مصر ثورة في الثورة… وكفى الأخوان تصعيدا

حجم الخط
2

هستيريا حادة، بهذا يمكن وصف حالة الاخوان المسلمين بعد تنحيتهم عن الحكم! ما جرى هو ثورة تجديدية لثورة 25 يناير. ما جرى ليس انقلابا وانما تصحيح وضع شاذ. الجيش لم يتسلم السلطة بل أحالها الى رئيس المحكمة الدستورية وهو مدني. الأخير أصدر اعلانا دستوريا سمّى القضايا بأسمائها وتواريخها. بضعة شهور فقط ومن ثم تعود مصر الى سابق عهدها، بالتالي فأين هو الانقلاب؟ نعم سقطت دولة الإخوان في مصر إلى غير رجعة. هؤلاء الذين اختطفوا ثورة 25 يناير بعد أن ركبوا موجتها متأخرين، وكانوا قد عادوا من اجتماع مع ممثل مبارك، عمر سليمان للتوصل الى حل بدون التغيير. استغلوا الثورة ليقيموا دولة الاضطهاد والدكتاتورية، وليقيموا نظام الاستئثار وإقصاء كل الآخرين، وأخونة المناصب. سقط حكم المرشد العام الذي عيّن مندوباً له في قصر الاتحادية. لم يصدقوا أنفسهم أنهم استولوا على السلطة بمساعدة الصديق الأمريكي بعد مباحثات طويلة أفضت معه إلى اتفاق، يفعلون بموجبه كل ما يُرضي السيد الأمريكي وحليفه الاستراتيجي، الدولة الصهيونية، فأعلنوا تمسكهم الدائم باتفاقيات كمب ديفيد، وأصبح رئيس دولة الكيان، الصديق العزيز لمندوبهم في قصر الاتحادية. الأخوان لم يمتلكوا مشروعا سياسيا للنهوض بمصر، بل أرادوا تفصيل مصر على برنامجهم الخاص من خلال أخونة الدولة، بالتالي انكشفوا أمام الذين انخدعوا بهم، لذا فشلوا فشلا ذريعا في كل شيء، وأصبح الطلاق بينهم وبين الجماهير مسألة موضوعية، طبيعية، ممكنة الحدوث، وهذا ما حصل .
تلقوا الأوامر من واشنطن، ونالوا رضا أوباما، بعد أن قام مرسي بتشديد الحصار على قطاع غزة وإغراق الأنفاق بالمياه العادمة، وتنكروا لشعاراتهم السابقة بإزالة ‘الدولة الإسرائيلية’ و’خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود’. خلال سنة واحدة من حكمهم الأسود، زادت مديونية مصر وأصبحت ذات أرقام فلكية، زاد الجوع وتصــــاعد عجز الميزانيـــة، أنهكوا الاقتصاد المصري، وتفشّت البطالة بين المصريين وتزايد الفقــــر، لذا ليس غريباً أن يقول استطلاع للرأي أُجري في مصر مؤخراً، وقام به المركز المصري لبحوث الرأي العام ‘بصيرة’ لصالح قنــــاة ‘الحياة مصر’ ونشر الثلاثاء في الثاني من يوليو/تمـــوز الحــــالي، لمعرفة آراء المصريين بعد عام من حكم الرئيـــس المصـــري والإخوان: بأن 73′ من المصريين يرون أن مرسي لم يتخذ أي قرار جيد خلال عامه الأول في الحكم، فيما رأى 63′ أن أحوالهم المعيشية ساءت كثيراً.
يتمسك الإخوان ومندوبهم في منصب الرئيس، الذي اعتقد ومارس أنه رئيس على جزء من المصريين، وليس كلهم ‘بالشرعية الانتخابية’! ألم يدركوا أن كافة القوى الديمقراطية والوطنية والقومية الناصرية، صوتت إلى جانب مرسي في محاولة لاستبعاد مرشح الفلول. لمّا فاز مرسي تنكر لكل وعوده السابقة مثلما الإخوان، تنكروا لشهداء ثورة 25 يناير، وأداروا ظهورهم لكل القوى الأخرى، وراحوا ‘يسلقون’ دستوراً على هواهم من أجل تمكينهم في الحكم. حاصر بلطجية الإخوان المحكمة الدستورية، وحاول مرسي تفتيت النظام القضائي المصري والتعدي على صلاحياته، ولم يستطع. حاولوا التسلل إلى الأزهر وعينوا الإخوان في غالبية مناصب المحافظين للمناطق، جاءوا بمسؤولين غير أكفاء (كفاءتهم تتلخص فقط في أنهم إخوان) إخوانيين ليسيطروا على الدولة. القطط السمان في عهد مبارك جرى استبدالها بقطط الإخوان السمان كثيراً، الذين استولوا على ثروة مصر.
استهزأوا بالزعيم الخالد جمال عبد الناصر، عندما تحدث مرسي عن فترة الستينيات بهزءٍ كبير من خلال القول: ‘الستينيات وما أدراك ما الستينيات’. اتهم العريان عبد الناصر بتهجير اليهود المصريين إلى دولة الكيان الصهيوني وطالب بإعادتهم، رفعوا مسؤولية الحكومة عن ضريح عبد الناصر، وفنّشوا الموظفين المكلفين بالعناية بالضريح. انطلقوا في كل قراراتهم وسياساتهم من الحقد الأسود والتنكر للزعيم الخالد، تقزّمت مصر في عهدهم، وأصبحت مثل أي دولة صغرى بعد أن كانت زعيمة العالم العربي والمنطقة وافريقيا، وكانت ذات تاثير كبير على الصعيد الدولي، لأنهم ذوو أفقٍ ضيّق صغّروا وزن مصر، كان شعارهم بالنسبة للقوى الأخرى تصفوياً ‘أقتل واحد… أقتل مية….مش حنسيبها للحرامية’.
اكتشف المصريون حقيقية الإخوان خلال سنة واحدة فقط من حكمهم. سنة من الفشل والأوهام والادعاءات المزيفة، احتكروا الدين الإسلامي الحنيف ووظفوه من أجل مصالحهم الخاصة، وليس من أجل مصلحة المصريين، وظفوه من أجل إقصاء كل القوى الأخرى التي اعتبروها (عدّوة) لهم. لقد صعّد الأخوان المسلمون الوضع وجعلوه أقرب الى الاقتتال الداخلي والحرب الاهلية. نعم لقد قاموا بقتل الأبرياء بالقرب من جامعة القاهرة. لقد قذفوا بثلاثة أطفال من سطح بناية عالية وداستهم أقدام من كانوا بانتظارهم من الاخوان تحت البناية. توفي طفلان وأصيب الثالث بجروح خطرة. بالإثباتات والأشرطة التي أظهرها الجيش، تبين استخدام مؤيدي مرسي للمسدسات وقنابل المولوتوف. أيضا لقد قدم الجيش الأدلة لهجوم جماعة ارهابية على دار الحرس الجمهوري، مما أدى الى وفاة ضابط ومجند واصابة ستة جنود بأصابات خطرة. ونتيجة الاشتباك قتل 55 وأصيب حوالي 500، اننا نتأسف على كل قطرة دم أريقت في مصر، فهي أولا واخيرا دماء الشعب المصري.
يتمسك الأخوان زوراً وبهتاناً بالشرعية، كانوا يختالون في التفرد بالقرارات والاستهانة بالآخرين، وعندما قام هؤلاء باعتصامات مليونية ليس في ميدان التحرير فحسب وإنما في كافة ميادين وساحات المدن المصرية بلا استثناء، مطالبين برحيل الرئيس مرسي، قام الإخوان بحشد مؤيديهم في ساحات أخرى. سلّحوا أعضاءهم بالأسلحة الباردة، واتهموا الجماهير بالتزوير تماماً كما اتهموا الجيش المصري بالقيام بانقلاب، رغم إدراكهم أن هذه المؤسسة العريقة، مدرسة في الوطنية المصرية والمحافظة على الجماهير. لقد أصدر القائد العام للقوات المسلحة خريطة مستقبل وبيان تهدئة، رفضهما الاخوان. انهم ما زالوا يصعدون بغض النظر عن كل التداعيات السلبية على الوطن المصري وبالتالي على الأمة العربية بأسرها، فمصر كانت زعيمة العالم العربي.
المعروف عن الفريق السيسي (وفقا لعماد أديب في الفضائية المصرية سي. بي. سي وهو بدوره ينقل عن الأستاذ هيكل) أنه متدين كثيرا ومواظب على الصلاة، ومن جيل العسكريين الذين تربوا في عهد عبدالناصر والمؤمنين بأفكاره، ومن المعجبين أشد الاعجاب به، وهو بعد صلاة الفجر يداوم في مكتبه حوالي السادسة صباحا، وهو يجتمع بهيكل كثيرا ويستشيره في العديد من القضايا.
إن حركة ‘تمرد’ التي جمعت أكثر من 22 مليون توقيع طالبت برحيل مرسي، وهي المؤلفة من شباب الثورة، سيجري دمجها في مؤسسات الدولة ليكون أعضاؤها شركاء في القرار، وهذا ما يتوجب أن تكون عليه الأحوال. لقد نزل الى الشارع ما يزيد على 34 مليون مصري (وفقا للتقديرات) هتفوا من أجل تنحية مرسي.
لقد حاولت آن باترسون السفيرة الامريكية في القاهرة وما تزال للتأثير على ما يحدث في مصر بتهديد الجيش المصري ونقل السيناريو السوري الى مصر، من خلال الضغط على الجيش لارجاع مرسي ليوم واحد ليتخلى هو طوعيا عن الرئاسة، ومن خلال التأثير على حزب النور السلفي من أجل عرقلة تشكيل الوزارة، لذلك فان المصريين يطلقون عليها لقب ‘المندوب السامي’ وطالبوا بطردها.
يبقى القول اننا نتمنى على الإخوان المسلمين ألا ينتهجوا مزيدا من التصعيد، وأن يدركوا مصلحة مصر باعتبارها الاولوية على مصالحهم التنظيمية الخاصة.. فهل يستجيبوا لنداء العقل؟ خاصة أن مصدرا عسكريا مصريا تحدث عن جواز مشاركتهم في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية