بعيداً عن نظرية ‘الأمل’ في النور الذي ينتظر في نهاية النفق، التي قد يكررها قلة من المواطنين الأكثر تفاؤلاً كتميمة أو استدعاءٍ متوسلٍ، يحاول التصديق بإمكانية، بل حتمية المستقبل الأفضل، فلا أعتقد أنني أبالغ في أن الغالبية قد سئمت وتملك منها اليأس والقرف من مجمل الأحداث، وقليلون هم أولئك الذين يملكون من الإرادة والصلابة ما يكفي لحمل أنفسهم على متابعة مجريات الشأن العام عن كثب والاهتمام بها… فالنفق طويل بصورة مجهدة، وكلما تصور الناس أن نهايته قد اقتربت فاجأتهم الأحداث بما يثبت عكس ذلك، والكل لا حديث له سوى عن فقدان الأمن وتقصير الداخلية، خاصةً في سياق الهجوم البشع الأخير على كنيسة الوراق، الذي ينضم إلى سلسلة من الأعمال الإرهابية الأخرى، ولئن كان هناك من يحمل الإخوان مسؤوليتها فما تفسير غياب الداخلية على مستوى تنظيم المرور والتصدي للسرقات الخ؟ لقد وُعد الناس بعودة الأمن والانضباط النسبي إلى الشارع وانتظروه كـ’دفعة أولى’ أو ‘أول الغيث’ من الاستحقاقات الشعبية المتأخرة التي قامت من أجلها الثورتان، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث وليس من إيحاءٍ بقرب حدوثه، حتى بعد كتابات وتصريحات بعض الصحافيين والمعلقين التي تصل حد الاستجداء لرجال الشرطة، والدفاع عنهم وطلب الصفح منهم، كأنهم لم يجرموا ولم يتعدوا من قبل أبداً، أو من باب ‘عفا الله عما سلف’، وهو الأمر الذي دفع ببعض الشرفاء من الكتاب الأوفر شجاعةً باتهام الشرطة بمعاقبة الشعب على تجرؤه على القيام بثورة في المقام الأولي.
ليست المرة الأولى التي أكتب فيها أن فشل الإخوان في الإدارة ناهيك عن إقصائهم الجميع أديا إلى ثورةٍ شعبيةٍ هادرة في 30 يونيو، فنزلت الجماهير تستدعي الدعم من الجيش، بعد أن هتفت مطالبةً بسقوط حكم العسكر قبل ذلك التاريخ بما لا يزيد على العام ونصف العام، وفرحت بذلك.
على نفس المركب قفز الفلول وأعداء الثورة والمتعالون على فكرة وجود شعب، ناهيك عن إمكانية حراكه، ولم تلتفت الغالبية إلى حقيقة التاريخ المتشابك للنظام، منذ السادات مع الجماعة وسائر فصائل الإسلام السياسي اليمينية، نظراً لما بين الفريقين من التماهي في الانحيازات الطبقية، وبالتالي الاصطفاف والرهان على الولايات المتحدة الأمريكية، فما اتفاق الاثنين على ذلك سوى تنويعٍ على نغمٍ واحد مع فوارق في المزاج والأداء؛ لم يعد خافياً أن دولة مبارك على فسادها كانت عليمةً خبيرةً متمرسةً متمكنةً من إدارة مرافق ومفاصل الدولة، فضلاً عن مؤسسات القوة متمثلةً في الجيش والشرطة، بالإضافة إلى ما تميزت به من التساهل والتفتح في ما يخص دائرة الحياة الخاصة للمواطنين وسلوكياتهم، وهو ما يتعارض مع عقلية وإيديولوجية الإخوان التي لا تستطيع أن تتصور المجتمع، من دون إطار نمطٍ ضيقٍ معين يتصورونه مثالياً في كل ما يتعلق بسلوك الإنسان… لقد لفظت البيروقراطية المصرية الجماعة لما أبدته من جهلٍ مدمرٍ بكيفية الإدارة، ناهيك عن محاولات ‘الأخونة ‘ التي لاقت رفضاً وأثارت نفوراً جارفاً، كما اختار الشعب المصري الحرية والانفتاح النسبي للعسكر في المجال العام مع وعدٍ باستعادة ‘الحكم المدني لاحقاً.. أي اختاروا المر فراراً من الأمر.
غير أن المشكلة الحقيقية والمؤلمة في رأيي الخاص تكمن في أن غياب الأمن ذاك والحوادث الإرهابية المتكررة، واستمرار المواجهات الأمنية في سيناء تكرس لأمرين مترابطين يضربان في مقتل جوهر عملية التغيير الثوري، فمن ناحية وأمام كيان الدولة المهدد بالتمزق والانهيار الذي لن يفتح الباب إلا للمزيد من الفوضى المدمرة في نظر الغالبية الساحقة، تراجعت المطالب الاجتماعية والاقتصادية لشعبٍ منهك تماماً، وعلى طريقة ‘لا صوت يعلو فوق صوت المعركة’ خفتت، أو لنقل ضاعت الأصوات المطالبة بتغيير البنية الاجتماعية، هدف الثورة الأساسي، في ضجيج الرصاص والاتهامات؛ ومن ناحيةٍ أخرى، لقد جر الإخوان الثورة والمجتمع ( كما فعلوا منذ نشأتهم في حقيقة الأمر) إلى صراعات هوية شقت طبقات المجتمع طولياً بما هوعكس الطبيعي والمتوقع، فترى الأخ مقاطعاً أخاه، وتجسد رد الفعل على شوفينيتهم الإقصائية المقترنة بالعنف والفشل في شوفينية قومية متعصبة، حادة وشرسة لشعبٍ منهكٍ محبطٍ تشعره تعديات الإرهاب بالإهانة العميقة في كرامته الوطنية المتورمة أساساً.. حتى كرة القدم التي علق الناس عليها الآمال علها تضمد جراحهم الوطنية وتبعث فيهم شيئاً من الشعور بالنجاح والاعتزاز والتحقق، مُني الفريق ‘القومي’ فيها بهزيمة مهينة فوق كونها ساحقة… وها هم الكثيرون من هذا الشعب الآن يخلقون أسطورة الجنرال البطل ‘المخلص’ منتظرين منه المعجزة والخلاص من كل معاناتهم وهزائمهم التي لم تنته مع الثورة، بل زادت إحباطاً.
المحصلة لكل ما سبق أننا أمام شعبٍ شديد الإرهاق والعوز، قام بثورتين من دون تحقيق مكسبٍ ماديٍ واحدٍ يوحد الله، بل على العكس من ذلك، فالنظام القديم (الذي لم يسقط في حقيقة الأمر) يستغل جرائم الإرهابيين وانتحارية الإخوان في تثبيت مواقعه ويكللها بسرديةٍ جديدةٍ، بل ‘ملحمة’ بطولة الجيش الباسل والجنرال القائد الوطني.. أما الاستحقاقات الشعبية فمؤجلة إلى حين ميسرة بعد استتباب الأمن والقضاء على الإرهاب ولا تطالب بها سوى مجموعة من الأصوات المبحوحة.
هكذا إذن…ثورة من دون حكم ثوار، إرهابيون يجرمون وشعبٌ يضحي ويدفع الفاتورة.. والنظام يترسخ.
ثورتان من دون مكاسب اجتماعية.. كل الأحلام والطموحات مؤجلة والأمل في تحقيقها عن طريق الإصلاح المتدرج عبر البرلمان فصالاً وتسولاً.
لا يستطيع أحدٌ كائناً من كان التنبؤ بمصير ذلك الصراع بين الإرهاب والجماعة وأذنابها والنظام، وهي الأمور التي ستشكل مجمل الصورة بتداعياتها على الحراك الشعبي ومطالبه في المستقبل القريب، إلا أننا نستطيع أن نجزم بثقة ونحذر من أن أية فقاعة نجاح وبطولة أوأسطورة جديدة قابلة للسقوط السريع المدوي والتحطم في المناخ الراهن، فنمط البطء قد انكسر، وقد شاهدنا جميعاً أمثلةً عديدة على صعود وانهيار نجومٍ في فترةٍ وجيزة زمنياً، جراء ما اُعتبر في حينها غلطةً قاتلة (بغض النظر عما يكون لنا من رأيٍ فيها) ولعل أقرب مثالٍ على ذلك هو د. البرادعي… كما أن الأكيد أن الصراع الاجتماعي لم يحسم بعداً وأنه في غياب مكاسب شعبية فلن تكون 30 يونيو آخر الثورات.
‘ كاتب مصري