القاهرة ـ «القدس العربي»: ربما لم يكن يرى أو يدرك الكثيرون أن هناك خلافا أو صراعا مكتوما بين الأزهر والرئاسة في مصر منذ سنوات، ولكن أتت قضية الطلاق الشفهي لتكشف النقاب عن الموقف المحتدم بين المؤسستين وتعيد الذاكرة للجميع لربط المواقف والأحداث ليستحضروا أمام أعينهم شريطا واضحا يحكي قصة اختلاف عميق وانزعاج واضح وتبادل رسائل مستتر بينهما.
الرئيس عبد الفتاح السيسي أطلق توجيها في معرض خطابه في الاحتفال بعيد الشرطة يوم 24 كانون الثاني/يناير الماضي، بضرورة سن قانون يمنع وقوع الطلاق إلا في حالة استيفاء الأوراق الرسمية وأمام مأذون شرعي، مبررا ذلك بأن الإجراءات الرسمية تعطي فرصة للطرفين لإعادة النظر في فكرة الطلاق، وأوضح أن معدلات الطلاق في ازدياد مضطرد في مصر وأن الآثار الاجتماعية لذلك كبيرة وخطيرة، واختتم توجيهه بعبارة لفتت أنظار السامعين والمتابعين للخطاب إذ قال موجها حديثه لشيخ الأزهر الذي كان في مقدمة الحضور «تعبتني يا فضيلة الإمام» وهي العبارة التي رآها الكثير تخص قضايا أخرى عالقة بين الرئاسة والأزهر.
لم ينتظر شيخ الأزهر طويلا للرد، فدعا كبار العلماء بعدها بأيام قليلة لاجتماع طارئ للرد على ما طرحه رئيس الجمهورية، وتم الاجتماع وأصدرت الهيئة بيانا حادا للغاية بإجماع الآراء أكدت فيه على فكرة وقوع الطلاق الشفهي، وجاء في البيان، أنه باجماع العلماء باختلاف مذاهبهم وتخصصاتهم انتهوا إلى وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانَه وشروطَه، والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، وهو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- وحتى يوم الناس هذا، دونَ اشتراط اشهاد أو توثيق، وحذر البيان المسلمين من الفتاوى الشاذة التي ينادي بها البعض حتى ولو كان منتسبا للأزهر.
ختام البيان حمل التعبيرات الأكثر حدة والموجهة مباشرة بلا تأويل للإدارة السياسية، فجاء فيه، تتمنى هيئة كبار العلماء على مَن «يتساهلون» في فتاوى الطلاق، على خلاف إجماع الفقهاء وما استقر عليه المسلمون، أن يُؤدُّوا الأمانةَ في تَبلِيغ أحكام الشريعة على وَجهِها الصحيح، وأن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع، فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم.
لم يتوقف الرد عن هذا الحد بل أصدر مجمع البحوث الإسلامية بيانا بعد اجتماع هيئة كبار العلماء بأيام أيد فيه بالإجماع ما أصدرته هيئة كبار العلماء بخصوص قضية الطلاق الشفوي.
العودة القريبة للتاريخ تزيل التعجب من الخلاف الذي بدا عميقا بين الأزهر والرئاسة والذي ظهر جليا في أزمة الطلاق الشفوي، فشيخ الأزهر الذي شارك في إعلان 3 تموز/يوليو 2013 الذي أنهى رئاسة محمد مرسي وأزاح جماعة الإخوان المسلمين من السلطة خرج هو نفسه معلنا الاعتكاف في بيان تلفزيوني بعد أحداث الحرس الجمهوري التي وقعت بعدها بأيام قليلة، ليس ذلك فحسب بل استنكر بشدة ما حدث وقدم التعازي لأسر من قتلوا فيها وسماهم بالشهداء أيضا، ودعا إلى تشكيل لجنة عاجلة للمصالحة الوطنية وقال أن الوطن ليس ملكا لأحد ويتسع للجميع وطالب بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعدم ملاحقتهم وحذر من الانجرار لحرب أهلية.
لم يكتف الشيخ بذلك بل أصدر بيانا صوتيا آخر من خلال التلفزيون المصري تبرأ فيه من فض اعتصام رابعة العدوية ودعا لضبط النفس وتحقيق المصالحة وحذر فيه من الابتعاد عن السياسة واللجوء للعنف.
قضية الخطاب الديني كانت أحدى المراحل الهامة في طريق الخلاف بين الأزهر والرئاسة وذلك على خلفية الانتقادات التي وجهها الرئيس السيسي للأزهر في مناسبات متفرقة، إذ قال في أحد الاحتفالات بليلة القدر «سأحاججكم أمام الله عز وجل» وذلك في معرض حديثه عن استشراء التطرف الإسلامي وأثره في العالم وعدم مراجعة علماء الأزهر لكتب التراث، التي رأى أن بعضا منها يحمل غلوا في التطرف.
ودعا السيسي في أحد خطاباته إلى ثورة دينية ومرات إلى تجديد الخطاب الديني، فقال في خطاب «ليس معقولا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مدار المئات من السنين، يدفع الأمة بكاملها إلى القلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها وأنه قد أن الأوان لتجديد الخطاب الديني، الذي ظل رهينة تراث محدود بمعطيات الماضي وأبعاده».
رد فعل الإمام تمثل في تصريحات مقتضبة خرجت عن بعض المسؤولين في مشيخة الأزهر ولم تكن تتعدى أن هيئة كبار العلماء تدرس العديد من القضايا الخلافية.
المعركة الدائرة بين الأزهر ووزير الأوقاف الحالي مختار جمعة كانت أحد أهم نقاط الخلاف، فالأزهر يستشعر أن وزير الأوقاف مدعوم من الرئيس، وعمد وزير الأوقاف إلى الحديث الإعلامي المسيء لشيخ الأزهر من وقت لآخر واتهام قريبين منه بأنهم ينتمون للإخوان المسلمين فيما سماه بأخونة الأزهر، ومن ناحية أخرى تحرك شيخ الأزهر لإلغاء فكرة الخطبة المكتوبة التي تبناها وزير الأوقاف وصدرت التعليمات بذلك من خلال اجتماع موسع لهيئة كبار العلماء، ثم قام وزير الأوقاف مختار جمعة بإقالة عدد كبير من قيادات الأزهر من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكان على رأسهم وكيل الأزهر، عباس شومان، ومستشار شيخ الأزهر، محمد مهنا، وأستاذ الفقه المقارن أحمد كريمة، وأستاذ الشريعة الإسلامية، سعد الدين الهلالي، ما أغضب شيخ الأزهر غضبا شديدا، وقررت هيئة كبار العلماء الانسحاب من عضوية المجلس ردا على هذا القرار الذي اعتبره شيخ الأزهر موجها إليه شخصيا، حيث أن الشخصيات المقالة هي محسوبة بشكل أو بآخر.
ناصر عبد الحميد