د. يحيى مصطفى كامل تعيش مصر لحظةً حرجةً وعصيبة… لحظةً حاسمة… يجد الشعب المصري نفسه فيها على مفترق طرقٍ حقيقي لا مجازي سيرسم شكل البلد والمنطقة والعالم لعقدٍ وربما أكثر من الزمان، فالخيار هنا يتعلق بنظرتين وأسلوبين للحياة وتقييمين للذات بميراثها الحضاري والآخر وكيفية التعاطي مع الواقع ومتغيراته تحليلاً وتفاعلاً ومن ثم تغييراً… كما أنها تشكل نقطةً فاصلةً بين القبول بإنشاء مجتمعٍ منفتحٍ يقبل الاختلاف بكل أطيافه وتداول السلطة على إطلاقه، وبين مجتمعٍ يضع قيوداً تتكاثر وفق نصٍ يرسخ ويكرس مبدأ ‘تفريخ’ الحدود و’الخطوط الحمراء’ والمحظورات.إلا أنها بالإضافة إلى ذلك لحظةٌ مجيدة في تاريخ مصر، حيث أننا نرى أمام أعيننا دون أدنى شك ميلاد مجتمعٍ جديد، حر يعرف التنوع ولا يقبل الوصاية ولا تنطلي عليه الأكاذيب، وعلى الرغم من سرعة وتيرة الأحداث المجنونة والتصعيد الذي لم يعد يعرف حداً ولا سقفاً، فإن عدداً مهماً وجوهرياً من المتغيرات طرأ على الساحة وعلى المعادلة السياسية في مصر:أولاً: لقد سفكت دماء غزيرة، وسقط شهداء، وعلى الرغم من الاتهامات المتبادلة، فإن كثيراً من الشواهد والمؤشرات تدل على بدء التيار الإسلامي بالعنف المتعمد لاقتلاع المعتصمين السلميين أمام قصر الاتحادية… فيما مضى، في أخريات أيام مبارك، وخاصةً في أيام الثورة كان البادئ والمعتدي نظاماً مجرماً ثار عليه المصريون، أما الآن فإن الشعب انقسم على نفسه واستساغ بعض أفراده استخدام العنف حد القتل ضد خصيمه السياسي، هذا مع التذكير بأن مصر عرفت فيما مضى الاغتيال السياسي ولكنني أزعم أن تلك المواجهات العنيفة بين شعبٍ انقسم على نفسه جديدة عليها، على الأقل في تاريخها الحديث.ثانياً: فيما يتعلق بالتيار الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين تحديداً فليس هناك أدنى شك في كونها تعيش أزمةً حقيقيةً بكل معاني الكلمة مردها إلى سوء تقديرٍ للواقع الشديد السيولة وفهم متغيراته، فالجماعة التي تمرست في التعايش القلق مع نظام مبارك لم تكن تراهن على ثورةٍ أو تنتظرها وإنما فوجئت بها تماماً شأنها شأن بقية الطبقة السياسية (إذا جاز لنا أن نستعمل هذا التعبير)، إلا أنها بعد انضمامها لركب الحراك الثوري إدراكاً منها لحتمية سقوط مبارك استفادت من مزية تواجدها الممتد في الشارع عبر تنظيمها المحكم الذي اثبتت الأيام أنهم يستطيعون الاعتماد عليه مقارنة بضعف وحداثة عهد الكثير من الفصائل المدنية التي كانت آخذة في التشكل حينذاك، لكن ما يقرب من السنتين مرتا منذ تلك المرحلة، ولما كان الوعي يتطور في وثباتٍ زمن الثورة، فإن الشارع الذي اعتادت الجماعة على احتكاره لم يعد وقفاً عليها (خاصةً بعد ما وجهه النظام من ضرباتٍ موجعة للتنظيمات الأعنف كالجهاد والجماعة الإسلامية الأمر الذي أدى إلى تقليم أظافرها) وإنما ظهرت على وجه الحياة العامة والسياسية قوى أخرى ذات مرجعيةٍ مدنية تنافس ذلك الحضور الإخواني… أهم من كل ذلك، لم يفطن قياديو الجماعة إلى كون وجودهم شبه المتفرد على زمن مبارك كان مشروطاً بوجود ذلك الرجل البطيء الإيقاع ذي النظام المترهل الذي يعتمد على تجميد الصراعات وعلى تعميم الكذب، أما الآن فإن المعادلة قد اختلفت بعد اكتشاف الجمهور حقيقية الفقاعة والأكذوبة الكبيرة التي كانوا يعيشون فيها، خاصةً وأن انتقال الإخوان من مجرد لاعب سياسي إلى جماعة حاكمة لم يكن سلساً بالمرة، وإنما فضح عدم استعدادهم فضلاً عن انحيازهم الفج لنفس نهج مبارك الاقتصادي والطبقي وتخبطهم الذي عبر عن نفسه في القرارات التي تتخذ ليلاً ليُرجع عنها نهاراً. إن كل ما سبق مهد لردة الفعل العنيفة من قبل الجمهور على محاولات الاسستئثار بالسلطة من قبل الجماعة والتيارات الإسلامية الأخرى، الأمر الذي لم تفهمه الجماعة وإذا بنا أمام عددٍ من التصريحات يصدر عن كوادر عديدة بعضها لا صفة رسمية له مما يؤكد ارتباكهم الشديد وشعورهم بأنهم أقرب إلى أن يكونوا ‘محاصرين’، ونستطيع أن نجزم على ضوء تلك التصريحات بأنهم لن يتحلوا بأية ‘روح رياضية’ إذا ما حيل بينهم وبين الوصول إلى السيطرة التامة على الدولة، بل على العكس من ذلك فعلى الأغلب سيزيد ميلهم للعنف وانزلاقهم إليه بغض النظر عن تأكيدات بعضهم عن حرصهم على النأي عنه.ثالثاً: لقد أكدت حالة الانقسام والاستقطاب تلك الميل المتأصل للإقصاء لدى تيارات الإسلام السياسي واستعدادهم العميق للجوء إلى العنف والتصعيد والتهديد، خاصةً بعد ضرب المعتصمين واقتلاعهم من محيط قصر الاتحادية، وجاء انسحاب العديد من مستشاري الرئيس ‘المدنيين’ ليهشم تلك المحاولة الهشة للتظاهر بالديمقراطية وتقبل التعددية، لا سيما حين أكد بعضهم أن الرئيس لم يكن يستشرهم وأنهم لا يعلمون من يستشير ولا آلية اتخاذ القرار….و لا يخفى بالطبع ما في ذلك من لمزٍ للجماعة. رابعاً: تعيش أطياف وفصائل المعارضة المدنية معجزةً حقيقية تتمثل في توصلهم إلى بلع الكثير من خلافاتهم ليتفقوا على توحيد صفوفهم من أجل الوقوف في وجه القوى الإسلامية، وقد برهنوا بصورةٍ مدهشة على التطور المذهل على مقدرتهم على الحشد بصورةٍ تكاد توازي مقدرة تلك القوى بما يتيح لنا الحديث عن بديلٍ آخر واقعي وملموس أمام الشعب المصري بعيداً عن ثنائية العسكر-الجماعات الدينية المريرة التي شكلت خلفية الحياة العامة طيلة ما يزيد على الثلاثة عقود.خامساً: صرحت القوات المسلحة بأنها لن تضرب مواطنيها وبأنها ستنحاز للشعب… لست أبالغ إذا قلت أن قطاعات تتزايد ترى في المؤسسة العسكرية مخلصاً، لكن في رأيي أنه لم يحن الوقت بعد للحديث عن تحركٍ حاسمٍ لها…بالتأكيد أن قادتها وضباطها يراقبون الأحداث والعنف المتصاعد عن قربٍ وبقلق، إلا أنهم على الأغلب لا يمتلكون الجرأة أو المبرر الكافي بعد للتحرك، ومن يدري، لعلهم يرقبون لحظةً مناسبة حين يجأر سواد الشعب من الفوضى والعنف إذا ما استمر.تعيش مصر لحظة مخاضٍ حقيقية، بكل ما تحتمل الكلمة من ألمٍ ودماء، ويقيناً أن معطيات المجتمع الجديد وقواه ستختلف عن السابق وإن كانت لم ولن تتخلص من ميراثه سريعاً، فالقوى الإسلامية على سبيل المثال سوف تظل لاعباً أساسياً على الساحة، لكنها لن تكون اللعب الوحيد ولا الأكبر. فقط الدكتور مرسي يملك القدرة على نزع فتيل الأزمة بمحاولة تقديم شيءٍ للمعارضة على سبيل التوافق، وإلا فلا يستطيع أحد أن يتكهن بدقة بما ستؤول إليه الأمور، الأكيد أنها ستسير إلى المزيد من الصدام والعنف المتبادل مع احتمال سقوط المزيد من الشهداء.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير