مصر: تظاهرات بلا رأس الفقر وقودها وغطرسة السلطة أداتها

حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: ردد وكيل النيابة الاتهام الذي يردده سلفا على كل سياسي منذ فجر الثالث من حزيران/يونيو عام 2013: “أنت متهم بالانضمام لجماعة إرهابية. رد المتهم المنهك من فرط الجوع والخوف وقلة النوم: لا أنا متهم بالفقر”. هذا مشهد لم ينسجه خيال كاتب سيناريو، بل يوجز حرفياً الأسباب التي دفعت المواطنين الذين خرجوا في العشرين من أيلول/سبتمبر الحالي تاركين النخبة ورموز “يناير” يمارسون نشاطهم الذي أدمنوه على تويتر وفيسبوك راضين بأقل القليل من راحة الضمير.

لم تكن مصر الحبلى هذه الأيام بجنين الثورة بحاجة لضجيج هؤلاء في استوديوهات الأخبار أو عبر العالم الافتراضي كي يطالعنا المحللون الاستراتيجيون والثوار القدامى حول الأسباب التي تقف خلف عودة الحراك الثوري من جديد لشوارع مصر وميادينها.

10 قرارات سبب فقرنا

منذ ان تسلل الزائر الجديد للقصر الرئاسي بعد شروق شمس الثالث من حزيران/يوليو 2013 كان الطريق نحو الفقر ممهداً. حيث أصدرت السلطة القائمة العديد من القرارات تباعاً أسفرت عن الورطة التي باتت الأغلبية الساحقة من الجماهير تعيشها: أولها تعويم الجنيه ليفقد ثلثي قيمته ثم توالت القرارات على نحو ممنهج حيث رفعت الحكومة الضرائب على نحو متعاقب لتصل لنسبة 88 في المئة كما رفعت أسعار الكهرباء عدة مرات حتى وصلت لـ300 في المئة وعرف الغلاء طريقه لمياه الشرب التي بلغت 350 في المئة وبلغ الجنون مداه بالنسبة لأسعار السلع الضرورية، حيث ارتفع سعر اسطوانة الغاز المنزلي بنسبة 713 في المئة أما سعر الغاز الطبيعي فجاءت الزيادات المتعافبة حتى استقرت أخيراً عند2250 في المئة وهي زيادة الوقود بأنواعه المختلفة “بنزين وكيروسين” باستثناء المازوت الذي بلغت زيادته 165 في المئة. ثم جاءت التعديلات الدستورية وخاصة المادة التي حيكت على مقياس الرئيس والتي مدت عمره في القصر الرئاسي سنتين وحق الترشح لمرة ثالثة ليستمر في المشهد حتى العام 2034. لقد ابتكرت السلطة القائمة تركيبة جهنمية كانت أسرع الوسائل وأنجعها في عزلتها وقرب حلول شمس نهايتها. هذه الخلطة الشيطانية وهي عبارة عن “البذخ في مشروعات لا تدر عائداً ومناخ من الفساد والقمع والعشوائية وغياب دراسة جدوى عن أي مشروع تصدى له رأس السلطة منفرداً باعترافه شخصياً” كل ذلك حول السلطة لشيطان مهمته إفقار المصريين ودفعهم للترحم على زمن المخلوع مبارك. بعد سقوط جدار الخوف والرهبة في صدور المصريين كيف ستتصرف السلطة التي تبدو متشبثة ببقائها للأبد؟ السؤال لا يحتاج للأذكياء كي يجيبوا عليه حيث يظل سلاح اللجوء للفوضى وترهيب الناس هو المعتمد لدى السلطة هذا ما يتفق عليه معظم رموز ثورة يناير من الأكاديمي والمفكر المرموق نادر فرجاني للكاتب أمين إسكندر للسفير ومساعد وزير الخارجية السابق معصوم مرزوق والكاتب محمد سيد الطماوي ومئات الشخصيات.

للثوار وجهة نظرهم في كيفية الخروج من هذا المأزق حيث يؤمنون بنظرية “تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج، يبدأ من الأعلى نزولا إلى الأسفل” وبالتأكيد فإن الثوار يؤمنون بما توصل إليه الأكاديمي والفكر المرموق المغيب منذ أيام خلف الزنازين الدكنور حازم حسني إذ قال “التاريخ مليء بسير الطغاة الذين عملوا بدأب وإصرار. ومن ضحوا بشعوبهم وجيوشهم ليصنعوا مجدا لهم. ومن شادوا الصروح العظيمة التي تشيد بقدرتهم وعظمة حكمهم، لكنهم جميعا تركوا وراءهم دولا محطمة وشعوبا ضائعة وجيوشا مهزومة تلعق جراحها ولا تقدر حتى على حماية نفسها وصون كرامة رجالها”. لذا فكثير من الشباب الذين لم يعاصروا أجواء ثورة الخامس والعشرين من يناير باتوا على يقين الآن بأنه لا مفر من العودة للميادين مجدداً.

الحكومة تعترف

تعرضت الأغلبية الفقيرة لضغط كبير إثر تطبيق الدولة ضريبة القيمة المضافة وخفضها قيمة العملة ورفعها أسعار الكهرباء والوقود. وقد أدت الإجراءات التقشفية إلى ارتفاع عدد المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، إذ وصل الرقم إلى 32.5 في المئة في السنة المالية 2018/2017 بعد أن كانت النسبة 27.8 في المئة قبل عامين. وتمثل الإجراءات الحكومية من أجل فرض مزيد من الرسوم على الخدمات فضلاً عن الضرائب، وقوداً لمعظم الاحتجاجات بعيداً عن الشأن السياسي، إذ أعرب العديد من المواطنين عن أنه لا بديل أمامهم سوى العودة للتظاهر أملا في الضغط على الحكومة كي تحسن من أوضاعهم التي باتت مأساوية. لكن اللافت أنه على الرغم من قيام السلطة الراهنة بإصلاحات اقتصادية أدت إلى استقرار الجنيه المصري، لم تتمكن من توفير فرص عمل من خلال تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تراجع في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات على الأقل.

ويرى الفنان التشكيلي وجدي ونس أحد رموز ميدان التحرير في تصريحات لـ”القدس العربي” أن “عودة الثوار للميادين باتت أمراً لا مفر منه مهما بلغت قبضة التشديدات الأمنية”.

ومن قبل حذر محمد زارع من معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان من أن “ما حدث تحذير خطير للغاية. الوضع ليس تحت السيطرة بالكامل” مضيفاً: “معظم الناس الذين خرجوا إلى الشوارع ليسوا أعضاء في أحزاب سياسية منظمة، ما يوضح مدى الغضب العام”.

هذا العدد الكبير من المعتقلين يثير تساؤلات لدى المراقبين عما إذا كانوا شركاء في الاحتجاجات أم أن تلك الاعتقالات يغلب عليها الطابع العشوائي. إذ أن الشخصيات الموقوفة تضم طيفا واسعا من التيارات الليبرالية واليسارية ولا تظهر من ضمنهم وجوه معروفة من التيار الإسلامي.

ومنذ أحداث حزيران/يونيو عام 2013 والنظام المصري يلقي باللائمة على أي حراك على جماعات الإسلام السياسي خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي صنفها “جماعة إرهابية”. وقبل أيام سعى الرئيس السيسي خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي على هامش اجتماعات الأمم المتحدة لصف العالم في مواجهة الجماعة التي بات معظم أفرادها في السجون والمنافي حينما اتهم “الإسلام السياسي” بالتخطيط لنشر الفتنة بين أبناء المصريين للتظاهر والاعتراض على سياسات النظام بهدف العودة إلى السلطة من جديد.

لكن نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي ينفون أي علاقة للإخوان بالتظاهرات التي شهدتها القاهرة ومحافظات أخرى والتي اندلعت بشكل عفوي. وليس هناك دليل على شيوع الفزع بين المواطنين وهو هدف السلطة القائمة بالفعل من فرارديكلان وولش مراسل “نيويورك تايمز” من القاهرة حيث كشف مؤخراً عن تجربته مع مخاطر المهنة في بلد أصبح من بين أكبر سجاني الصحافيين في العالم.

رابعة: الضحية والجلاد

إلى أين تقودنا الدائرة الجهنمية التي هي من صنع النظام؟ سؤال بات يلح على أذهان الأغلبية وكثير من العقلاء الذين لا يزالون متشبثين بمزاعم السلطة. كيف تحولت مصر في غضون أسبوع لما هي، حيث الخوف يسكن البيوت إلا قليلا. كل الشواهد تشير إلى أن السلطة ستمضي للأمام في اصرارها على الانفراد بالحكم وعدم الإنصات للجماهير الغاضبة ولا حتى للقيادات التي لاحقتها مؤخراً وقامت بتوجيه تهم باتت كليشيهات توجه لسائر المطلوبين على مختلف توجهاتهم ووفقاً لرؤية المخرج محمد فؤاد لـ”القدس العربي” حينما تلقي القبض على من وقفوا بجوارك وعرضوا انفسهم للاغتيال كما حدث مع رئيس حزب الدستور خالد داوود، فأي رسالة ترسلها للعالم الخارجي؟ بالتأكيد لن يصدقك أحد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ويصر عليه زهدي الشامي: كيف يقوم النظام بفقد عقله بهذه السهولة للحد الذي يودي به لإطلاق النيران على أقدامه بهذه السهولة؟ ويعترف بأن المعارضة التقليدية بدت وكأنها قد فوجئت تماماً بالتطور الكبير الذي حدث في الشارع المصري، مستبعداً أن يقيم الإخوان مع خصومهم حبل الود من جديد كثمرة لتلك الاحتجاجات “حيث فقدت الحركة تماماً القدرة على تحريك الشارع بعد الحرب التي تعرضت لها كوادرها على مدار السنوات الست الماضية”. فلماذا يتم اعتقال شخصيات معروفة بخصومتها الفكرية مع الإخوان مثل حسن نافعة وحازم حسني وخالد داود؟ الحقيقة: كل منصف يعرف إن النظام يسحق الجميع ويزدري القانون بلا حدود.هنا رابعة التي كلما مر بها أي من أفراد جماعة الإخوان أو انصارهم داهمته الأحزان، فللمكان دلالته ورمزيته، لكن النظام الذي أنهى المعركة من فصلها الأول قرر بدون قصد أن يذكر المصريين بما حاولوا نسيانه منذ فجر الثلاثين من حزيران/يونيو2013 وقد تفتقت أذهان بعض رموز السلطة لاختيار رابعة لإطلاق مليونية جديده للرئيس بهدف منحه تفويضاً جديداً وهو الأمر الذي اعترض عليه عدد من أفراد الدائرة الضيقة المحيطة برأس السلطة خشية ان يعيد ظهور أنصاره الذين تم حشدهم من المحافظات إلى تذكير الرأي العام الداخلي والخارجي بمأساة رابعة التي ما زالت عالقة في أذهان الكثيرين. ولأن ميدان التحرير بات في قبضة السلطة التي نقلت كامل عتادها ورجالها إليه منذ أيام لم يقف الثوار الجدد عاجزين أمام الدولة الأمنية بل قرروا ان ينقلوا روح الميدان لقراهم ومدنهم المنسية والتي أصبحت في غمضة عين نسخا مكررة من الميدان الأم فيما يشير البعض إلى ان الثوار الجدد سيكتسبون  المهارة في مواجهة القبضة الحديدية في غضون فترة وجيزة وإن كان النظام لن يتخلى عن غروره وآلته الأمنية وترسانته التي تمثل ثقافته الاستبدادية ووقودها على البقاء حيث قد اكتسبت من مبارك المخلوع أسوأ ما فيه، عناده فيما تفوقت عليه في غلق المجال العالم وتجريم كافة أنواع المعارضة السلمية والدفع بالصحافيين والإعلاميين نحو الانزواء، وحينما اكتشفت الحكومة أهمية الحرب ضد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي كان الوقت قد مضى إذ اكتشف الثوار أنهم امتلكو البوصلة التي تغنيهم عن قيادات ثورة يناير وغيرهم من محللي الفضائيات والقيادات التي تنافس ألوان الطيف في تلونها وانتقالها من معسكر لمعسكر، لذا قرروا أن يمضوا في الطريق لنهايته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية