“أعرف أن هناك مشكلات اقتصادية، وأسست وكالة لهذا الغرض، وأريد في المجموعة فتيات فقط. أنتن تتعرفن على الأشخاص وتعملن معهم علاقات بصورة محترمة وجميلة. وكل شيء له ثمن، حسب عدد المشاهدات. تستطعن كسب 36 دولاراً إلى 2000 – 3000 دولار”، كتبت حنين حسام على حسابها في “تيك توك”. لقد اضطرت حسام، الطالبة في جامعة القاهرة بكلية الهندسة المعمارية، إلى دفع الثمن الأعلى، لم تتوقع أن الفيلم القصير الذي نشرته عبر “التيك توك” في نيسان وظهرت فيه بملابس مثيرة وعلى رأسها حجاب أحمر، سيقودها إلى المحكمة، وفي تموز حكم عليها سنتين سجناً ودفع غرامة 300 ألف جنيه مصري. وسارع المراسلون المصريون الذين عثروا على الفيلم إلى نشر هذا الرجس، وطلبوا تقديمها للمحاكمة بتهمة الإغراء والزنا. لم تتأخر التهمة الرسمية. فقد ورد في لائحة الاتهام أن حنين حسام “عملت بالاتجار بالبشر ومست بقيم المجتمع المصري من أجل المنفعة الشخصية”. في أيار، اعتقلت مودا الأدهم للتهمة نفسها، وهي شخصية أخرى في “تيك توك” و”إنستغرام” ولها نحو 2 مليون متابع، وحكم عليها بعقوبة مشابهة.
خلافاً لما هي الحال في الولايات المتحدة، حيث ينوي الرئيس وقف نشاط التطبيق الصيني الشعبي، فإن مصر “تكتفي” بتقديم كل من يستخدم التطبيق “بشكل غير مناسب” إلى المحاكمة، ويؤدي بهذا إلى ضعضعة القيم الأخلاقية، مثلما تفسرها المحاكم.
لقد أثار قرار المحكمة، الأول من نوعه، عاصفة جماهيرية ضد تملق جهاز القضاء والنظام بشكل عام، الذين لا يعملون الكثير من أجل الدفاع عن النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب أو التحرش الجنسي. وقيل إنهم يستيقظون فقط عندما تظهر فتيات شابات في أفلام “تيك توك”، ويقومون بمنعهن “وكأننا في زمن العصور الوسطى”، قال أحد المحللين.
وثمة مثال صادم على ذلك، وهو القضية التي عرفت باسم “جريمة فرموند”، وهي قضية اغتصاب جماعي فظيع، تم تنفيذه في فندق فرموند في القاهرة عام 2014 من قبل شاب لعائلة معروفة هو أحمد بسام زكي، وهو طالب سابق في الجامعة الأمريكية في القاهرة وستة من أصدقائه. جرى أخذ شابات مصريات إلى الفندق تحت تأثير المخدرات، ثم اغتصابهن والتنكيل بهن بشكل متواصل، ولم يُعتقل أي من المجرمين أو تقديمه للمحاكمة. وبعد مرور ست سنوات على ذلك، تفاجأت النيابة العامة من منشورات مكشوفة في “تويتر” باسم “السايلت بوليس”، كتبت فيها إحدى ضحايا الاغتصاب تفاصيل الحادثة. وأشارت أيضاً إلى اسم المغتصب. سارعت الحكومة إلى شطب الحساب، لكن ظهر على الفور حساب جديد في “تويتر” بعنوان “جريمة فرموند” وحساب في “إنستغرام” بعنوان “غانغ رابيستس أوف كايرو”، وقد حظيا بعشرات آلاف المتابعين ونشرت فيهما صور المتهمين بالاغتصاب، وكتب “هذا مغتصب”.
كانت هذه المرة الأولى التي تم فيها توجيه إصبع الاتهام إلى مجرمين معينين، مع الأسماء والصور. ورغم هذا الكشف الذي تضمن طلباً من السلطات لاعتقال المتهمين وتقديمهم للمحاكمة، قامت النيابة باعتقال المتهم الرئيسي زكي، الذي نفى أي علاقة له بالحادثة ثم أُطلق سراحه بعد تحقيق قصير.
ولكن العاصفة لم تهدأ، فقد واصلت الشبكات الاجتماعية نشر مزيد من التفاصيل عن الحادثة. وأعلن الفندق أنه سيوافق على التعاون مع التحقيق. واضطرت الشرطة إلى إعادة زكي إلى المعتقل وتقديم لائحة اتهام ضده. وفي الوقت نفسه أبلغ أصحاب حساب “تويتر” عن مكالمات تهديدية تلقوها في بيوتهم تتضمن تهديداً بالقتل والمس بعائلاتهم. ورغم ذلك، حظيت المشتكيات بآلاف منشورات الدعم من قبل رجال ونساء، طلبوا من كل امرأة تعرضت للاغتصاب أو التحرش الجنسي أن تروي قصتها عبر الشبكة وكشف الزعران.
قد تشير هذه المنشورات إلى انطلاقة في محاربة التحرش الجنسي والاغتصاب، التي بقيت حتى الآن مخفية بسبب الخجل والخوف أو عدم اهتمام الشرطة. النساء اللواتي حاولن في السابق إبلاغ الشرطة عن العنف ضدهن، حصلن على معاملة مهينة ومستخفة. وفي أفضل الحالات عرض عليهن التوصل إلى تسوية مع المغتصب وعائلته، وفي أسوأ الحالات اتهمن بالتشجيع على التحرش بسبب سلوكهن “المثير” أو ملابسهن “غير المحتشمة”.
جرى تعديل القانون في مصر في العام 2014 في أعقاب مئات حالات التحرش بالنساء. وتشمل عقوبة هذه المخالفات السجن لفترة طويلة ودفع غرامة عالية. وحين اعتُبرت مصر دولة خطيرة على النساء بعد أن أبلغت منظمات دولية لحقوق الإنسان عن حالات كثيرة لم تفعل السلطات شيئاً لاستئصال هذه الظاهرة المشينة، قررت أن ترفع عنها هذه الوصمة ولو بصورة تصريحية. ولكن تبين أن السلطات تفضل التنكيل بـ “مجرمي الإنترنت” مثل فتيات “التيك توك” على اعتقال المغتصب والتحقيق معه. والتفاخر بقانون ضد التحرش الجنسي هو أيضاً لا يغير الواقع. نساء كثيرات لا يتجرأن على خرق التقاليد الاجتماعية، لا سيما في القرى، والإبلاغ عن التحرش؛ لأن المتحرشين في معظم الحالات يكونون من أبناء العائلة أو من الجيران، الذين يمكن لرفع قضية قانونية ضدهم أن يضع عائلة المشتكية في خطر المقاطعة أو ما هو أسوأ من ذلك.
إن الشبكات الاجتماعية هي في الوقت الحالي هي القناة المفضلة لإدارة المعركة ضد التحرش الجنسي. وهذه الشبكات أحدثت ثورة في كل ما يتعلق باستعداد النساء لنشر معاناتهن. ولكنها لم تحل مسألة العقوبة بعد.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 10/8/2020