مصر تلغي فيلماً فلسطينياً.. وبعد الأحذية حمير على شاشة التلفزيون

حجم الخط
5

تراجع «مهرجان الاسكندرية السينمائي الدولي»، الذي يفتتح غداً الأربعاء عن عرض الفيلم الفلسطيني «فيللا توما» بعد ما سميّ أزمة التمويل الإسرائيلي للفيلم. العمل، وهو الأول لمخرجته سهى عراف، خاض أخيراً معركة شرسة في مهرجان البندقية السينمائي، بعد إصرار المخرجة على تقديم عملها كفيلم فلسطيني مقابل مطالبات إسرائيلية ادّعت أن الفيلم إسرائيلي لأنه ممول إسرائيلياً.
نجا الفيلم بجلده في «مهرجان البندقية»، لم ينصع إلى التهديدات الاسرائيلية، لم يستطع أحد هذه المرة إجباره على حمل الهوية الاسرائيلية. لكن المفاجأة، إن لم نقل الضربة، جاءت من مهرجان سينمائي عربي كان أدرج الفيلم في حفل افتتاحه قبل أن يتراجع بذريعة التمويل نفسها، وكأنه بذلك يتضامن مع المطالب الإسرائيلية، بدل أن يخوض الصراع مع مخرجة تحاول انتزاع هويتها في مواجهة خمس وزارات إسرائيلية.
المخرجة عراف تنتمي إلى عرب 48، وهي تعتبر أن التمويل حق لها باعتبارها دافعة ضرائب، أما أن التمويل يمكن أن يفرض أجندته على العمل الفني فمن الواضح أن المخرجة لم تكترث لأبسط ما يمكن أن يمليه عليها الممول. ثم لا بدّ من إعادة النقاش حول هذه العلاقة الشائكة لفلسطينيي 48 سواء مع التمويل الاسرائيلي أو مختلف العلاقات اليومية. نقاش ينبغي أن يُسمع صوتُهم فيه أولاً.
وبالإضافة إلى أن فريق العمل هو برمته من الفلسطينيين، كان يجدر النظر إلى سياق الفيلم ومؤدّاه، وأي توجّه يمكن أن يخدم، علينا أن نتذكر معركة الفيلم التسجيلي «خمس كاميرات مكسورة» الذي دارت حوله معركة مشابهة، رغم أنه لم يكن سوى ممثل مرّ وعنيد للنضال الفلسطيني في وجه الاحتلال.
الأصوات المبدعة الأولى لفلسطينيي 48 عانت من شدة حب المحيط العربي، إلى درجة دفعت محمود درويش لإطلاق صرخته الشهيرة «ارحمونا من هذا الحب القاسي». أما اليوم، فإن الأصوات المقبلة من هناك تعاني ما تعانيه من إهمال وسوء فهم وتضييق، وربما من تخوين.

كما يشتهي الأعداء

الفيديوهات التي تبثها التنظيمات المتطرفة تبدو وكأنها من صنع أعدائهم لا من صنعهم. إنها أحسن طريقة لضمان كراهية الناس. في شريطيْ «داعش» الأخيرين وذبح الصحافيين الأمريكيين، كانت الألوان وحدها، قبل الوصول إلى الذبح، كفيلة بدفع الناس إلى كراهية هذا المسخ الملثم الأسود. ربما هذا ما جعل الناس في عدم تصديق لصحة الشريطين.
لكن أحداً لم يتصور أن يستعمل الأمريكيون أشرطة «داعش» نفسها لمواجهة تجنيد أمريكيين للقتال في صفوف «داعش». شريط قاس أظهر متطرفين وهم يلقون الجثث في وادٍ عميق، إلى جانب صور لأشخاص مصلوبين، أو مرميين قتلى على الأرض بعد التنكيل بهم، أو برؤوس مقطوعة، إلى جانب صور التفجير في قلب مسجد.
لم يعد الأمريكيون بحاجة إلى مخيلة هوليودية لتسهم في «البروباغندا»، التي يريدون، فلقد وفر «داعش» أفظع الصور التي لا تضاهيها سوى مخيلة أفلام الرعب. كل ما هنالك إضافات بسيطة، من قبيل موسيقا ملائمة لأفلام الرعب، إلى جانب عبارة تقول «السفر رخيص وغير مكلف لأنك لن تكون بحاجة إلى تذكرة عودة».

حمار على الشاشة

فاجأ مالك قناة «أردن المستقبل» الإعلامي حسام العبداللات مشاهديه باستضافة حمار في برنامجه التلفزيوني، نعم، حمار حقيقي (أجلّكم الله) لا مجازي. أصرّ العبداللات على تسمية الحلقة بـ «الحوار»، وهو حاول التحدث إلى ضيفه الأثير محاولاً استنطاقه، وتفسير الأصوات التي راح يطلقها في الاستديو، ولم يتردد الإعلامي الأردني بمخاطبة ضيفه بعبارة «عزيزي الحمار».
أراد الإعلامي الأردني المشاكس أن يقدم في برنامجه «كشف المستور» طريقة مغايرة وغير تقليدية في طرح قضايا المواطن الأردني. أرادها مقاربة كوميدية، طرح على الحمار، وجهاً لوجه، أسئلة يبدو أن الناس عجزوا عن الإجابة عنها، من قبيل لغز «داعش»، وماذا يجب على الناس أن يفعلوا إذا تعرّض الأردن لاعتداء.
تحدث الإعلامي عن تقارير حول «زيادة عدد الحمير في الأردن»، وهو كلام غير بريء بالطبع، راح يغلّف نفسه بالحديث عن مشاكل العلف، خصوصاً ذاك المستورد الذي يضع فيه الأمريكيون مواد حافظة مؤذية على حدّ قول صاحب الحمار الذي حضر هو الآخر إلى جانبه.
الحيوان المسكين، الذي لا حول له ولا قوة في أن يكون في هذا المكان، وضع جنباً إلى جنب مع صاحبه وراء طاولة الاستوديو نفسها، قبالة إعلاميّ مثير للجدل، سبق له أن رفع حذاء في الاستديو في مواجهة الحذاء الذي رفعه الإعلامي المصري توفيق عكاشة، مالك قناة «الفراعين» المصرية، ضد الفلسطينيين.
إنه وضع مشفق للجميع. حتى لو كانت الغايات نبيلة هدفها فضح الفساد والسخرية منه، فلا شك أن في الوسيلة انحطاط وامتهان أولاً لكرامة الناس، لضيوف الاستديو أولاً ولجماهير المتفرجين. ألم يعد لدى الإعلام العربي وسائل أرقى من هذه؟ أما من وسيلة للرد على الحذاء بغير الحذاء، وعلى الحمير بغير الحمير؟

إعلام سوري بديل

الثورة السورية أدّت إلى طفرة إعلامية كبيرة في المشهد السوري؛ بضع وثلاثون إذاعة، عشرات الصحف والمواقع الالكترونية، بعد أن كان المشهد الإعلامي الرسمي والخاص محتكراً من قبل النظام، حيث لا تصدر سوى صحف رسمية ثلاث، إلى جانب بعض الصحف الخاصة الرديفة، وبضع إذاعات محرومة من حق الكلام السياسي ونشرات الأخبار.
لكن الطفرة الجديدة لم تشكل خرقاً كبيراً في الأداء الإعلامي البديل إلا من ناحية العدد، فلا حضور باهراً لأي من الوسائل الإعلامية، والأهم أنه لا يمكنك أن تركن إلى إحداها إذا أردت أن تتيقن وتتحقق من صحة خبر ما. بات مطلوباً وملحاً اليوم صبّ الجهود على إعلام يستطيع أن يوازي تضحيات السوريين، الذين دفعوا ما دفعوا في سبيل حرية القول قبل كل شيء. هذا أضعف الإيمان.

٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية