مصر: الفيروس القاتل مفتاح البسطاء للهروب من الفقر

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

طريق الأحلام مفروش بالكمامات

القاهرة-“القدس العربي”:للفقراء أسبابهم الخاصة في النظر بشكل مختلف للفيروس القاتل. فحسب كثبر منهم فقد كان كورونا رحيماً بهم لحد بعيد. يتفق في هذه الرؤية آباء وأمهات اعتمدو بشكل خاص على أطفالهم في تحقيق دخل إضافي يعين أسرهم على النفقات في ظل قسوة الحياة وشظف العيش. من أجل ذلك رحب الكثير من الأهالي المنتمين للطبقة الدنيا بقرار الحكومة تعليق الدراسة حتى نهاية الموسم عقب وصول الفيروس القاتل الأراضي المصرية. على العكس تماماً تبرم أبناء الطبقات الثرية من القرار لأنه يؤثر على مستقبل أبنائهم الدراسي، وبصورة ملحة أعرب السواد الأعظم من المدرسين عن حنقهم بسبب الخراب الذي حل ببضاعتهم التي أصابها البوار إثر توقف الدروس الخصوصية التي كانت تمثل بالنسبة لهم كنزاً لا ينضب.

مرحبا بكورونا

بضحكة تفيض شمساً وبحضن يتسع للعالم يودع في الصباح الباكر أحمد محمود الطفل أمه المريضة بضعف من الدرجة الثالثة في عضلة القلب قبل أن يخرج للدنيا الواسعة مطارداً الرزق أمام أحد المصالح الحكومية التي اتخذها هدفاً لبيع كماماته القماشية، وهي المهنة التي أصبح يحترفها حديثا الكثير من الباعة المتجولين بعد أن سنت الحكومة قراراً وفرضت عقوبات على من لا يرتدي الكمامة في دواليب العمل ووسائل المواصلات.

يقيم أحمد البالغ من العمر 12 عاماً مع أمه في حي دار السلام المعروف بين السكان باسم “الصين الشعبية” من كثرة تعداد سكانه وازدحامه، داخل شقة مكونة من غرفة ومطبخ وحمام بقيمة 470 جنيهاً إيجاراً شهرياً، بالإضافة لفاتورة كهرباء وماء تقترب من 150 جنيهاً. يعترف أحمد بأن كورنا أنقذته وكثير من الأطفال مثله من البطالة حيث تضاعف دخله: “أبيع يوميا ما بين أربعين إلى خمسين كمامة، أحقق مكسب جنيهين عن كل كمامة اشتريها بـ3 جنيهات وأبيعها بخمسة” يقول لـ”القدس العربي” وهو يطير فرحاً “النهارده هعمل مفاجأة لأمي. هشتري فرخة مشوية علشان احنا في آخر الأسبوع ولازم أكلة دسمة” يتابع بصراحه يحسد عليها “باقي الأسبوع فول وطعمية وكشري”. بالقرب منه أمام إحدى الأبنية الحكومية التي يتوجه لها كل من يريد استخراج بطاقات التموين، يقف زميله عبد الرحمن حاملاً عبوات تطهير والتي راج استخدامها امتثالاً للإجراءات الاحترازية لمقاومة كورونا. الابتسامة تعلو وجه الصبي الذي لا يصدق عينيه وهو يرى الزبائن يتهاتفون على بضاعته يرفع يده للسماء “الحمد لله .. أحسن من وش الفقري” سألته عن الفقري من هو أجاب “صاحب ورشة النجارة كنت بشتغل عنده 12 ساعة يوميا مقابل 300 جنيه في الأسبوع ويطلب مني أشتري طلبات أسرته وأحملها للبيت” بقلب أبيض من سحابة يعترف عبد الرحمن: “أكسب يومياً 70جنيها وأحيانا أكثر.. الحمد لله.. ضمنت لبس العيد ليه ولأختي سامية”. اللافت أن عبد الرحمن وصديقه أحمد وافقا على الكلام ورفضا التصوير نهائياً “خلينا في الضل موظفي الصحة مش هيسيبونا في حالنا” قالها عبد الرحمن وانصرف معتذراً لتلبية احتياجات الزبائن.

بالصراحة نفسها يعبر صلاح الطالب في الصف الثالث الإعدادي عن شعوره بالامتنان  لـ”كورونا” الذي جعله على مسافة أمتار قليلة من امتلاك هاتف ذكي ظل يحلم به منذ عامين “زهقت من النوكيا اللي بيتسبب في احراجي من اللي أعرفه واللي معرفوش” يشير صلاح إلى انه على قناعة تامة بأن عام 2020 كان سنة السعد للكثير من الأطفال والشباب أمثاله “عارف يااستاذ بيع الكمامات بيزنس مفيش زيه الأول كنت انا وزمايلي بنبيع مناديل في اشارات المرور وكان بيطلع روحنا علشان نكسب عشرين جنيه دلوقت الحال أفضل بكتير كنا فين وبقينا فين”.

تمتلك نعمة براعة نادرة اكتسبتها على مدار عامين من بيع الشاي مع أمها للسائقين في أحد مواقف السرفيس في أحد أحياء مدينة الجيزة، فباتت ماهرة في عملها تلهث بين السيارات وتقدم الشاي للسائقين حتى جاء قرار بمنع المشروبات وإغلاق الكشك الصغير الذي كانت تعمل فيه بصحبة أمها بعد وفاة والدها، وكان حبل الإنقاذ الوحيد الوحيد الذي لاح في الأفق عقب انتشار الفيروس القاتل متمثلاً في بيع المواد المطهرة والكمامات للسائقين والركاب، وبمرور الوقت اكتشفت أم نعمة أن السماء لم تضيعها هي وابنتها الصغيرة بل بات القدر رحيماً بهما.

ظاهرة خطيرة

 كشفت إحصائية قام بها الجهاز القومي للتعبئة والإحصاء، عن أن عدد الأطفال العاملين بلغ العام الماضي قرابة نحو 1.6 مليون طفل أعمارهم من 12 إلى 17 سنة. وأوضح المسح القومي لعمل الأطفال في مصر، الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والبرنامج الدولي للقضاء على أن العمال من الأطفال  يمثلون 9.3 في المئة من تعداد الأطفال في أنحاء البلاد بنسبة “طفل من كل 10 أطفال” ويرتفع معدل عمل الأطفال كثيرًا في المناطق الريفية عنه في المدن، ويبلغ ذروته في ريف صعيد مصر، ثم ريف محافظات الدلتا، ثم المحافظات  الحدودية.

وعلى رأس الحرف التي يمارسونها، يأتي العمل بالزراعة، في صدارتها رغم خطورته، بنسبة 63 في المئة، ثم العمل في المواقع الصناعية كالتعدين والتشييد والصناعات التحويلية بنسبة 18.9 في المئة.

وسبق ان تقدم  النائب طارق متولي، عضو لجنة الصناعة في مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى وزير القوى العاملة، حول عمالة الأطفال، التي نعتها بـ”الظاهرة المخيفة” لارتباطها بأزمة التسرب من التعليم. فوفقًا لدراسات استشهد بها النائب، فإن الأطفال العاملين الذين يرتادون المدرسة يميلون إلى العمل لساعات أقلّ من غيرهم، وشدد على أن ظاهرة عمالة الأطفال مرتبطة بشكل وثيق بالظروف الاقتصادية والحالة الاجتماعية.

وأرجع متولي، تفاقم مشكلة الإنفجار السكانية لانتشار المفاهيم والأفكار التي وصفها بالخاطئة، وتتمثل في إنجاب الأطفال بكثرة، لاستغلالهم وإلحاقهم بالعمل، واعتبارهم مصادر دخل الأسرة. وفي محاولة لمكافحة الظاهرة، دعا المجلس القومي للأمومة والطفولة الأهالي الإبلاغ عن حالات الأطفال العاملين عبر رقم 16000 وهو خط نجدة الطفل، معتبراً الظاهرة مقلقة وذات آثار سلبية وضارة على جيل المستقبل الذي قضى فترة تكوينه وتشكيل وجدانه أسيرا للقمة العيش.

الجيش يهدي الكمامات

وبهدف القضاء على العجز في إنتاج الكمامات قررت وزارة الإنتاج الحربي زيادة القدرة الإنتاجية لتصل لأربعة ملايين ونصف المليون كمامة يوميا. في إطار مواكبتها لإجراءات الوقاية من فيروس كورونا كما سبق ونشر الموقع الرسمي لوزارة الدفاع المصرية، فيديو يظهر توزيع الكمامات الواقية على المواطنين مجانا بالأماكن العامة والميادين الرئيسية ومحطات مترو الأنفاق الرئيسية ومواقف النقل الجماعي، والتي يتردد عليها أعداد كبيرة من المواطنين تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، باتخاذ كافة الإجراءات الوقائية الحاسمة للحد من انتشار فيروس كورونا.

يبدو ان كورونا ليس قاسياُ على طول الخط. فبينما مثل ذعرا للمليارات من البشر حول العام ووجه ضربات مميتة بالعديد من الشركات، لكنه منح قبلة الحياة لمؤسسات أخرى كانت على حافة الإفلاس بعد ان تراجعت مبيعاتها ومن بينها شركات إنتاج المنظفات والعطور والصابون التابعة للحكومة والقطاع العام وكذلك العديد من شركات القطاع الخاص. المثير في هذا الشأن قرار أبرز شركات صنع الملابس المملوكة للدولة “غزل المحلة” البدء في إنتاج كمامات طبية بأسعار زهيدة مصنوعة من القطن الذي يجعلها البديل الأفضل للفقراء لكونها صالحة للغسيل والاستخدام لمدة شهر. واشتهرت ذات الشركة منذ عقود بإنتاج الملابس والأقمشة والمفروشات ورغم جودة منتجاتها باتت تواجه الكساد وتمنى بالخسائر بسبب تراجع الإقبال على منتجاتها، حتى قرر مجلس إدارة الشركة قبل شهرين تدشين خط إنتاج كمامات لتلبية احتياجات السوق المحلي في ظل تفشي فيروس كورونا. وكشف المهندس أشرف عزت رئيس مجلس إدارة الشركة أنه أعطى تعليماته بسرعة إنتاج الكمامات نظرًا لاحتياج السوق المتصاعد في ظل الأزمة الحالية. وتابع أن الشركة قامت بتصنيع ماكينتين تصنيعا محليا 100 في المئة، من أجل البدء الفوري في عملية الإنتاج. حيث يبلغ إنتاج المصنع قرابة 60 ألف كمامة يومياً من أجود أنواع الأقطان والموافقة للمواصفات والمعايير والحاصلة على الاعتراف الطبي من قبل الجهات المختصة.

أم كلثوم فتاة إعلانات

وفي إطار عودة الروح لشركات القطاع العام بعد سنوات من الكساد دب النشاط في مصنع “قسمة والشبراويشي” المملوك لشركة السكر والصناعات التكاملية والتي تمتلك معرضاً لبيع منتجاتها بشارع شريف بوسط القاهرة بات قبلة لآلاف المواطنين على مدار الساعة بعد أن كان نسياً منسياً. بابتسامة كلها ثقة بعد سنوات عمها الكساد كادت تنذر بتسريح آلاف العمال، وقد اكتسب الموظف المسؤول عن الفرع الكائن بوسط العاصمة مزيداً من الهدوء والامتنان إثر عودة الرواج لمنتجات الشركة التي ذكرت المصريين بقيمة شركاتهم العامة والتي عانت الإهمال والمقاطعة طيلة عقود. تعرف عطور قسمة والشبراويشي بأنها الأرخص وكانت تحظى حتى سبعينيات القرن الماضي بشعبية طاغية ثم انفض الناس عنها رويداً رويدا إلى ان حل الفيروس القاتل الذي أعاد الإعتبار للشركة ومنتجاتها، حيث بات العثور على مطهرات أمراً عسير المنال مما ذكر الناس بالشركة الحكومية التي تنتج كولونيا وعطور الشبراويشي 555 وسكرية وقسمة، وكلها أنواع كانت تحظى بالصدارة حتى قبل ان تواجه الكساد إثر انتشار العطور الفرنسية التي كان يحملها الموظفون الذين يعملون في الخليج عند عودتهم لقضاء زيارة نهاية السنة في مدنهم. وعلى الرغم من الأسعار الرخيصة التي تباع بها منتجات الشركة الحكومية، إلا ان الإقبال عليها بات مقصوراً في الغالب على صالونات الحلاقة. وبسبب ندرة العثور على الكحول الطبي في الوقت الراهن من أجل مكافحة فيروس كورونا، توجه المواطنون نحو الشركة الحكومية وتدفقوا عليها من أجل شراء العطور الرخيصة والتي يبلغ نسبة الكحول بها نحو 70 في المئة، ما يجعلها بديلا مناسبا للتطهير. جدير بالذكر أن كل من “قسمة” و”الشبراويشي” اسمين لمصنعين للعطور نالا شهرة طاغية في القرن الماضي قبل ان يندمجا مع مصنع “القاهرة للخلاصات الغذائية والعطرية” ليشكل الثلاثة تكتلاً تابعا للشركة القابضة للصناعات الغذائية التي تشرف عليها وزارة التموين والتجارة الداخلية. اللافت أن مصنع الشبراويشي كان قبل ثورة يوليو مملوكا لرجل الأعمال حمزة الشبراويشي ابن محافظ الدقهلية الذي كان يملك موهبة فريدة في تركيب الروائح مما دفعه لافتتاح مصنع للعطور في حي دار السلام جنوب العاصمة المصرية، واستبق حمزة قراره بافتتاح مزرعة حول منزله وخصصها لزراعة الليمون ليستخدمه في صناعة عطوره وأشهرها كولونيا الشبراويشي والتي نالت شرف الترويج وذاع صيتها على نطاق واسع إثر قيام كوكب الشرق أم كلثوم بعمل إعلانات حملت شعار “لكي تكوني ساحرة استعملي رائحة صفية زغلول”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية