ليس الشعب المصري وحده الذي حبس الأنفاس بانتظار حبكة العملية الإنتخاباية التي جاءت لتكون بمثابة الزهرة الثانية التي تخرج من براعم الربيع العربي في جمهورية مصر العربية الحبيبة بعد زهرة الإنتخابات البرلمانية التي مكنت الشعب ولأول مرة أن يثبت للعالم بالدليل القاطع أن النظام السابق كان كاذباً وفاسداً في كل مرة قام فيها بفبركة مهازل الإنتخابات إبان عهده البائد، سواء كانت هذه الإنتخابات برلمانية أو رئاسية. قلنا اننا نحبس الأنفاس ليس لمعرفة من سيكون الرئيس القادم لأن الأهم من كينونة الرئيس هو صيرورة العملية الإنتخابية بحد ذاتها لأن نجاح هذه التجربة يعني أن مصر قد تمكنت من هندسة مفرزة الرئاسة بنسبة عالية من النجاح أو بما يكفي لجعلها تنضم إلى نادي الدول الديمقراطية التي تقوم فيها الشعوب بتنصيب القيادات وخلعها من أجل تحقيق طموحاتها وأمانيها المشروعة.
من حقنا أن نتفاءل وأن نبتهل إلى الله من أجل نجاح مصر، لأن مصر تمثل العمود الفقري للأمة العربية ولهذا السبب فإن انتصابها سيؤدي إلى استنهاض بقية الأطراف المسجاة على امتداد العالم العربي من المحيط إلى الخليج حتى لو أتى هذا النهوض متأخراً بعض الشيء، لأن الشيء المؤكد هو أن بقية الشعوب العربية ستتمكن من رؤية النور عبر النفق الذي حفرته الأنظمة الفاسدة. تماماً مثلما قامت الثورة الفرنسية بالإيحاء لبقية الشعوب الأوروبية التي كانت ترزح تحت حكم الإقطاعيين الذين استعبدوا العباد وحولوهم إلى قطعان تكدح في دكاكين العرق مقابل لقمة العيش المغموسة بكرامتهم المهدورة مع العرق المتصبب من أجسادهم الواهنة.
إنه قدرك يا مصر أن تكوني الأم والأخت التي لا تملك إلا أن تكون شامخة وعالية لأنكِ عودتنا على ذلك منذ أن جاء المغول ومن بعدهم الصليبيون وكنت دائماٍ تنتفضين على الذات وتداوين جراحك وتنهضين كالعملاق ثم تبادرين إلى توحيد البلاد والعباد وتطردين فلول الغزاة.
لا بد من نجاح الثورة لأن العودة إلى الوراء تعني الإنتحار الكامل لأمل الأمة، وكيف للأمة أن تعمل إذا ما فقدت الأمل؟
مصر قد ارتطمت بالقعر بعد أن أغرقها النظام اللعين بالظلم والفساد والإستبداد حتى دمر الدلتا الخصيب حاكورة أرض الكنانه ليقوم رجالاته ببناء الفيلات والقصور والعمارات الإستثمارية على حساب الشعب البسيط الذي تضاعفت عشوائياته مع تضخم الثروات بين يدي من باعوا ضمائرهم لقاء حفنة من الدولارات، أوليست العشوائيات صورة طبق الأصل عن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين مع فارق كون مُهجِّر الفلسطينيين صهيونياً بينما مُهَجِّر المصريين عربي فاسد.
لا بد لنا أن نتعلم كيف نختلف بأسلوب حضاري وأن نتعلم كيف نتفق بدافع الأخوة التي هي مصدر العطاء والقوة، لأن خلافاتنا ثقوب ستدخل منها الأمراض التي تنخر الأمم وتمهد الطريق لوقوعنا تحت سيطرة الأمم الأخرى المتربصة لكي تدخل من تصدعاتنا وثقوبنا التي تصنعها أيدينا.
مصر قادرة على تفعيل نهضتها بقدراتها الذاتية عندما تكنس الفساد وتزرع النزاهة ويسود العدل وتسطع شمس الحرية التي ستطلق العنان للمواهب الشابة لكي تقبل على العمل والعطاء دون خوفٍ من عقاب حيتان الأسواق أو من سطوة الأمن الذي كان يعمل بتوجيهات من أصحاب النفوذ ليزهق الأرواح ويهدر الكرامة.
لا بد للبنية الوطنية من الإلتئام من أجل إعادة البنية التحتية المحطمة إلى الحياة لكي تسير القطارات والعربات وتفتتح المصانع ويوظف المهندس في العمارة والميكنة والتخطيط والزراعة والبرمجة وتنتظم كوادر الأيدي العاملة في كافة القطاعات، وسيقوم الطيبون من ميسوري الحال بالإستثمار في صناعة مصر وتجارة مصر التي تعج بالطاقات العلمية المبدعة ويعود أبناؤها الذين تزخر بهم الجامعات والشركات الغربية إلى أرض الوطن لتولد الجمهورية المصرية الثانية الحديثة التي ستعيد أمجاد محمد علي وتطل على العالم من بوابة الإنتاج الوافر لأن معجزة اليابان قابلة للتكرار في مصر ولأن مصر كانت في يوم من الأيام تسبق اليابان أشواطا طويلة.
إذا ما تمت العملية الإنتخابية بنجاح ونزاهة فستعرف مصر من هو رئيسها ومن خلال معرفته ستعيد التعرف على نفسها لآن الإنتخابات تعكس صورة الشعب الذي ذهب أفراده لصناديق الإقتراع وأدلوا باصواتهم دون أن يعرف أحدهم ما بقلب الآخر ولكن غالبية الأصوات سترسم وجه مصر الجديدة التي رأينا ملامحها بعد الإنتخابات النيابية الأخيرة، ولكن من يدري فقد تقرر في اللحظة الأخيرة إضافة بعض اللمسات غير المتوقعة، ومع هذا فننا مطالبون باحترام النتيجة التي ستخرجها لنا أصواتنا.
هنيئاً لك يا مصر الحبيبة بهذا العرس الذي كان مهره الدماء التي رغم أنها عزيزة فإنها ولله الحمد لم تذهب هباء.
زياد علان العينبوسي – نيويورك[email protected]