تشير كل الشواهد والظواهر والأدلة – في تقديرى على الأقل – على أن مصر بعد أن فشل نظام مرسي بامتياز، حيث كان الأمل معقودا عليه وعلى الاسلاميين المتحالفين معه في حكم رشيد أو أقرب الى الرشد، إذ كان هذا هو النموذج الأمثل ولكنه ضاع. كان لابد من ثورة جديدة على هذا الفشل، سواء كان مرسي أو غيره في الحكم، ليس هناك أي شيء شخصي، ولكنها مصلحة الوطن، واستعادة الأمل في تحقيق أهداف ثورة 25 يناير، التي بقيت في الانعاش طويلا، ثم عادت إليها الروح التي تمثلت في حركة أو ثورة الشعب يوم 30 يونيو 2013 بقيادة حركة ‘تمرد’، ثم تقدم الجيش لحمايتها وحماية الوطن من الفشل والانهيار، وحتى لا تتحول مصر الدولة العربية الأم، الى دولة فاشلة، بعد أن كانت توصف بالدولة العميقة، لا أجد حرجاً في قول ذلك مراراً وتكراراً، حتى تتضح الرؤية السياسية كما أراها فإن ثبت خطؤها تراجعت عنها الى ما هو صواب أو أصوب.
كان هذا هو السيناريو الثاني – دخول القوات المسلحة على الخط – الذي قرأته من وقت مبكر، وهو يتمثل في دخول القوات المسلحة الى الساحة السياسية والأمنية، كما فعل الجيش من قبل في يناير 2011، وقد تحقق ذلك الدخول وجاء في الوقت الحرج، ولم يكن هناك في مصر أي قوة أو حزب سياسي أو حركة – بعد الاخوان ومعهم الأحزاب الاسلامية الأخرى – تحظى بنظام وقوة وقبول في الشارع، تستطيع معه أن تتقدم لحماية الوطن من الفشل والانقسام، فكان البديل الطبيعي تقدم القوات المسلحة التي قال عنها ثوار 25 يناير 2011، ‘الشعب والجيش إيد واحدة’، رغم ان بعض الثوار في حالات الغضب من أداء المجلس العسكرى في الفترة الانتقالية كانوا يهتفون ويقولون: ‘يسقط يسقط حكم العسكر’.
انتهى حكم المجلس العسكرى، وانتهت الفترة الانتقالية بإيجابياتها وسلبياتها، ودخلنا مرحلة جديدة، ظن جميع الثوار والوطنيين الذين دعموا مرسي، أنها ستكون مرحلة بناء واستقرار، خصوصا في ضوء الوعود العديدة التي لم تتحقق كما ينبغى، وخاب ظنهم فقرر الشباب التمرد. كانت الغاية جميلة ومشروعة رغم ما يحمل الاسم من سلبيات.
أما السيناريو الثالث الذي لازلنا نخشاه، ويجب أن يخشاه كل مواطن حر – ليس في مصر وحدها، بل في العالم العربي والاسلامي – أقول يخشاه أي مواطن في مصر، انتخب مرسي أم لم ينتخبه، ثار ضد مرسي والاخوان أم لم يثر، يرى حركة الجيش ثورة أو انقلاباً، يتمثل ذلك السيناريو الثالث المخيف في الفوضى التي نرى جانبا منها اليوم في مصر. نراه بكل وضوح في سيناء، حيث يكاد يكون القتل في سيناء قبل الافطار في رمضان وجبة أساسية أو واجباً شرعيا، وكذلك الهجوم على الدوريات العسكرية والمقار والأكمنة ومقرات مديريات الأمن وأقسام الشرطة، ونراه عند الهجوم على الجنود عند المرور أو الانتقال من منطقة الى منطقة، حتى تحولت سيناء، خصوصا في رفح والعريش والشيخ زويد، الى بقع إرهاب تحتاج الى علاج سريع وحاسم، حتى لا ينظر العالم خصوصا أمريكا الى مصر على أنها دولة الرجل المريض أو البلد العاجز عن محاربة الارهاب وحماية حقوق وممتلكات الأقليات، ومن ثم يكون التدخل في شؤون مصر بمبررات، منها انتشار الارهاب والعنف، وهو السيناريو الأسوأ على الاطلاق. هذا السيناريو ليس بعيداً عن الواقع كما وقع في أفغانستان وباكستان والعراق والصومال، ونراه واضحا في سورية اليوم. العالم بشرقه وغربه في سورية – سراً أو جهراً – كما كان عليه الوضع في أفغانستان.
نراه أي الفشل أو الفوضى بكل وضوح، في حصار مديريات الأمن وأقسام الشرطة بالمحافظات، وفعاليات الاعتصامات غير السلمية أو التي يشوبها شيء من العنف في القول وربما العمل أو الفعل، كما في بعض كلام أو تصريحات اعتصامات رابعة العدوية والنهضة، ومحاولة إقامة اعتصامات دائمة أخرى في القاهرة وكل المحافظات، وهي جزء من خطة إخوانية أو من جعبة التحالف للدفاع عن الشرعية، التي انتقص سوء أداء مرسي والاخوان منها شيئا فشيئا حتى تلاشت تماماً لمن يعقل، حتى نقل الاعلام عن الدكتور محمد المصري قوله ‘ لن نفض الاعتصامات في رابعة أو النهضة أو المحافظات لا بالذوق ولا بالعافية ‘. هذا فضلا عن الشحن العاطفي والشعارات التي تقال على المنصة ليل نهار في منطقة رابعة العدوية، حتى تصور بعضهم أنهم في حرب بين الحق والباطل، أو بين مسلمين وكفار، قتلى المسلمين سيذهبون الى الجنة، وقتلى الكفار من الشعب المصرى أو بقيته سيذهبون فيها الى النار.
نرى الفوضى كذلك في التصدى للمظاهرات السلمية، أيا كان القائمون عليها وتحويلها الى مظاهرات أو اعتصامات غير سلمية. ونرى الفوضى في أحداث ومحاصرة مدينة الانتاج الاعلامي أو في الهجوم أو الافتراءات الاعلامية، نرى الفوضى في استغلال الاطفال والنساء وانتهاك حقوق الأطفال. نرى الفوضى في وضع قنابل ومتفجرات حتى في بعض المستشفيات، كما جاء في الأخبار عن مستشفى ناصر في شبرا الخيمة وغيرها، كما نرى الفوضى في بعض التغييرات العديدة في القضاء والنيابة والاعلام وغيرها، وكأننا في عزب إذا جاء صاحب العزبة الجديد يجب أن يكون هناك تعديل في كل شيء، كما نرى الفوضى في تشوية صورة ثورة 30 يونيو على بعض منابر المساجد التي ينتمى أئمتها وخطباؤها الى الحركات الاسلامية. نرى الفوضى في بعض الأقوال والتصريحات التي تتعلق بنقل أسلحة كيماوية وصواريخ من سورية الى أرض مصر الطيبة. نرى الفوضى في كثرة حيازة البنادق الآلية وغيرها من الاسلحة بدون ترخيص. نرى الفوضى تزداد حتى لا يحترم بعضنا بعضاً، إذا كنا نحب مرسي أو نكرهه أو نحب السيسي أو يبغضه بعضنا، ويدعون عليه لسوء فهمهم وقلة أدبهم، نرى الفوضى في سوء التأويلات للأحداث والوقائع والبعد عن الانصاف والموضوعية.
نرى الفوضى في العنف الطائفي في بعض قرى المنيا بسبب سخيف وغريب، يكمن في تشغيل أغنية تأييد الرئيس المعزول أو الهجوم على أدائه وعلى أداء الاسلاميين وسلوكهم. نرى الفوضى في تفجير أضرحة في وسط وشمال سيناء، وأيضا إلقاء الأطفال من أعلى المنازل، ونراها واضحة في انضمام عناصر من الجهادية السلفية الى المنصات وهم يرفعون أعلام القاعدة.
كل هذه الصور من الفوضى كانت خلاقة أم غير خلاقة تحتاج الى حسم حرصاً على ألا تتطور، فتذهب مصر الدولة والوطن الى مستقبل مجهول، فيقفز عليها المترصدون لها والمتربصون بها، تفتيتاً وتقسيماً وتهجيراً، وتنشغل الأمة بنفسها وبأحزانها، وتفرح إسرائيل بما يدور حولها من تدمير الجيوش العربية، خصوصا الجيش العراقي والجيش السوري والجيش المصري، وهو ما لا يقبله مواطن عاقل حر يحب وطنه كما ينبغي، ويضع المصلحة العليا للوطن ووحدته فوق كل اعتبار، وفوق كل مصلحة حزبية أو جزئية. ومن ثم كان تأييد السيسي والقوات المسلحة واجبا وضرورة في محاربة العنف والارهاب والحفاظ على الدولة ووحدتها. نحن نقف مع التخصص، في ضوء الديمقراطية المستوردة من الغرب، وأن الدولة يجب أن تكون مدنية ولا يتدخل العسكريون في إدارتها إلا فيما يتعلق بالقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات والاستطلاع، ولكن هذا الأمر غير واجب في ضوء الفهم الصحيح للاسلام.
فقد رأينا الخلفاء الراشدين حكاماً مدنيين، وفي نفس الوقت هم قادة عسكريون، يحكمون ويغزون إذا جاء موعد الغزو والجهاد في سبيل الله الذي جاء في احد معانيه في القرآن: ‘وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ’. مما يستوجب دعم الفريق أول السيسي والقوات المسلحة، في المهمة المستقبلية، ومنها مواجهة التدخلات الأجنبية أو توفير البيئة لهم بفشلنا وبتركيزنا على المصلحة الحزبية والجزئية حتى لو كانت إسلامية. هل تكون زيارة بيرنز وليون ومعهم العطية وزايد ومقابلتهم للمهندس خيرت الشاطر في محبسه جزءاً من السيناريو الثالث؟ هل تكون زيارة مكين وغراهام ليندسي اليوم استكمالا للمهمة الفاشلة وجزءاً من أسوأ السيناريوهات المتوقعة؟
هل تكون حملات ومطالبات إدارج الاخوان بعد أن كانوا في الحكم، على قائمة الارهاب في أمريكا جزءاً من السيناريو الأسوأ. ستظهر الأيام القليلة القادمة بقية السيناريوهات المتوقعة. نسأل الله تعالى العفو والعافية وأن يشرح صدورنا جميعا لندرك مصلحة الوطن الكلية ونحافظ على أمنه ووحدته، ونقف في المرحلة الانتقالية عند السيناريو الثاني ولو لفترة انتقالية ونتمنى له النجاح والتوفيق. وكل عام والجميع بخير.
والله الموفق
‘ كاتب مصري