مصر: تجريم النقد هدفه المصادرة علي الحراك الوطني وتحصين الفساد

حجم الخط
0

مصر: تجريم النقد هدفه المصادرة علي الحراك الوطني وتحصين الفساد

محمد عبدالحكم ديابمصر: تجريم النقد هدفه المصادرة علي الحراك الوطني وتحصين الفسادتفتق ذهن جهاز الأمن المصري عن اسلوب جديد لإرهاب الكتاب والصحافيين، الناقدين والرافضين لحكم عائلة مبارك ، وذلك بدفع بعض المتعاونين معه من المحامين الصغار، في الأرياف والعشوائيات المحيطة بالعاصمة والمدن الكبري، لرفع قضايا ضد صحافيين وكتاب وأصحاب رأي، بطريقة أشبه بقضايا الحسبة التي تخصص فيها الشيخ يوسف البدري، ضد الخصوم، كـ قيم علي الدين والأخلاق!!، وهي ظاهرة انتهت منذ سنوات، واستؤنفت، من جديد، بشكل سياسي فج.. بدأها محام من منطقة الوراق، القريبة من القاهرة، وأقام دعوي ضد رئيس تحرير الدستور إبراهيم عيسي، وسحر زكي المحررة بنفس الجريدة، وصدر فيها حكم بالحبس سنة مع الغرامة، وفي الاستئناف غلظت الغرامة وأسقط الحبس، ومنذ أيام قام محاميان، أحدهما من الفيوم، علي بعد مئة كيلو متر جنوب غرب القاهرة ، والآخر من ميت غمر، بمحافظة الدقهلية، في شمال شرقي الدلتا. قدم الأول بلاغا للنيابة العامة ضد إبراهيم عيسي، مرة أخري، لأنه نشر خبرا، علي حد قوله، قال فيه: مصر كلها في خدمة ولي العهد جمال مبارك ، واعتبر ذلك إساءة إلي الشعب المصري، لأن جمال مبارك ليس وليا للعهد، بحجة أن النظام القائم جمهوري لا يسمح بولاية عهد!! والثاني أقام دعوي قضائية ضد رئيس مجلس إدارة جريدة الكرامة ، حامد جبر، ورئيس تحريرها، وعضو مجلس الشعب، حمدين صباحي وآخرين، اتهمهم بإثارة الفتنة بحملة، وصفها في دعواه بالمسعورة، ضد حسني مبارك، وبررها بغيرته علي مصلحة مصر وعلي أمنها القومي!!.ولا نريد أن نتوقف كثيرا أمام هذا النفاق الرخيص الذي يسيء إلي المحامين ومهنة المحاماة ذاتها، ومبلغ الإساءة أن أناسا محسوبين علي مهنة مهمتها تأكيد قيم الإنصاف والعدالة، تركوا قانون الطوارئ، الذي تحول من قانون استثنائي إلي قانون دائم، طوال ستة وعشرين عاما، وأغمضوا أعينهم عن التعذيب وهتك الأعراض والبلطجة، وغضوا الطرف عن توريث الحكم والاستيلاء علي الثروات وحماية الفاسدين والمفسدين ومن تخصصوا في إهانة الشعب وترويعه وإهدار كرامة مواطنيه، وتجاهلوا عمليات الهدم الممنهجة للدولة والمجتمع، وقفزوا علي دور حسني مبارك وعائلته في تصفية وزن مصر الإقليمي والدولي، وتخليه عن مسؤولياته الوطنية والقومية وتحجيم القوات المسلحة وإهانته لها، بعد أن جعل من نفسه نصيرا لأعداء أمته وشعبه، وهو كقائد أعلي للقوات المسلحة أضاف مصر رديفا عسكريا وسياسيا للغزاة والمحتلين والمستوطنين، ومنح قائد غزو العراق وساما مصريا رفيعا تقديرا له علي هذه الجريمة!!. هؤلاء المحامون لم يكترثوا بتهريب الأموال ونهب قوت الشعب، والقتل المنظم لأبنائه، ونشر الأوبئة بينهم وحصدهم بالحوادث المروعة.. لم يعنهم ما يجري من إلغاء فعلي لخدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي، ولم يشغلهم بيع الممتلكات العامة ونشر البطالة وغسل الأموال، وتبديد إيرادات الدولة في دعم الشرطة والأمن ورجال الأعمال واللصوص والمحتكرين، من المصريين والمغامرين الأجانب، الذين تمكنوا من الاستيلاء علي المصانع والمنشآت الصناعية والاقتصادية، الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، لم يلفت نظرهم أي من ذلك أو غيره واتجهوا نحو الكتاب والصحافيين يجعلون منهم كعب داير علي المحاكم من الجيزة والقاهرة إلي الفيوم وميت غمر.وإذا كان الأمن قد لجأ لمثل هذه الحيلة، في محاولة للتغطية علي تصرفات منحرفة، ومنها تصرف يتعلق بحصيلة الرسوم والجبايات، التي يدفعها المواطنون. فمن المعروف أن نظم الحكم السوية، تتصرف فيها حسب الأغراض الذي جمعت من أجلها، وتوزع في مصر، دون أي سند من قانون أو خلق، علي رجال الأمن والإدارة العليا، فرسوم النظافة، ومخالفات المرور، وجبايات الطرق والكهرباء وغيرها، من المفترض أن تصرف في المجالات التي جمعت لها، إلا أن من يدفع رسم نظافة يجد أن عاصمته صارت الأقذر والأكثر تلوثا، ومن يسدد تكلفة رخص بناء وغرامات ومخالفات الطرق والمركبات، يجد أن بلده غارقة في بحر من الفوضي، ومحدودو الدخل، الذين يسددون ثمن الكهرباء بالسعر التجاري، يتكلفون مد الخطوط الرئيسية إلي القري والأحياء، ولا نقول المنازل، ويتكفلون بمدها إلي منشآت ومصانع رجال الأعمال، المعفيين من الضرائب، وينوبون عنهم في تغطية فروق السعر التجاري. ونشرت صحيفة الأهرام ، شبه الحكومية، وهي ليست صحيفة معارضة، يوم الاثنين الماضي، أن التكلفة الفعلية لكيلووات الكهرباء هو 17 قرشا، يباع لمصانع أحمد عز محتكر الحديد بأكثر قليلا من 11 قرشا، ويباع للفقراء ومحدودي الدخل بالسعر التجاري وهو 35 قرشا. ونعود إلي الحصيلة المضافة علي الخدمات فنجدها تصب في جيوب الوزراء والمحافظين ومديري الأمن وسكرتيري المحافظات ورؤساء المدن، ولا يصرف منها قرش واحد في وجهه الحقيقي.. وعندما يتناول أحد هذه الصور بالبحث والتحليل توجه إليه السهام والطعنات بدلا من التحقق من المعلومات والحقائق التي تنشرها الصحف وأجهزة الإعلام تباعا.ويعيدنا تجريم النقد وإدانة حرية الرأي، بدعوي إهانة حسني مبارك أو أحد من عائلته، إلي عصور تصور الناس أنها ولت ومضت، وكان التجريم المقبول، في الماضي والحاضر، محصورا في العيب في الذات الإلهية، وفي زمن الاحتلال، عندما تصاعد السخط ضد الملك فاروق، اتسع نطاق التجريم، فشمل الذات الملكية، وعاد هذا التجريم مرتبطا بوجود حراك وطني صاعد، ساعد عليه دور صحافة مستقلة ومعارضة، أخذت علي عاتقها كشف منظومة الاستبداد والفساد والتبعية، الحاكمة والمتحكمة في مصر، فطال ما يمكن تسميته العيب في الذات الرئاسية، وهو ليس إلا تجريما لنقد الذات العائلية، أي عائلة مبارك . ومن المتعارف عليه، صحافيا وقانونيا وأخلاقيا، أن للشخص الفعلي أو الاعتباري حق الرد، لتصحيح أو تكذيب أو نفي ما ينشر عنه جملة وتفصيلا، و عائلة مبارك تتعالي علي ممارسة هذا الحق، بسبب وجودها داخل دوائر الفساد والانغماس فيه، فضلا عن غياب الأدلة النافية، وتغطي ذلك باستعلاء مزيف، وتدفع الأمن لتحريك بلاغات ودعاوي، من غير ذي صفة، وممن لا شأن له بالموضوع، عن طريق ما يعرف في الأوساط القانونية بمحامي الأرياف، ممن يتسولون القضايا علي باب المحاكم، ويسعدون بعطايا الأمن ورضاه، وأضحت مهمتهم غسيل سمعة المستبدين والفاسدين واللصوص.ويري البعض فيما يجري في مصر وجها ديمقراطيا، وكان هذا محل سؤال لأكاديمي من أكسفورد، الأسبوع الماضي، وتكرر من إعلامي في واحدة من الفضائيات العربية، وما قلته للأكاديمي كررته علي مسامع الإعلامي العربي. وهو أن ما يجري في مصر لا علاقة له بالديمقراطية، وكل ما هنالك أن المصريين، المعروفين بصبرهم الكبير، كانوا حتي سنوات قليلة مضت ينتظرون الفرج، فحسني مبارك كبر وشاخ، وسنة الحياة أن هذا ينتهي بالرحيل، وارتاح أغلب المصريين لهذا المنطق، فسلموا أمرهم للقدر، وفجأة نزلت علي رؤوسهم صاعقة توريث الحكم للإبن الأصغر، ومعني هذا أن معاناتهم ستطول، وليس في مقدورهم تحمل ثلاثين أو أربعين عاما أخري من الضنك والذل والهوان والجوع.. لا طاقة لهم ولا قدرة علي الصبر والاحتمال أكثر من ذلك، فانفجر مخزون الصبر والعناء، واندلعت المظاهرات وحركات الاحتجاج من كل حدب وصوب. لم تنتظر إذنا من أحد، فقد طفح الكيل، وإن كانوا قد صبروا علي الأب. فلا طاقة بقيت لديهم تلبي شيق الإبن السلطوي وتحكمه. واندلعت المواجهة بين شعب مطحون يطلب الحياة، وكلاب مسعورة ومخلوقات مشوهة متوحشة.. انطلقت تنهش الأجساد وتهتك أعراض الرجال قبل النساء. اتجهوا جميعا صوب الصحافيين والقضاة وأساتذة الجامعات والمحامين والنساء والمهندسين، واتسعت دائرة العصيان، حتي امتدت مؤخرا إلي العمال، الذين من المتوقع أن يعطوا العصيان وزنا وتأثيرا جماهيريا واسعا، إلا أن المصريين خرجوا من هذه المواجهة باكتشاف كان غائبا عنهم، وهو أن ما بقي من حكم حسني مبارك لا يعدو عصا غليظة، لا تحمي حُكما ولا تبقي حاكما، وجدوا عائلة حاكمة يحكمها الخوف والذعر من مصير بدا مجهولا، واكتشفوا أنها لا يجرؤ علي الاقتراب من مواطن، ولا تستطيع المجازفة بالنزول إلي الشارع، حتي القاهرة ضاقت علي حسني مبارك، فبني لنفسه قلعة حصينة في شرم الشيخ.. اتخذها عاصمة جديدة له، خوفا من الشعب، وانتقل الخوف من المحكوم إلي الحاكم، ويا ويل حاكم يعاند مثل هذه الظروف، وترتب علي ذلك سقوط عائلة مبارك من حساب الشعب، و تأكد له أنها كتبت شهادة وفاتها بيدها.مال ميزان القوي في الشارع لغير صالح العائلة ، وجاء غباء المواجهة، من طرفها، علي قاعدة توسيع الاشتباه والملاحقة، فزادت معدلات الحبس والاعتقال والتلفيق، لكن الاعتقال والحبس، الذي يخيف في النظم التي تحترم الإنسان وتلتزم بالقانون، لأنه هناك عقوبة تحل بالمجرمين والمنحرفين، جعله حسني مبارك نوعا من التطعيم ، أشبه بذلك الذي يتم أثناء تدريب العسكريين وتعريضهم لخطر الموت ووابل النيران الحية، للتعود علي بيئة القتال، وفي اللحظة التي استقر في وجدان الناس أنها عقوبة للشرفاء وأصحاب الرأي والمبدأ، تحول إلي ضريبة تدفع عن رضا، ومصدرا للابتلاء والصبر والفخر، وماذا يصنع متجبر أو مستبد، مع شعب استعد لدفع الثمن وتقديم التضحية اللازمة. إذن ليس في هذا ديمقراطية أو تسامحا إنما هو مأزق الاضطرار. فخروج المصريين إلي الشوارع لم يكن بإذن أحد ولا بموافقة سلطة، وهي صورة من صور سحب الاعتراف الشعبي من حكم مات وانتهي، وإذا كان هذا الادعاء صحيحا فلماذا لم تتوفر الحماية بدلا من المواجهة، بالهراوات والدروع، وفرق الكاراتيه، وخراطيم المياه، والقنابل المسيلة للدموع، والمقذوفات المطاطية، والعصي المكهربة، هذه ليست ديمقراطية، ولا هذا ذكاء من حكم ينسب البعض إليه أنه يسمح بذلك من قبيل التنفيس والتخفيف!! وعلي عائلة مبارك أن تثق بأن المصريين يشعرون بأن عصاها الغليظة تفقد وظيفتها ومفعولها، ومع ذلك نقول أن التغيير المفترض أنه قاب قوسين أو أدني من الحدوث، قد لا يأتي بالسرعة التي يتمناها البعض، لأن حركات الاحتجاج والعصيان، لم تتطور بعد إلي أدوات ووسائل للتغيير، إلا أنه قادم لا محالة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية