مصر تجتاز اختبار القدرة على التحمل الاقتصادي في النصف الأول من السنة المالية

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

استطاعت مصر بكل المقاييس أن تجتاز بنجاح اختبار القدرة على التحمل الاقتصادي في النصف الأول من السنة المالية الحالية، وحققت معدلات نمو مرتفعة في كل القطاعات خلال تلك الفترة، حيث قفز معدل النمو الاقتصادي إلى 9.8 في المئة مقارنة بـ 0.7 في المئة في الربع الأول من العام السابق. وسجلت بيانات وزارتي التخطيط والمالية قفزة كبيرة في قطاع الفنادق والمطاعم بنسبة 182 في المئة، والاتصالات والتكنولوجيا بنسبة 16 في المئة، والصناعة التحويلية بنسبة 15 في المئة حيث تركز النمو أساسا في صناعات البتروكيمائيات والأسمدة والكيمائيات، وبنسبة 10.5 في المئة في قطاع التشييد والبناء الذي يعد واحدا من أهم القطاعات المحركة للنمو في جانب العرض. وفي الوقت نفسه ارتفعت حصيلة إيرادات قناة السويس بنسبة 20 في المئة. ولم يعلن البنك المركزي بعد حصيلة تحويلات العاملين في الخارج خلال النصف الأول من السنة المالية، وهي المصدر الرئيسي للتدفقات بدون مقابل التي تغذي ميزان الحساب الجاري.
وما يزال الاستهلاك الخاص والعام وليس الاستثمار أو فائض التجارة هو القائد الحقيقي للنمو، ذلك أنه على الرغم من ارتفاع الصادرات إلى رقم قياسي فما يزال عجز الميزان التجاري والعجز في ميزان الحساب الجاري وميزان الاستثمار الأجنبي من العلامات الرئيسية التي تعكس بعض جوانب الخلل الهيكلي التاريخي في بنية الاقتصاد المصري. لكن الاختبار الحقيقي الذي مرت به مصر خلال العامين الأخيرين كان يتمثل في مدى القدرة على مواجهة تداعيات كورونا وانعكاسات الأزمات الطارئة في الأسواق الخارجية بأقل الأضرار الممكنة، ثم إعادة إطلاق الاقتصاد من معدل نمو يدور حول 3 في المئة في العامين الماضيين إلى معدل يتجاوز 5 في المئة حسب آخر تحديث لبيانات الميزانية والتخطيط.
ونجاح مصر في اختبار القدرة على التحمل لم يكن بلا ثمن، ذلك أن المواطن العادي كان البطل في هذا النجاح من خلال تحمله فاتورة ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الأسعار في السوق المحلية الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمدادات العالمية وارتفاع أسعار السلع الغذائية، كما تحمل أيضا فاتورة أعباء «الإصلاح الاقتصادي» بما في ذلك دفع رسوم أعلى للخدمات التي تقدمها الحكومة العامة أو أجهزة الحكم المحلي. كما تحمل المواطن زيادة رسوم تنمية موارد الدولة التي قفزت حصيلتها لخزانة الدولة في النصف الأول من السنة المالية بنسبة 32 في المئة، وهي أعلى نسبة زيادة بين بنود الإيرادات الحكومية. الزيادات في الضرائب والرسوم وأسعار السلع والخدمات الحكومية كانت جزءا من خريطة طريق رسمتها السياسة الاقتصادية، لكن نجاحها تحقق بفضل القدرة على التحمل التي أظهرها المواطن المصري سواء كمنتج أو مستهلك وسط ظروف شديدة الصعوبة.

القدرة على تحمل ارتفاع أسعار النفط

قدرت الحكومة سعر برميل النفط في موازنة العام الحالي بـ 60 دولارا للبرميل، لكن المتوسط الفعلي زاد عن ذلك على مدى الأشهر الماضية ليتجاوز 90 دولارا في الوقت الحاضر. ومع أن هذه الزيادة صاحبتها زيادة بنسبة أكبر في أسعار الغاز المسال الذي تصدره مصر، فإن الحكومة حركت أسعار المشتقات النفطية مثل وقود السيارات والمركبات والطائرات والأفران الصناعية وغيرها، وكذلك أسعار الكهرباء والغاز بما يغطي جزءا من الزيادة العالمية في الأسعار، كما رصدت مخصصات إضافية في الموازنة لتغطية جزء آخر. وعلى الرغم من أن وزارة المالية قامت بتحديث سعر النفط في الموازنة لترفعه إلى 75 دولارا للبرميل، فإن هذا السعر ما يزال أقل من توقعات السوق لمتوسط الأسعار حتى نهاية السنة المالية الحالية، الذي يتراوح بين 90 إلى 100 دولار، وهو ما يعني أن فاتورة الطاقة التي يدفعها المواطن وقطاعات التجارة والإنتاج الصناعي والزراعي من المرجح أن ترتفع أكثر عما هي عليه الآن بسبب الأوضاع في سوق الطاقة. وإضافة إلى ذلك فإن صافي العلاقة بين الخزانة وشركات البترول والخزانة العامة للدولة سيتحول إلى قيمة سالبة، وهو ما يعني انخفاض حصيلة إيرادات الدولة من شركات البترول.

القدرة على تحمل ارتفاع أسعار القمح

سجلت أسعار القمح في الأسواق العالمية زيادات كبيرة منذ تفاقمت تداعيات أزمة كورونا في كل أنحاء العالم بما فيها الدول المصدرة للقمح وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وفرنسا وأستراليا وغيرها. وزاد من حدة ارتفاع الأسعار زيادة طلب الصين على القمح لتغطية احتياجاتها المحلية. وكانت الحكومة قد افترضت أن سعر القمح على مدار السنة المالية سيكون في حدود 255 دولارا للطن. لكن متوسط أسعار القمح ارتفع بنسبة تتراوح بين 40 إلى 100 في المئة، حسب اختلاف الأنواع ومصادر الإنتاج، وذلك على الرغم من وفرة المحصول الجديد في روسيا. ونظرا لأن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم فإنها الدولة الأشد تأثرا بالتغيرات في الأسعار. وعلى الرغم من أن صادرات مصر من الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية حققت مكاسب ضخمة بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا، فإن المواطن لم يحصل على نصيب من ذلك، بل إن ارتفاع أسعار الأسمدة أصاب الفلاحين المصريين مثل غيرهم من المزارعين في العالم. وقد اضطرت وزارة المالية إلى مراجعة سعر القمح ورفعته إلى 300 دولار بزيادة 50 دولارا للطن عن التقدير الأولي، بنسبة زيادة تبلغ 19.6 في المئة، وهو ما يعني زيادة مخصصات استيراد القمح في الموازنة.
ومع ذلك فإن هذه الزيادة لا تكفي لتغطية الزيادة الفعلية في أسعار القمح العالمي. ولذلك فإن حسابات الميزانية للنصف الأول من السنة المالية سجلت ارتفاع مخصصات الدعم بحوالي 36 مليار جنيه عن التقدير الأولي في قانون الموازنة. وبلغت المخصصات للنصف الأول من السنة المالية 135.6 مليار جنيه بزيادة نسبتها 35.6 في المئة. لكن زيادة مخصصات الدعم في الموازنة العامة لا تكفي لتغطية الزيادة في أسعار القمح المستورد، وهذا ما يفسر اتجاه وزارة التموين إلى إعادة النظر في أسعار وكميات الخبز داخل منظومة الدعم التمويني، بزيادة سعر الرغيف إلى 10 قروش بدلا من 5 ووضع نظام جديد للتوزيع يفرض قيودا كمية على الحصص المقررة.

القدرة على تحمل ارتفاع أعباء الديون

تمثل مدفوعات الفائدة على ديون الحكومة البند الأكبر في قائمة المصروفات السنوية للدولة. وقد بلغت قيمة سداد الفوائد المستحقة على ديون أجهزة الخزانة العامة للدولة في الأشهر الستة الأولى من السنة المالية الحالية 288.4 مليار جنيه مقابل 245.7 مليار في الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة. وهذا المبلغ يعادل حوالي 37 في المئة من المصروفات خلال الفترة المذكورة، بزيادة 42.6 مليار جنيه عن الفترة المقابلة السابقة بنسبة زيادة تتجاوز 17 في المئة، وهي تتجاوز نسبة الزيادة في المصروفات بشكل عام.
وطبقا لقانون الموازنة العامة للدولة فإن الحكومة قدرت متوسط سعر الفائدة على أذون وسندات الخزانة العامة للدولة بـ13.2 في المئة سنويا. لكن وزارة المالية وبعد المتابعة الفعلية لاتجاه أسعار الفائدة على المستوى العالمي قررت رفع متوسط أسعار على الأذون والسندات إلى 13.7 في المئة، بزيادة تبلغ نصف نقطة مئوية، وهو ما يعني زيادة تكلفة الاقتراض ومدفوعات سداد الفوائد المستحقة بنسبة 3.8 في المئة تقريبا في السنة المالية التي تنتهي نهاية حزيران/يونيو المقبل. لكن هذه الزيادة في معدل خدمة الدين وقيمة الفوائد المستحقة قد تزيد عن التقدير الأحدث لوزارة المالية إذا قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي زيادة سعر الفائدة على الدولار في الشهر المقبل أو قبل نهاية السنة المالية المصرية. في هذه الحالة فمن المرجح أن ترتفع أسعار الفائدة على أذون وسندات الخزانة المصرية، بما يلزم وزارة المالية بزيادة مخصصات سداد الديون. البديل لذلك هو تخفيض سعر الجنيه المصري بسبب الضغوط التي سيتعرض لها نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة العالمية. كذلك فإن زيادة المخصصات الواردة في الموازنة لتغطية تكاليف استيراد النفط والقمح، وزيادة مدفوعات الفوائد المستحقة، وزيادة مخصصات الدعم يمكن أن يؤدي إلى زيادة العجز المالي الكلي عن التقديرات الأولية الواردة في قانون الموازنة، وعدم تحقيق بعض مستهدفات الموازنة.

القدرة على تحمل
تداعيات جائحة كورونا

نجحت السياسة الاقتصادية، بما في ذلك المالية، في وضع خريطة طريق واضحة وفعالة للحد من تأثير جائحة كورونا وتداعياتها الاقتصادية منذ بدايتها. وتضمنت خريطة الطريق تخصيص 100 مليار جنيه تعادل 2 في المئة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي لتقديم التمويل الكافي لضمان استمرار دوران عجلة الاقتصاد، وتوفير التمويل الكافي للرعاية الصحية حسبما تسمح به إمكانيات قطاع الرعاية الصحية في مصر، إضافة إلى ضمان تقديم المساعدات الضرورية لأصحاب الأعمال والعمال والأسر الفقيرة للحد من الآثار السلبية لجائحة كورونا على الدخل المتاح للانفاق وفرص العمل. وقد أدت خريطة الطريق تلك إلى امتصاص قدر كبير من التداعيات السلبية، خصوصا في القطاعات التي تعرضت لصدمة خارجية عنيفة مثل السياحة، كما ساعدت على استمرار العمل في القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية. وأسهمت المساعدات النقدية التي حصل عليها العمال والأسر الفقيرة على تقليل حدة المعاناة من الآثار السلبية التي تركتها الجائحة على الدخل والأسعار وسوق العمل. وطبقا للبيانات الحكومية فإن الإنفاق على بنود الحماية الاجتماعية زاد بنسبة 20.6 في المئة، كما زاد الإنفاق على التعليم بنسبة 21.1 في المئة، في حين زاد الإنفاق على الصحة بنسبة أعلى بلغت 30.4 في المئة.
لقد استطاعت مصر إذن أن تضع وتنفذ خريطة طريق لمواجهة الامتحان الصعب الذي فرضته الضغوط الخارجية منذ بداية جائحة كورونا حتى الآن. وهو ما ساعدها على تحقيق معدلات نمو إيجابية بنسبة 3.6 في المئة في العام 2019/2020 وبنسبة 3.3 في المئة في العام الماضي، ومن المرجح أن تحقق نموا بنسبة 5 في المئة أو أكثر في العام الحالي، وهو ما يضع الاقتصاد على أعتاب نمو صحي مستدام في السنوات المقبلة، يوفر أملا في توفير ظروف معيشة أفضل، وقدرة أكبر على اقتحام ميادين التنافسية من أجل أن تحتل مصر مكانة أكبر في الاقتصاد العالمي، مستفيدة من موقعها وثرواتها وأولها وأهمها ثروتها البشرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية