مصر تترافع عن نفسها
د. احمد يونسمصر تترافع عن نفسها قاضي البلاد يا قاضي! كيف الوصول اليك، وعساكر السلطان بعـشــرات الآلاف مرصـوصـون ـ كخط بارليف ـ يسدون كــل المنافذ؟ كـردونات داخل كردونات. ما ان يتجمع الجمهور حتي يبدا العرض بتمارين الصباح اليومية علي توزيع الاهـــــانات بالعدل بين الناس. وعلي قارعة الطريق يؤدي قائد الحـملة تحـية العلم بـان يدوسه بالحذاء الميري ضاحكاً. يتدربون في البشر علي كيفية الصعق بالعصا الكهربائية. وعلي سلالم نقابة الصـحافيين، يتبارون في جرجرة المتظاهرات من شعورهن او هتك عرضهن بتمزيق الملابس، او سحـلهن في وضح النهار من الرصيف الي الرصيف.من بقي علي قيد الحياة من الشهود، امامـك يرتجفون من الفزع. حظابط نباطشي نبه عليهم: اما ان يؤكدوا ان الجناة في جريمة حرق البشر بالمسارح او القطارات ما هم الا نمـاذج من ضحايا حزب اعداء النجــاح، او فانهم سوف يذهبون ـ كالذين من قبلهم ـ وراء الشمس. اما ان يحلفوا علي المصحف ان الآلاف من غرقي العبارات هم الذين يستحقون الاعدام حرقاً، او فان الجـن الازرق لن يعـرف لهم طـريق جـرة. اما حوادث الاغتصاب او التحرش الجماعي بالعابرات او اضرام النـار بالكنائس من اسوان الي الاسكندرية او سرقـة اعضاء الناس في بني مزار، اما حرب الابادة التي تشـن ضد اطفال الشوارع او تهريب اعـز الآثــار علي قــلب المصريين او اسـتبدال القـطـع الاصــلية جهاراً نهــــاراً باخري مزيفة، فطابور المختلين عقلياً جـاهـز بالمئات علي باب المحكمة. المحامون في بعض القضايا بالتحديد، اختفي معظمهم تباعاً في ظروف غامضة. بالضبط كـالكـتاب المجانين الذين تخيلوا ان في الامكان التعـامــل مع اعـشاش الدبـابـير بمنطق الفراشات. هؤلاء او اولئك، كانوا علي موعد مع نوع مــدبـر من الصدف العفوية التي تتكرر هي نفسها باستمرار. ومع ذلك، تظل مـجـرد صـدف. احدهم، دهسته سيارة مسرعة، بينما هو جـالس يشرب قهوة المساء في حديقة مـنزله. كان يقرأ ديوان الـنــاس في بلادي لصـلاح عبد الصبور، عندما غاصت في قفصه الصدري احدي العجلتين الاماميتين، علي حـين فعصت الاخري الطفلة التي كانت تتكلم مع عروستها علي بـعــد خـطوات من تكـعيبة العنب. البواب في الليلة السابقة مباشرة راح ـ دونما سبب ظـاهـر ـ يتعمد معايرة الجنايني بان له عمةً في السرايا الصفرا، وان ســت الحـبايب مــن الـوجــوه المـالوفــة عند مباحث التموين. يكفي انها تتلمذت، بالذات في كيفية اطلاق حـركــة اسـكـندراني اسـتريو اثناء الخناقات لبث الرعب في صفوف العدو، علي يد الفـتواية الذائعــة الصيت حتي يومنا هذا الآنسة زوبامائير. الا ان الوصــلة الاسـتفــزازية سرعان ما اتخذت مساراً آخر لا يختلف كثيراً عن وضع الشطة في الجرح المفتوح، عندما تعمد معايرته بان من الثابت تاريخياً ان امام الجـامع اعتدي عليه في الصغر بـتــرب السـيدة نفــيسة، وان الشيخ التقي الورع ـ بدلاً من اسـتسـماحه او ترضـيته طــوال العــمـر علي ترديد هذه القصة ليروح بها في الجنازات عن اقارب المتوفين. فما كان من الجـنايني القـليل الحــيلة سوي ان امطر طبق المـسـقعـة الذي امامه بوابل من السـماد الطبيعي. الضابط اعتبر ان الحكاية فيها ما فيها. احيلا الي النيابة التي امرت بحبسهما اربـعــة ايام علي ذمة التحقيق، فافلتا ـ بتغيبهما الاضطراري ـ من ان يكونا اما في عداد القتلي او علي قائمة شـهـود العيان. لا احد من ابنـاء الفقيد استطاع ان يلتقط النمــرة. الثاني اغواه الشيطان. تلبسته حالةٌ غريبةٌ من بين اعراضها تـوهــم ان علي هذه الارض من ينهبون المال العام او يزورون الانتخابات او يستوردون المبيدات المسرطنة او اكــياس الدم الملوث. لكنه ما ان عاد الي جادة العقل حتي اصيب بالجنون ندماً علي سوء نيته. ولم يكن هناك ما يمكن ان يمحو من علي جبينه هذه الوصمة، فاقدم علي الانتحار قاطعاً شـريانه بلبيسـة الجـزمة في ادارة العلاقات العامة بلاظـوغـلي. مصدر امني رفيع المستوي صرح بان الداخلية قبلت اعتذاره. اما الثالث، فجاءت كل الوقائع في قضـيته منطقيةً بحيث لا تحتاج الي اي شرح او تفسير. هكذا بلا مقدمات، فاجأ المتثائبين علي المقاهي في باب اللوق. فاجاهم بالقفز من شرفة مكتبه بالدور الخامس عـشـر. اجمع الذين كانوا ـ لحظـتها ـ اسفل العمارة انهم سمعوه يهمس في سره قائلاً: طول عمري عايـز اطـير! ثـم رفرف بذراعيه وهوي. غفر الله له. القليلون الذين ظلوا علي قيد الحياة، اما انسحبوا قبل الجلسة الاولي او غادروا البلاد او تنافسوا علي تقديم الادلة ضد موكـليهم. بوتيكات حقوق الانسان المـمـولة اجنبياً، اعلنت عن رصد جائزةٍ مغـريةٍ لممثل الدفاع الذي يبعث باكبر عدد من المتهمين الي حبل المشنقة. الكــتـاب المـجـانين الذين تخيلوا ان في الامكان التعـامــل مع اعـشاش الدبـابـير بمنطق الفراشات، كادوا ينقرضون كنتيجةٍ طبيعيةٍ لسوء التـغــذية. المراة المعصوبة العينين استثارت شفقة ذوي المشاعر المرهفة. اخذوا يجمعون لها التبرعات من المواطنين حتي تجاوز المـبلغ الخمسين مليوناً. لا احد لديه فكــرة عـن المـصير الذي آلت اليه هذه الاموال. كل ما جري ان الحديث انتقل فجأة الي نقطةٍ اخري، فلقد قام البعض برفع مذكرة الي الرئيس، يلتمسون فيها من سـيادته ان يتكرم باصدار قــرار جـمهـوري بعلاج هذه الـوليــة الغلبانة في الخارج علي نفقة الدولة. المؤيدون لهذا الراي اتهموا من يعارضونه بالعمالة لجهةٍ اجنبيةٍ اسمـوها: الذين لا يريدون لهذا البلد ان ينعم بالاستقرار. صرخ ـ باكياً من التأثر ـ وزير الداخلية في مجلس الشعب: الســت الوحـدانية دي ذنـبـهـا ايه، عـشــان تقــضـي بقــية حيـاتهـا عـمـيا! ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء! كان يشهق كبياع سريح تلقي علقةً ساخنةً علي يد امـين شـرطة، اثر امتناعه عن دفـع الاتاوة. بالرجوع الي منظـمـة الصـحــة العالمية، افادت بان المــراة المعـصـوبة العينين لا تعاني من كف البصر. خروجاً من المأزق، تبنت شـرطـة المـصـنفات الفــنية فـكـرة البـحــث لها عن فرصة عـمل مشــرف، كعـارضـة ازياء او فــتاة اعلانات. اجمع الاخوانجية بالمجلس الموقر علي ان تـرتدي النقــاب اولاً كشرط اساسي لتسلم الوظيفة. لكن السبب وراء حالة القــلق الشــديد التي ســـــاورت البعض، كان اصرار الرتب الكبيرة في بوليـــــــس الآداب ـ لحظـتها بالذات ـ علي طلب الكلمة. اخيراً، تشكلـــــــت لجــنة منبثقةٌ عن لجنة السـياسـات توعز لها بـان تسترق الــــــنظر من تحت العـصـابة، لكي تعرف كــــــم ملياراً يمــــلك المـذنب او ما منصبه، قبل ان تدينه او تـبرئه من دم القتيل.قاضي البلاد يا قاضي! ميزان العدل سيظل مائلاً، طالما الرعب في احدي كـفتيه. استقلال القضاء ضمانة لكل من يحيا علي هذه الارض. لكنه لا يكفي، طالما الناس يساقون كالعبيد. لا عدالة بلا حرية. آمال الوطن كــلـه معلقـة عليك انت، فلا تخــذله من فضلك! انت الملاذ الاخير لهذا البلد قبل ان يقتلع الطوفان كــل شيء. الاخير يا قاضي البلاد! الاخير! ہ كاتب من مصر8