء هو نوع الاسلحة المعروضة وهي مخصصة أساساً لما تسميه الانظمة الاستبدادية ‘مكافحة الشغب’ لا مكافحة العدو الاسرائيلي.
تتقدم روسيا في المنطقة العربية واثقة من حلفائها وساخرة من أعدائها، ولعلها تعتبر ما يحصل انتقاماً مبطناً من السعودية التي دعمت المجاهدين الأفغان في الثمانينات، مما أدى للهزيمة المذلة للجيش السوفياتي وبدء انهيار الامبراطورية السوفياتية.
بدل الاحتفاظ بأكثر ما يمكن من الاوراق في يدها، فرطت السعودية بورقة التحالف الموضوعي والطبيعي مع احزاب الاسلام السياسي، فزادت بذلك اعداءها ورفعت مستوى الاستقطاب العنيف في البلدان العربية مما انعكس تراجعاً لها في الاقليم والعالم.
خسرت السعودية حركات الاسلام السياسي ولم تربح مصر، ناسية ربما ان ما تخسره يكسبه اعداؤك بالضرورة.