مصر تتحدّث عن نفسها: (يوميات مصريّة) ثورة شباب تليق بالمحروسة

حجم الخط
0

فــاروق وادي

الثلاثاء 25/1/2011: قطار الثامنة صباحاً يتثاءب، يتحرّك بما علق به من بقايا نعاس، منطلقاً من محطّة ‘سيدي جابر’ بالاسكندريّة إلى القاهرة. تشاؤم العقل كان يرافقنا على امتداد الطريق، عزّزته مقالات نطالعها في صحف المعارضة، لم تخل من مثل هذا التشاؤم، وإن كان المصريون يتميّزيون بخفّة ظلّ لا يتخلى عنهم ولا يتخلّون عنه، حتّى في أشد حالات القنوط. فهل نثق بالعفويّة التي ميّزت الحركة الشبابيّة التي لا تلتقي إلاّ في فضاء افتراضي؟ وما مدى قدرتها على التنظيم؟ وماذا يمكن أن تُحقق في ظلّ غياب قوى المعارضة التقليديّة وانفضاضها عنها؟ شوارع القاهرة تبدو متراخية، مترقِّبة، متنازلة عن زحامها العظيم. غير أن إجازة يوم الشُّرطة، هي اليوم الذي اختير ليوم غضب لم تظهر تجلياته بعد. الزمالك، استقبلتنا بهدوئها الدبلوماسي العريق، وبأشجارها المعمِّرة، التي تتعانق إحداها مع الأخرى، رغم أن الواحدة منها تقف على رصيف مقابل للآخر.

سائق التكسي الذي حملنا في المساء من هناك إلى الأزهر والحسين، وهو مصدر معلومات غير موثوق غالباً، قال إن هناك اشتباكات في شارع عبد الخالق ثروت بين المتظاهرين والأمن المركزي، وأن عليه أن يلتف قليلاً حتّى لا يصيب سيارته ‘الطوب’ الذي يلقيه المتظاهرون. عبر شارع شامبليون الذي بدا محتفظاً بكامل حيويته، ما طمأنني بأن اجتماعي فيه غداً، قريباً من نقابة الصحفيين، لن يعوقه عائق. ومن شامبليون دخل شارع طلعت حرب (سليمان باشا)، فأتاحت لنا تلك الجولة المتحايلة أن نرى حشداً من قوات الأمن المركزي وآلياته الرهيبة تقف في الميدان وتغلق القسم الآخر من الشارع المفضي إلى ميدان التحرير، الذي مررنا بأطرافه، دون أن نلحظ حشوداً للمتظاهرين.. ومنه إلى حيّ الحسين، الذي بدا أقل وهجاً وزحاماً مما نعهد.

الأربعاء 26/1/2011: مرّة أخرى، يكون سائق التكسي الذي حملنا إلى شارع جامعة الدول العربيّة في المهندسين، مصدر معلوماتنا الوحيد، قال: المظاهرات تجدّدت اليوم في ميدان التحرير. بعد أن أنجزنا عملنا هناك، اقترحت عليّ سناء (زوجتي المصريّة) أن نذهب إلى منطقة وسط المدينة، إن لم يكن للمشاركة، فلإرضاء الفضول، ولكي نكون شاهدين على اللحظة. قلت لها: هل تقترحين عليّ أن نوقف ‘تكسي’ ونقول للسائق خذنا إلى المظاهرة. وهل سيستجيب؟!

بدوت ناكراً نموذجياً للجميل. كان مطلوباً مني أن أشاركها يوماً مصرياً واحداً، مقابل ثلاثة عقود من السنين وأكثر، شاركتني فيها هموم فلسطين وأيامها الصّعبة. لكنها اليوم جاءتني متأخرة. شيخوخة مبكِّرة. كتف مخلّع لا يقوى على قذف حجر، أو تحمُّل ضربة ‘شومة’. وسيقان لا تقوى على الهرب التكتيكي، ناهيك عن جهل بالطريق إذا ما اضطررنا للعودة مشاة!

فوق كوبري 6 اكتوبر، رأيت مشهداً لم أكن قد رأيته من قبل، أكثر من عشرة.. عشرين.. ثلاثين سيارة للأمن المركزي، هي عبارة عن سجون متحرّكة، من تلك الآليات اللاإنسانيّة التي تنقل المساجين، تقف مستنفرة، مهيِّئة أحشاءها النهمة لابتلاع شباب يطمحون بغدٍ أفضل لمصر، ومن ورائها أمّة تراجعت عندما تتراجع مصر. كنت أتأمل المشهد، فتداعى إليّ على الفور إيقاع أغنية للشيخ إمام من كلمات زين العابدين فؤاد:’مهما يزيد الفُجر في السجّانةمين اللي يقدر ساعة يحبس مصر؟’. مساء، تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد الأصدقاء المشاركين في اجتماعنا الثقافيّ: لا تأتِ إلى مكان الاجتماع. فغالبيّة المشاركين لن يتمكّنوا من الحضور، وهناك اشتباكات بالقرب من نقابة الصحفيينفي شامبليون.

الخميس 27/1/2011: في الطريق إلى ميدان رمسيس، حيث محطّة باب الحديد للقطارات، مررنا بالسيّارة بنقابة المحامين. بضع عشرات من المحامين محاصرين في النقابة، وبضع مئات من رجال الأمن المركزي، المدججين بكامل عدتهم وعتادهم، يشدِّدون الحصار. والسجون المتحرِّكة تقف عند حافة الرّصيف، مهيّأة لابتلاع طرائدها من المحتجّين. صمتٌ في القطار العائد إلى الاسكندريّة، صمت رغم ضجيج احتكاك الحديد بالحديد. صمت يشبه التّرقُّب.. والهدوء الذي يسبق العاصفة!

الجمعة 28/1/2011: أفسدَنا الإنترنت. أن تستيقظ صباحاً على انقطاعه المتعمّد منذ مساء أمس، وتكتشف في الصّباح إنقطاع المحمول، فهو شعور بأنه قد حُكم عليك بالإقصاء من العصر.. والارتداد إلى عصر بدا لك أنه موغل في زمنٍ بعيد.

عند الظهيرة، داهمتنا هتافات آتية من ناحية البحر. الجماهير تتدفّق على الكورنيش العريض الذي يحفّ بالأزرق الكبير. كنّا في بيت عائلة سناء، في شارع سورية، القريب من كوبري ستانلي، عندما تسرّب إلينا، في الطابق السّادس، الدخان المسيل للدموع بكثافة، فعالجناه باستنشاق البصل، مستثمرين خبرة فلسطينيّة راسخة في هذا المجال.

أصرّت هدى (شقيقة سناء) على العودة إلى بيتها المحاذي لجامع القائد ابراهيم، وسط المدينة، وهو المكان الذي كانت قد انطلقت منه مظاهرات اليوم، فتطوّعتُ لمرافقتها بسيارتها إلى هناك.

على امتداد النصف الآخر من طريق الكورنيش، كانت السيارة تشقّ طريقها بصعوبة بالغة بين أجساد المتظاهرين العائدين، المتوجهين نحو محطّة الرّمل. ما أبهجني أن الشبّان أنفسهم، كانوا يسهِّلون مرور السيارات في مسرب خاص. وما أحزنني هو فقر حضور العلم المصري وندرته بين أيديهم، مثل غياب اليافطات التي تخطّ الشعارات. تساءلت أين اختفت الأعلام التي جرت العادة بأن تكون حاضرة في مواسم مباريات مصر الدوليّة!

؟ وأين أحزاب المعارضة وشعاراتها ويافطاتها الكثيرة التي لا تتزاحم وتتكاثر إلاّ في الانتخابات.

شارع الدكتور عبد الحميد بدوي، حيث يقع جامع ابراهيم، ما زال نقطة التماس الأولى. بدا لي الشّارع الذي آلفه جيّداً، مثل ساحة معركة. عدد من سيارات الأمن المركزي مدمّرة تماماً، والدخان ما زال يتصاعد من بعضها. نمشي في الشّارع فنتعثّر بالحجارة وشظايا الزجاج وبقايا الحرائق والمياه المرشوقة، والتي تحالفت معاً لتحجب الإسفلت. ندمت لأن حسّي الصحفي لم يكن ناضجاً بما فيه الكفاية لأحمل آلة التصوير، فانهمكت في التصوير بالخلوي، الذي لم يكن يصلح لمهمته الأولى.. الاتصال المقطوع منذ الصّباح.

عدت عن طريق البحر، فيما الشباب الآتين من الجانب الآخر ما زالوا يتدفقون عائدين إلى الجامع. مرّت آليات للأمن المركزي في الطريق المعاكس، منطلقة مثل رصاصات طائشة. إنهالت عليها حجارة المتظاهرين بكثافة لا تُصدّق، لا أدري كيف حطّت في أيديهم، وكان معظمها يرتد من الجسد الحديديّ على راجميها. إحدى الآليات اجتاحت في طريقها واحداً من المتظاهرين. شعرتُ في عظامي بألم ارتطام الحديد المنطلق بالجسد. سقط الشّاب. هرع إليه حشد كبير لمساعدته واتشاله عن الأرض، فيما واصلت السيّارة انطلاقتها المجنونة. بعد سير على الأقدام، أتيحت لي فرصة ركوب ترام توقف في كامب شيزار، قبل أن يبلغ محطته الأخيرة في الرّمل. كنت أتحيّن بحنين إلى مثل تلك الفرصة، وأنجح دائماً في تأجيلها، وها هي الفرصة تجىء، وتتيح لي إمكانيّة الخروج من الجحيم. أخرجت الموبايل من جديد، والتقطّ صوراً لدخان أسود كثيف يهيمن على الفضاء، علمت أنه آتٍ من إحراق المتظاهرين لقسم شرطة باب شرق الواقع في طريق الحريّة. قرابة منتصف الليل. دفعتني الأصوات العشوائيّة الآتية من الشّارع إلى الشرفة لاستطلاع الأمر. الدهماء يملأون الشّارع بضجيجهم، يحطّمون باباً حديدياً لأحد المحلات المجاورة للعمارة القريبة من البحر، التي أقيم فيها، في منطقة ‘جليم’، والمحل المستهدف كان Drinkes، وهو لتسويق المشروبات الروحيّة (فرع من سلسلة مترامية الأطراف لهذه التجارة يحتكرها نجيب ساويراس). لم يكن ‘حماة الفضيلة’ هم الذين تولوا محاربة ‘رذيلة’ تناول الخمر، وإنما عدد كبير من البلطجيّة الذين ظلّوا يروحون ويجيئون، يقتحمون المحلّ ويخرجون محمّلين بما نهبوه. صناديق وصناديق من المشروبات. أرقبهم من شرفتي في الطابق السّابع. كان لديهم مزيد من الوقت ليشربوا ويشرعوا في تحطيم الزجاجات الفارغة.. ويلقوا بعلب الصفيح التي أفرغوا محتوياتها في جوفهم. وعندما انتهوا من نقل الصناديق، شرعوا في نهب الثلاجات هائلة الحجم. ولم يكن المشهد صامتاً أبداً. في الساعات الأولى للصباح، كفّوا عن النهب المباح!

السبت 29/1/2011: صباحاً، وثّقتُ بعين الكاميرا آثار ما حدث في الجوار مساء أمس، التقطتُ صوراً لما آل إليه Drinkies ولآثار ‘الغزاة’ على الشارع، الممتلئ بنثار الزجاج المهشّم المفرغ من كحوله. قالت لي سيِّدة كانت تراقب التصوير: ‘يا ريتك كنت صورتهم امبارح بالليل’. وأضافت أخرى: ‘مش حرام عليهم اللي عملوه؟ مش دا رزق ناس؟!’. كان عليّ أن أتجوّل في الجوار. سرت في الشارع الذي يعرفه أهالي المنطقة هنا باسم ‘شارع المحافظ’، حيث تقع الفيلا الفاخرة التي يسكنها محافظ الاسكندريّة، وإلى جواره فيلا عريقة كانت لإحدى سيِّدات الأسرة الملكيّة البائدة (فاطمة الزهراء حيدر)، ويشغلها الآن ‘متحف المجوهرات الملكيّة’. هناك تسنى لي رؤية مصفحات الجيش واقفة في منتصف الطريق، وأخرى تسدّ الشوارع الفرعيّة المؤدية إليه. حاول أحد أفراد القوّة التي تحرس متحف المجوهرات منعي من مواصلة طريقي والانحراف نحو شارع فرعي هناك. قلت له إنني ذاهب لشراء ‘عيش’ (المفردة المصريّة الأجمل للإشارة إلى الخبز) من السوبر ماركت القريب، وإنني لا أعرف سوى هذا الطريق، فتدخّل زميله قائلاً: ‘تفضّل يا حاج’! في نهاية الدرب الضيّق المفضي إلى طريق الحرية (طريق أبو قير)، كانت المدرّعة تقف هناك، موجهة فوهتها نحو العمارة المقابلة. ساءلتُ نفسي إن كان الجيش قد نزل لحماية الشعب أم حماية النظام. وعلى بعد مئة متر من المصفّحة، وقفت لألتقط صوراً لبنك الاسكندرية الذي تعرّض للتحطيم.

النهار قصير. وحظر التجوُّل يبدأ من الرابعة. كسرت الحظر لأشتري دواء لسناء التي أصيبت بنوبة بردٍ شديد، ولم أكن الوحيد الذي يكسره. كان شبّان المنطقة قد بدأوا يتهيّأون لمساء صعب، لن يسمحوا فيه للبلطجيّة بتكرار ما حدث بالأمس في الحيّ. الواحدة ليلاً، كان تكاثر الشباب المدججين بالعصيّ ‘والشّوم’ والقبضان الحديديّة يمنح طمأنينة لمن ينامون على حلم وأمنية مستحيلة: ‘ألا ليت الشّباب يعود يوماً’! الأحد 30/1/2011: استيقظت في السادسة صباحاً. مطر خفيف وبرد وبقايا عتمة. الشباب ما زالوا ساهرين، ولم يغادروا المكان قبل أن يطلع ضوء النهار. والانترنت ما زال مستعصياً.

تجوّلت في الشوارع دون هدف. رأيت مدرّعات أخرى، لا تبتعد كثيراً عن تلك التي رأيتها في الأمس، تقف لتحمي السور الخلفيّ لبيت المحافظ ومتحف المجوهرات الملكيّة. وعلى بُعد خطوات قليلة، كانت مدرّعات أخرى تحيط بأحد المقرّات الرئاسيّة في منطقة ‘زيزينيا’، بمبناه الجميل اللافت الذي تعلو بوابته الفخمة آيات قرآنيّة بالثلث، والممتدّة أرضه من شارع موازٍ لخطّ الترام وحتى البحر.

استيقظ لديّ السؤال الذي تحدّثت حوله مع سناء بالأمس، ومع شقيقها الذي هاتفنا من ألمانيا: هل إن نزول الجيش هو لمصلحة الحركة الشعبيّة وحماية المواطن، أم إنه لمصلحة النظام وحماية له؟! وانتهينا إلى أن الترحيب الشعبي ‘المُقدّس’ بالجيش مسألة تبقى مثيرة للقلق!

مدرّعات أخرى تحيط بـ ‘مول سان ستيفانو’ وفندق ‘فور سيزن’. الباب الرئيسي للمول مفتوح، لكن العتمة كانت تتفشّى في الداخل، لتؤكِّد إنه كان مغلقاً. وعلى امتداد الطريق من هناك وحتّى منطقة ‘لوران’، لم يكن ثمّة وجود للجيش، وكان شباب اللجان الشعبيّة يتولون توجيه السير في مدخل شارع الإقبال ومدخل المنطقة من ناحية كورنيش البحر. ركبتُ الترام الذاهب من لوران إلى منطقة ‘باكوس’ الشعبيّة (المنطقة التي ولد فيها جمال عبد الناصر)، دون أن يزايلني أيّ وهم بوجود الجيش هناك. في الترام، تسنّى لي أن أتلامس مع عيِّنة من نبض الشّارع. الحشد يتحدّث عن ضرورة أن يرحل (دون يحدِّدوا الاسم)، فانبرى لهم فلاح بزيّه التقليديّ: ‘لأ.. ما يرحلش. أنا مش عايزه يرحل. إيه اللي يرحل؟.. لأ ما يرحلش’. وكاد موقف الرجل الاستفزازيّ يثير الراكبين الذين عبّرت همهماتهم عن الاستياء، قطعها صوت الرّجل نفسه: ‘يرحل ازاي من غير ما نحاكمه هوّه واللي معاه. لأ.. ما يرحلش’! حيّ باكوس بدا خارج الأحداث، والتجمُّع الكبير الذي لفتني هناك كان عند الفرن.. زحام كبير، وخناقات، للحصول على أرغفة.. من ‘العيش’! في طريق العودة، قلت للجنديّ الواقف عند مدرّعة تُغلق الشّارع المقابل لكليّة الفنون، والذي ينتهي بمدرّعة أخرى تقف في الجانب الآخر للشارع، على بُعد مئة متر، إنني سأمرّ من هذا الشّارع المُغلق لأن بيتي هناك (وأشرتُ إلى مكان ما)، فقال لي بتهذيب كأنه جاءه بتعميم واضح وأوامر عسكريّة صارمة: تفضّل يا حاج.. بسّ بسرعة!

الإثنين 31/1/2011: النهار يزداد اختزالاً. والحصار يقلّص دائرة اليوم وساعات الحريّة فيه. أوامر عسكريّة ترفع من ساعات حظر التجوُّل. ساعات قليلة يتهافت فيها الناس على محلات البقالة والسوبر ماركت، فأفرغت رفوفها بسرعة. والقمامة أصبحت تملأ الشوارع.

غياب ‘الجزيرة’ منذ ظهيرة أمس حرم الناس من مصدر مهم للمعلومات. ‘العربيّة’ تبثّ هتافات الجماهير: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، ومذيع المحطّة يقول إن الجماهير تردِّد: ‘الشعب يريد إصلاح النظام’؟! ومنظِّر السُّلطة، الإعلامي عماد الدين أديب، يستفيض في تنظيراته السلطويّة، التي تذهب في الاتجاه نفسه. قرارات تشديد الحصار تتقاطر. وقف القطارات. إغلاق ميناء الاسكندريّة. إلغاء العديد من رحلات مصر للطيران.

في الظهيرة تلقينا اتصالات من قلب المدينة تقول أن آلاف المتظاهرين يتجمّعون بالقرب من جامع ابراهيم. الساعة الثالثة، النهاية الجديدة المقرّرة للنهار.. تقترب.

وفي المساء، على امتداد الليل الطويل، حاولت مراراً الاتصال بالكاتب سعيد الكفراوي، لأقف عند رأيه في مشاركة صديقه القديم الدكتور جابر عصفور في حكومة إنقاذ نظام لا يريده الشارع أو الميدان (أعني ميدان التحرير). ولا أدري إن كنت أتصل بالكفراوي لأسأله إذا ما كان جابر هو العصفور الوحيد الذي توافر في يد السلطة في هذا الوقت، أم لأعزيه بموت صديقه العصفور؟! وكانت المرّة الأخيرة التي اتصلت فيها بالكفراوي، جرت قبل شهور قليلة، لأعزيه بوفاة صديقه الشّاعر محمد عفيفي مطر.

هاتف الكفراوي، المُغلق، قال لي الليلة، وكرّرها مراراً، إنه غير متاح!

مع ذلك، فإن مصر، زالت تواصل الحديث عن نفسها ببلاغة تتعدّى المتاح، وتتجاوز بلاغة البلاغة. وما علينا نحن، إلاّ أن نصغي إليها بإمعان، نسند روحها التوّاقة.. وننتظر!

سأطلّ من الشُّرفة للمرّة الأخيرة هذه الليلة قبل أن أنام، لأجدِّد الثقة، بأن الشباب السّاهرين ما زالوا يحرسونها، تلك التي يليق بها اسم.. المحروسة!

الثلاثاء 1/2/2011:’القوات المسلحة تناشد رجال مصر المخلصين لمواجهة الخونة والمجرمين وحماية أهلنا وعرضنا ومصرنا الغالية’.. رسالة وجدتها في الصباح المبكِّر على هاتفي النقّال، دون أن توضِّح الرسالة من هم الخونة والمجرمين!

توتُّر يهيمن على الأجواء يفوق ما شهدته الأيّام السّابقة. الحركة في الشوارع حذرة، وحراسات الشباب واصلت الليل بالنهار. في مدخل كلّ شارع وكلّ زقاق، يقفون بعصيِّهم وعيونهم المتيقّظة.. يدققون بأوراق السيارات. يجمعون القمامة ويضعونها في سيارات ‘نُصّ نقل’ مستأجرة، وفّروا لها مبالغ بسيطة من الأهالي، ووزعوا أوراقاً تتضمن تعليمات حول التعامل مع القمامة. سرعة التنظيم ودقته، يبعثان على الفخر والتقدير. الشارع للشباب. اتصل بي سعيد الكفراوي. تطرّق الحديث إلى اشتراك جابر عصفور في الوزارة. قال لي أن المسألة كانت حديث المثقفين المعتصمين في ميدان التحرير ليلة أمس، الذين عبّروا عن استيائهم للمسألة. قال الكفراوي أنه صارح عصفور نفسه بمثل هذا الاستياء، حين برّر تهالكه على الوزارة في هذا الوقت، بالضغوط التي مورست عليه!

؟ الواحدة والنصف، تردّد غير سائق تكسي بحملنا إلى وسط المدينة. وجدنا ميكروباص متوجهاً إلى هناك (هنا يسمونه ‘المشروع’). عشرات الآلاف يحتشدون ما بين محطّة الرّمل وجامع القائد ابراهيم، وفي موازاتهم أعداد ممثالة على كورنيش البحر القريب، قد تصل نهايتها على الجانب الآخر إلى ميدان المنشيّة. العلم المصري يعود لاحتلال مكانه ومكانته، وبأحجام كبيرة، ليزيّن فضاء المظاهرة. شبّان يوقفوننا في الشّارع الموصل بين البحر والشّارع، يدققون في بطاقاتنا، ويسمحون لنا بالدخول باتجاه الجامع. الحشد أكبر من التوقُّع، وهدير الهتافات يهيمن على الفضاء. لا وجود في المكان للشرطة والأمن المركزي. درجة التنظيم الذي يشرف عليه الشباب عالية وتبعث على الاعتزاز، عكس الفوضى والارتجال والتخريب الذي شاهدته يوم الجمعة الماضي. فلا وجود اليوم لطرفين. لم نر الجيش سوى أمام مكتبة الاسكندريّة. الشباب تشابكت أذرعهم وسدّوا الشّارع ليحموا جيشهم ومكتبتهم من حريق تاريخي آخر. المشهد يمسّ المشاعر.

سناء نسيت مرضها الذي أقعدها في الأيّام الماضية، واستجابت حنجرتها للهتاف دون عائق. من الهتافات الجديدة التي كانت تتردّد، وبعيداً عن تلك التي تخاطب الشّخص: ‘ثورة ثورة حتّى النّصر.. ثورة في كلّ شوارع مصر’؛ ‘ شدّي حيلك يا بلد.. الحريّة بتتولد’. ورفضاً للوزارة الجديدة كانت الجماهير تُردِّد الشِّعار: ‘تمثيليّة.. تمثيليّة.. شالوا حراميّة وجابوا حراميّة’. في شارع أبو قير الذي توجهت إليه المظاهرة، حيث من المقرّر أن تلتقي بتلك القادمة من منطقة محطة مصر، والأخرى الآتية من منطقة سيدي بشر (الذي تقع فيه ‘كنيسة القديسين’)، تسنّى لنا أن نرى حرائق الجمعة الماضية. وكان متظاهرو اليوم يتأملونها بأسف. يوم للشّارع، بامتياز.. قلت لسناء في المساء: ها هو الشباب قد عاد إلينا يوماً.. هو هذا اليوم!

الأربعاء 2/2/2011: يوم لا يبتعد كثيراً عن يوم أمس.. ابتدأنا اليوم من جامع القائد إبراهيم.. توجهنا فوراً نحو الجامع. كان المتظاهرون يؤدون صلاة الظُّهر. تجاوزناهم قليلاً باتجاه محطّة الرّمل. كان ثمّة دعوات تصدر عن بعض الحاضرين، تدعو للاستجابة للمقترحات التي عبّر عنها خطاب مبارك ليلة أمس. وكان الحوار يجري بالقرب من سيارات أخرى محترقة ما زالت في مكانها من يوم الجمعة الماضية، فيما جرت على هياكلها السوداء تعديلات بسيطة: عشرات الشعارات المناوئة للسلطة والرئيس تستقرّ على حديدها المحترق.

تركتُ سناء منخرطة في حوار مع مجموعة تروِّج لأفكار: دعونا نعطيه فرصة ستّة شهور أخيرة. إنه كبيرنا وليس منّا من لا يحترم كبيرنا. مثل والدنا والله قال ولا تقل لهما أفّ. هل لديكِ من هو أفضل منه؟!

ذهبت لتصوير نواة المتظاهرين المتجمهرين عند بوابة الجامع، والآليات المحترقة القريبة التي لم أكن قد وصلتها من قبل. التقطّ صوراً لليافطات التي يحملها المتظاهرون الجُدُد، والتي لم يظهر مثلها بالأمس.. ‘نعم لمبارك’، مع توقعات تشارف اليقين، بأن يحدث اليوم صدام لا نتمنّاه!

حتّى وصول المسيرة إلى طريق ‘أبو قير’، لتلتقي بأخرى قادمة من منطقة ‘الحضرة’، لم يحدث إيّ صدام. ذهبت مظاهرة تأييد الرئيس في طريق آخر، لتختفي بعيداً، وظلّت ميكروفونات المسيرة تحرِّض الشباب على عدم التورُّط بأن تمتدّ يدٌ مصريّة إلى مصري، وتردِّد في الوقت نفسه: ‘بلادي.. بلادي.. بلادي’. تجولنا بعد الظهيرة في شوارع وسط المدينة: صفية زغلول؛ سعد زغلول، السلطان حسين، التي لم ندخلها منذ سفرنا القاهرة. وجود مدرعات الجيش لا حظناه في شارع طلعت حرب، والهدف الواضح، بالتأكيد، لم يكن سوى حماية المصارف التي هناك! معظم المحلات مغلقة. الحركة خفيفة. والهدوء حذر. الصِّدام الذي توقعناه حدث، ولكن في القاهرة، شاهدناه على شاشات التلفزيون. يبدو أن القمع قد بدّد الأوراق الشعبيّة التي جمعها مبارك بعد خطابه مساء أمس. احترقت الأوراق مع النيران الوحشيّة لقنابل المولوتوف التي ألقيت على المتظاهرين في ميدان التحرير، وأغرقها دّم عزيز.. سال هناك دون حساب.

ومصر ما زالت تتحدّث عن نفسها.. تعيش لحظاتها التاريخيّة التحوليّة الأكيدة، وتقرن تشاؤم العقل.. بتفاؤل الإرادة!’ كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية