مصر: تهمة الاخونة سياسة رائجة

حجم الخط
0

د. صفوت حسيناستيقظت من النوم فزعا وأنا أردد أخونة.. أخونة.. أخونة.. وقلت في نفسي سامح الله أجهزة الإعلام المختلفة التي تتحفنا من آن لآخر ببعض مصطلحاتها التي تصم أذاننا ليلا نهارا حسب طبيعة كل مرحلة فمن الاستئثار إلى السيطرة والتكويش إلى المصطلح إذا اعتبرنا هذا مصطلحا – الأثير هذه الأيام وهو الأخونة وهو مصطلح يضاف إلى سلسلة من المصطلحات والتعبيرات التي لا نعرف لها معنى أو مدلولا محددا متفقا عليه في إطار أزمة فوضى المصطلحات التي نعيشها والتي يلح الإعلام في استخدامها وترديدها عن عمد حتى ترسخ في أذهان الناس وتتناقلها الأفواه والأقلام.ولذلك من المهم التوقف عند ما يسمى بالأخونة وتحرير هذا المعنى نظرا للبس، والخلط المتعمد بين الخطأ والصواب في استخدام هذا التعبير من جانب بعض المثقفين ومن يطلق عليهم النخبة لإثارة الفزع بين الناس وتوظيفه لخدمة أهدافهم السياسية في مواجهة خصومهم الإسلاميين. فعندما يخرج بعض السياسيين، وبينهم أساتذة للعلوم السياسية ليتحدثوا عن الأخونة من خلال الحديث عن عدد الإخوان الذين يشغلون بعض الوزارات، وعدد المحافظين المنتمين إليهم واعتبار ذلك دليلا على الأخونة فإن ذلك يدخل في باب التدليس والتضليل ولا يمكن التعامل معه من منطق عدم العلم أو الوعي فلا أعتقد أن أستاذ العلوم السياسية المرابط في الفضائيات ليل نهار يجهل أبسط قواعد الديمقراطية التي يدرسها لطلابه في محاضراته وكتبه، والتي تعطي حزب الأغلبية الحق في تشكيل الحكومة اللهم إلا إذا كان تم التوصل إلى نظرية مصرية حديثة نجهلها ويجهلها العالم الديمقراطي بأسره تقوم على أن حزب الأغلبية يملك ولا يحكم على غرار الملك يملك ولا يحكم في الملكيات الدستورية، وأن على الحزب الذي فاز بثقة الناس في برنامجه وحصل على الأغلبية أن يتنحى جانبا وأن يستعين بآخرين لتنفيذ برنامجه.والغريب في الأمر هو رضوخ البعض ممن ينتمون للاتجاه الاسلامي لسياسة الابتزاز والاستهبال التي تمارسها بعض القوى العلمانية واليسارية والليبرالية فينكرون ما يسمى بالأخونة، وأنه لا وجود لها وأن عدد الوزراء من الإخوان لا يتجاوز خمسة وعدد المحافظين لا يتجاوز أربعة، بينما القوى الأخرى ترد بالحديث عن أهمية الوزارات التي يشغلها الإخوان بالرغم من قلة عددها، وكذلك بنوعية المحافظات التي تولاها الإخوان وأن بعضها لم يصوت للدكتور مرسي في انتخابات الرئاسة بينما انشغل البعض الآخر بحساب عدد الإخوان بطريقة أخرى فاكتشفنا أن كل من ربى لحيته أوظهرت زبيبة الصلاة في جبهته، أو ارتدت زوجته أو بناته الحجاب، أوغير ذلك من مظاهر التدين هو من الإخوان.إن هذا المنطق في الدفاع عما يردده البعض عن الأخونة يبدو في أذهان الناس بأنه يسلم بهذه الدعوى فماذا لو شكل الإخوان الوزارة بأكملها وهذا حقهم إذا فازوا بالأغلبية، وماذا سيكون ردهم على تلك التهمة في هذه الحالة؟. يجب التأكيد على قواعد الديمقراطية التي يعلن الجميع التسليم بها، والتي تعطي الأغلبية الحق في تشكيل الحكومة، وتعيين المحافظين في النظم التي لا تأخذ بنظام الانتخابات في اختيار المحافظين، وكذلك المستشارين وكبار موظفي الدولة في الوظائف ذات الطبيعة السياسية والتي تأتي مع حزب الأغلبية وتذهب معه. أما وظائف الجهاز الإداري للدولة فينبغي أن تظل بعيدة عن المنازعات الحزبية، ولا تتأثر بتغيير الحكومات كما كان يحدث قبل ثورة يوليو فعندما كان يأتي الوفد إلى الحكم كان يأتي برجاله وينكل بالموظفين المنتمين للأحرار الدستوريين والسعديين ويحدث العكس عندما يأتي الدستوريون أو السعديون، ومن المهم هنا الإشارة إلى ضرورة وضع معايير وضوابط قانونية عند اختيار القيادات الإدارية بالدولة بصورة تكفل وصول الكفاءات لهذه المناصب بعيدا عن المحسوبية والانتماء للحزب الحاكم كما كان يحدث في النظام السابق حيث مازالت العناصر التي عينت في ظل فساد النظام السابق تتحكم في مفاصل الدولة وتمثل أحد العوامل في إعاقة تحقيق أهداف الثورة، وشعور الناس بأن هناك تغييرا حقيقيا قد حدث. فليس من الديمقراطية في شيء أن يفرض على الرئيس أن يأتي بوزراء أو محافظين يخالفون توجهاته ومعتقداته السياسية والفكرية، أو أن يفرض عليه أن يأتي بكوكتيل من المستشارين ذوي التوجهات المختلفة بل الواجب أن يتحمل حزب الأغلبية المسؤولية كاملة وأن يتحمل نتائجها سلبا أوإيجابا ولا تكون هناك أمامه فرصة للتملص من المسؤولية بذريعة أن الحكومة لاتعبر عنه وأنه لايملك إلا عددا محدودا من الحقائب الوزارية. فالأخونة بهذا المعنى ليست تهمة حتى يسارع البعض إلى نفيها بل هو حق ديمقراطي للإخوان يجب التمسك به كما هو حق لأي حزب يحصل على الأغلبية في أي انتخابات قادمة.هذا هو جانب التدليس والتضليل الذي يمارسه البعض ممن يرفعون راية التحذير من الأخونة أما الجانب الذي يجب التوقف عنده ومناقشته بكل الجدية فهو التحذير من محاولة أخونة الدولة خاصة المؤسسات ذات الطبيعة القومية للدولة والتي تشكل أعمدتها الأساسية مثل مؤسسة الجيش والمخابرات العامة والداخلية والقضاء بالإضافة للأجهزة الرقابية وهي مؤسسات ينبغي أن تظل بعيدا عن المنازعات السياسية والحزبية ولا تتأثر بتغير الحكومات المختلفة والتي يمنع القانون اشتغال أفرادها بالعمل السياسي فمحاولة أي حزب أيا كان اسمه سواء كان في المعارضة أو الحكم اختراق هذه المؤسسات ستكون له عواقب وخيمة سواء على الدولة أوالحزب الذي يحاول ذلك،والنماذج التاريخية كثيرة في هذا الصدد. فالحديث عن الأخونة هنا هي التهمة التي يجب التصدي لها وتفنيدها إلا أنه ينبغي في هذا الصدد التأكيد على الحق الكامل لأبناء الإخوان وغيرهم من الفئات التي كانت تعاني من الاضطهاد والتمييز وتمنع من الالتحاق بهذه المؤسسات سواء عند الالتحاق بالكليات أو عند التقدم لشغل وظائف بها من العمل بهذه المؤسسات مادامت تنطبق عليهم الشروط المطلوبة.تبقى بعض الأجهزة والمجالس والمؤسسات التي دار حولها جدل كبير خاصة في مجال الإعلام مثل المجلس الأعلى للصحافة، ومؤسسات الصحف القومية ،واتحاد الإذاعة والتلفزيون والمجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للمرأة وغيرها من تلك المؤسسات وأعتقد أن هذه المؤسسات لا يجب أن تخضع لسيطرة أي تيار، أو قوى بعينها وأن يغلب عليها الطابع القومي، وهذه المؤسسات تنقسم إلى قسمين الأول يجب إلغاؤه، وإيجاد بديل له مثل المجلس الأعلى للصحافة الذي دعا حزب الحرية والعدالة في برنامجه لإلغائه ونقل اختصاصاته لنقابة الصحافيين، وكذلك المؤسسات الصحافية التي دعا لبيعها أو نقل ملكيتها لهيئات عامة أوتملك العاملين بها، وأيا كان الخيار بالنسبة للمؤسسات الصحفية فلا ينبغي أن تظل تابعة لمجلس الشورى ويجب البحث عن بدائل أخرى مثل إنشاء مجالس وطنية للإعلام والتلفزيون يتم اختيار أعضائها بعيدا عن سلطة الدولة وفق المعايير المتبعة في الدول الديمقراطية ويجب أن تكون التعيينات الأخيرة لهذه المؤسسات من جانب مجلس الشورى هي المرة الأخيرة، وأن ينص الدستور الجديد على المؤسسات الجديدة واستكمال ذلك بالتشريعات القانونية اللازمة من البرلمان القادم ويجب أن يتبع في المؤسسات الأخرى القائمة كالمجلس القومي لحقوق الإنسان والقومي للمرأة معايير وأليات موضوعية لاختيار أعضائها والاسترشاد في ذلك بتجارب الدول الأخرى.’ استاذ التاريخ الحديث في جامعة دمنهور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية