الإقبال الكبير على شراء «شهادات الاستثمار» الخاصة بتمويل مشروع قناة السويس الجديدة؛ ظاهرة تستحق الاعجاب.. وعملا بقواعد المصارحة والمكاشفة نطرح سؤالا يشغل بال كثيرين عن مغزى التمويل بهذه الطريقة وليس بطريق الأسهم؟ وسبق مصر ومولت مشروع الحديد والصلب بضاحية حلوان القريبة من القاهرة بـ»الاكتتاب العام»؛ في خمسينات القرن الماضي.. وقيل أن السبب في الاعتماد على «شهادات الاستثمار» هو الخوف من تداول أسهم المشروع في البورصة وانتقال ملكيته إلى الأجانب، وإن بدا ذلك سببا منطقيا إلا أنه غير كاف.. فضوابط القانون تتكفل بحماية الملكية وحدودها وطريقة انتقالها إلى الغير، وإذا ما نص على عدم تداولها بين غير المصريين فليس هناك ما يمنع التمويل بطريق الأسهم، أللهم إذا كانت هناك تفاصيل غير معروفة للرأي العام.
وتعود ملكية المشروعات الاستراتيجية والحيوية إما للدولة أو للشعب عن طريق الأسهم، والصناعة العسكرية في مصر مملوكة للدولة. وكان من المتصور في باكورة مشروعات ما بعد ثورة 30 حزيران/يونيو أن تكون ملكا للمواطنين، في رسالة تقدير وطمأنة لضحايا التصفيات الواسعة للمشروعات والصناعات الكبرى، واختراع مسمى «مستثمر رئيسي» لنهب ونقل ملكية المال العام إلى الأجانب، ومن المفترض أن ذلك عصر قد ولى، وكان الواجب على الحكومة أن تقدر الملايين التي خرجت طلبا للحرية وكسر القيود، ومنها قيود الاحتكار وتركيز الثروة بين قلة القلة.
وما دامت الضوابط القانونية والإنسانية والأخلاقية ما زالت مرفوعة عن فوضى الملكية، كان على الحكومة الالتزام بالمصلحة العامة والخضوع لمقتضيات الأمن القومي والسلامة الوطنية.. واعتماد مشروع قناة السويس الجديدة على «شهادات استثمار» ذات العائد العالي بدا وكأنه مصادرة على حق مشاركة المواطنين في امتلاك هذا المشروع العملاق، مع ملاحظة أنه من المشروعات الخدمية وليست الإنتاجية.
ولنترك أمر قناة السويس الجديدة ونذهب إلى مشروع استصلاح مليون فدان؛ وهي حصة أولى من حصص أربع مقررة لاستصلاح أربعة ملايين فدان، خلال السنوات الأربع المقبلة، وتم التعامل معه بنفس النهج، وإذا كان مشروع القناة الجديدة لا يسمح للمواطن بالتملك، فإن النصيب الأكبر لمشروع «الاستصلاح» لـ»المستثمرين»؛ وقد كنت من بين من تصورونه مشروعا زراعيا إنتاجيا؛ يعيد التوازن إلى الخلل الموجود في توزيع الأراضي الزراعية، بعد أن أحيت النظم المتعاقبة على مدى أكثر من أربعة عقود؛ أحيت الإقطاع القديم وأسست لإقطاع جديد؛ وانتزعت أراضي صغار الفلاحين التي آلت إليهم بموجب قوانين الإصلاح الزراعي؛ وطردوا منها، وشُردوا من منازلهم، بجانب جرائم حقبة «الرئاسة الموازية» لجمال مبارك، وقد شهدت أكبر نهب للأراضي والأصول الخاصة والعامة، وظهور الإقطاع الجديد.
وتصورنا أن مشروع الاستصلاح ينتشل أولئك المظاليم ويعالج ما وقع عليهم وعلى أسرهم من أذى وعدوان؛ نقلهم من شريحة صغار الملاك «المستورين» إلى باحثين عن لقمة غالبا ما تكون مغموسة بالذل في مصر وخارجها.. وتصورناه مشروعا لتحرير أقنان الريف والمعدمين وصغار المزارعين من ربقة الإقطاعيين والمرابين القدامى والجدد.
كان على الحكومة ألا تغرقنا في أحلام «العدالة الاجتماعية» الغائبة، وتبادر بإنشاء شركات زراعية عملاقة تليق بمستوى «ملاك مصر» وبذلك توفي بالتزامها تجاه «المستثمرين» كالعادة؛ تستصلح لهم الأراضي، وتجهز مرافقها وبنيتها الأساسية؛ لإنتاج ما تطلق عليه وزارة الزراعة «محاصيل استراتيجية» وكثير منها يلبي احتياجات الدولة الصهيونية، فوزارة الزراعة «راعت مصالح إسرائيل» منذ أن تولاها يوسف والي.
واستشهد بتصريح كبير مسؤولي وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، وقد بثته وكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ) الحكومية مساء السبت 30/ 8/ 2014، ونقلته صحف وأجهزه إعلام مسموعة ومرئية.. مصرية وغير مصرية.. ونصه: «قال اللواء مجدي أمين، المدير التنفيذي للهيئة العامة لمشروعات التعمير التابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، إنه سيتم طرح 700 ألف فدان من أراضي الاستصلاح للمستثمرين ضمن مشروع المليون فدان المزمع استصلاحها كمرحلة أولى ضمن مشروع الرئيس عبد الفتاح السيسي لاستصلاح 4 ملايين فدان، حيث سيكون ثلثا المشروع من نصيب المستثمرين والثلث الآخر لشباب الخريجين وفئات المجتمع».
وأضاف: «ستكون بحق الانتفاع وليس البيع، بهدف زراعة محاصيل استراتيجية بالتنسيق مع وزراة الزراعة». ووصف الجزء الباقي بـ»الجزء الأهم وهو الـ20 و30% من الأرض ستطرح لشباب الخريجين بالقرعة العامة، وبالتقسيط على 30 سنة، وفترة سماح 3 سنوات»، مشيراً إلى «أن دراسات وزارة الزراعة توصلت لطرح مليون فدان جاهزة تمامًا للاستصلاح الزراعي في حوالى 11 منطقة؛ كـالمنيا وتوشكى وسيناء وشرق العوينات وغيرها»، وأكد على أن الدولة تقيم الطرق والمياه والكهرباء «حتى تيسر على المستثمرين سواء الشركات أو الشباب العمل في هذه الأراضي البعيدة».
ومن المعتاد أن يشتري الشباب القادر نصيبه من هذه الأراضي ثم يبيعها من الباطن أو يؤجرها، لأن الزراعة ليست مهنته ولا يرغب فيها، بينما المزارع والفلاح، الذي يحمل على كاهله مخزون آلاف السنين من خبرة أول مجتمع زراعي في التاريخ محروم منها..
إنها القسمة الضيزى؛ لصالح «المستثمرين»، الذين لهم كل الامتيازات ويحصلون على نصيب الأسد، فلهم 70% من مساحة المشروع، ولا يدفعون قرشا واحدا، فالتسهيلات المالية والمصرفية والقروض الميسرة متاحة، بينما مئات الفلاحين ينفذون أحكاما بالسجن لأنهم عجزوا عن الوفاء بديون «المرابين الجدد» ثم تتحول أراضي «المستثمرين» إلى استخدامات أخرى، وهذا حدث في السابق، ومن المتوقع تكراره، وذلك بنفوذ شبكات المصالح وقوة منظومة الفساد، التي قويت واستشْرت.. ولا عزاء للغلابة والفقراء والمعدمين، وهكذا يزداد حال الفلاح بؤسا، بعد أن سُرقت ثورة يناير، وما زالت ثورة يونيو تترنح بحثا عن حائط تستند إليه!.
وبهذا يحقق الطابور الخامس نجاحاته في «تدوير» النظام القديم وإعادة إنتاجه، واستحضار صفوفه التالية وخلاياه النائمة، والنتيجة اختيارات فاشلة، والكل سيدفع الثمن بمن فيهم الرئيس السيسي، الذي ننتظر منه الرد على سؤال من المسؤول عن تنصيب المقاولين وأصحاب الشركات والمستثمرين؛ تنصيبهم سياسيين وحكاما وأصحاب قرار؟ وكأن مصر لم تمر بأسوأ وأسود فترة في تاريخها تحت حكمهم.
ألا يعلم الرئيس السيسي هذا؟ ألم يطلع على ما بثته وكالة الأنباء الحكومية على لسان «كبير» الهيئة العامة لشئون التعمير؟ وعلى أي أساس تمنح لهم المناصب التنفيذية والحكومية في هذه الظروف الصعبة؟ وما هذه الثورة التي تسلم قيادها لأعدائها «تسليم مفتاح»؟ فيزداد إذلال وقهر المعدمين والفقراء ومحدودي الدخل.
ونفس النهج امتد إلى اختيار المستشارين العلميين والخبراء، وهم أقرب للمستثمرين وأصحاب الأعمال؛ إذا ما استثنينا البعض مثل مجدي يعقوب.
والسؤال هل كل ذلك التدليل لـ»المستثمرين» لكونهم مواطنين أرقى أما الآخرون فهم مواطنون من الدرجة الثانية. ألا يستوجب ذلك فتح ملفات الاستثمار والمستثمرين في مصر المحروسة.. لعل وعسى!!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب