مصر: حادث السفارة الإسرائيلية يعيد إنتاج نظام مبارك

حجم الخط
0

شحاتة عوضثمة إجماع بين مختلف القوى السياسة والثورية في مصر الآن على أن ثورة المصريين التي أدهشت العالم بسلميتها وقدرتها في أيام معدودة على الاطاحة بنظام إستبدادي عتيد، تمر في هذه اللحظة بمخاض عسير ومنعطف خطير يطرح أسئلة كثيرة حول مدى قدرة الثورة على الوصول لغاياتها المنشودة لإقامة دولة ديمقراطية مدنية تتفجر فيها طاقات المصريين وتحدث تغييرا جذريا في مجالات المشهد المصري كافة.

فتطورات الأحداث والمعالجات البائسة لملفات المرحلة الانتقالية وحالة الإرتباك التي تشهدها هذه المرحلة تدفع القلق لدى قطاع كبير من المصريين على مصير ثورتهم، ليتحول خوفا مشروعا من أن ثمة تراجعا وربما ردة عن الثورة وأهدافها ا المشروعة.

وهناك الكثير من الشواهد التي تكرس لمشاعر الخوف تلك ليس أولها التباين اللافت بين إيقاع وطموحات القوى السياسة والثورية من ناحية والقائمين على إدارة شؤون البلاد سواء المجلس العسكري أو حكومة عصام شرف من ناحية أخرى. فقد كان مفترضا أن تكون السلطة الحاكمة والتي تحكم بتفويض من الثورة وتستمد شرعيتها منها، وكيلا أمينا على مطالب وأهداف الثورة ومنفذا لها، لكن كثيرا من المعالجات تظهر أن الإمور تسير عكس ذلك تماما بل إنها توحى في الحد الأدنى بأنها تسعى للحفاظ على ما تبقى من النظام السابق وفي الحد الاقصى أعادة إنتاج نظام مبارك بعناوين جديدة.

ولعل هذا ما يفسر الإعتقاد الذي بات يترسخ يوما بعد آخر بأن الطريقة التي تدار بها المرحلة الإنتقالية توحي بأن ثمة رغبة دفينة لدى البعض في الحفاظ على نظام مبارك مع إدخال بعض التحسينات عليه، وليس الأجهاز على ما تبقى منه بعد أن قضت الثورة على رأسه وبعض رموزه. وتتجلي هذه الرغبة ليس فقط في المسار الذي تم تحديده لادارة هذه المرحلة وهو مسار متعرج ومحفوف بكثير من المخاطر والمنزلاقات التي ربما تحرفه عن طريقه بشكل درامي، وإنما يمتد ذلك إلى الذهنية والطريقة التي تتخذ بها القرارات والخطوات ذات الصلة بهذا المسار وهي في جوهرها إستمرار لنفس عقلية مبارك البائسة في إدارة الامور على مدى عقود حكمه الثلاثة وهي طريقة حكمها الغبي وعدم الاستماع لمطالب الشعب بل والسير عكس ما يريد. وليس أدل على ذلك من قانون إنتخابات مجلسي الشعب والشورى الذي جاء على غيرإرادة كل القوى السياسية والثورية، وقبله قانون الأحزاب وغير ذلك من الإجراءات التي بدأ المجلس العسكري منفردا بها ضاربا عرض الحائط بكل مطالب وملاحظات القوى السياسية.

الخطير هنا ليس فقط أن هذا السلوك يكرس طريقة نظام مبارك القديمة في الحكم أو يعيد إنتاج هذا النظام، إذا إفترضنا أنه سقط لا سيما وأن كل الشواهد تقول أنه مازال حاضرا وقويا في كل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاعلامية المصرية، بل إن الأخطر هو أن تتجه الامور لصدام بين ما تصبو اليه الثورة وبين ما يريد القائمون على الحكم. فهذه الرغبة في الحفاظ على النظام السابق أو إعادة إنتاجه مجددا تصطدم كليا مع طموحات وتطلعات المصريين لكنس هذه النظام وبناء نظام سياسي جديد كليا يليق بمصر وثورتها ويفتح صفحة جديدة مجيدة من تاريخها.

ومن هنا لايبدو مستغربا أن تتسع الفجوة ي وتتباعد المواقف يوما بعد آخر بين الشارع المصري ومطالبه المشروعة من ناحية والمجلس العسكري من ناحية أخرى لاسيما إذا طالت الفترة الإنتقالية وتعدد ت الاخطاء وتمددت الأزمات.

وهنا لابد من التنبيه إلى أن خطورة هذه المسألة لا تقتصر فقط على ما تمثله من خصم من الرصيد الضخم للمؤسسة العسكرية من الحب والثقة لدى المصريين والذي تحقق خلال الثورة وإنحياز الجيش المصري وقيادته الوطنية للشعب ومطالبه المشروعة، وإنما الأخطرفي إعتقادي هو أن ذلك التباين بين مواقف الطرفين، يضع الثورة المصرية أمام إختباربالغ الصعوبة حول قدرتها على الوصول إلى غاياتها المنشودة بآمان. لقد كان المأمول أن يسعى الطرفان إلى ردم هذه الفجوة في أسرع وقت عبر مد جسورالتواصل والحوار والنقاش حول مصير ومستقبل هذا الوطن بدلا من الإنفراد بسلطة إتخاذ القرارت دون نقاش.

لكن تطورات الاحداث، بكل أسف، تظهر أن الامور لا تنحو هذا النحو بل إن المعالجات المتتالية تفاقم من الأزمة وتضع القائمين على الحكم في مواجهة مع مختلف مكونات المشهد السياسي بما فيها بعض القوى التي سعت منذ البداية للوصول لتفاهمات معه وربما تقديم مبررات لبعض قرارته وأقصد هنا جماعة الاخوان المسلمين التي كشف مواقفها الأخيرة التي حملت أعنف إنتقاد للمجلس منذ الثورة، شعورا متزايدا لدى معظم الأطراف بأن الامور لاتسير في طريقها الصحيح وأن الثورة والحكم كلاهما في مأزق كبير.

وجاءت محاولة إقتحام سفارة أسرائيل بالقاهرة وما رافقها من أحداث أمنية أخرى وما اعقبها من قرارات وإجراءت حكومية منفعلة ومتسرعة، لتؤكد مجددا عمق المأزق وغياب أي رؤية أو جدية لتجاوزه بسلام أو باقل قدر من الخسائر.

ففي هذه اللحظة بدا أن نظام مبارك هو الذي يحكم مصر وليس نظاما جاء عقب ثورة عظيمة. وتجسد ذلك في المعالجات الأمنية والسياسية والإعلامية لتداعيات هذا الحادث وهي معالجات إتسمت بقدر معتبر من الهيستريا والإنفعال لدرجة إستدعت ممارسات وسياسات نظام مبارك بكل بؤسه وسوءاته، ليس فقط لأنها شكلت قفزا مكشوفا على الحقائق وخلطا فاضحا للاوراق، بل لأنها بدت أقصر كثيرا من قامة مصر الشامخة وأضعف من أن تعبر عن قيمة وعظمة المصريين ولانها بدت معنية باسترضاء الخارج والاستجابة لضغوطه ولوعلى حساب إرادة الشعب المصري وكرامته. من حق الجميع أن يختلف أو يتفق كما يشاء بشأن تقييم ما جرى ضد السفارة الإسرائيلية وهل كان عملا بطوليا أم أنه عمل أخرق قام به بعض الشباب المتهورعديم الخبرة أو الرؤية السياسية. ويمكنك أن تقول ما شئت حول الحادث من منظور الحسابات السياسية وماذا ربحنا وماذا خسرنا جراء هذ’ا الفعل الطائش ‘. ربما يكون من قاموا بهذا الفعل قد أخطأوا في حساباتهم السياسية/ بافتراض أن لديهم حسابات أصلا/ . لكن القائمين على الحكم في المقابل أرتكبوا جملة من الخطايا وليس الأخطاء: وأول هذه الخطايا كان رد الفعل الهزيل والمرتبك إزاء الجريمة الإسرائيلية بحق الجنود المصريين على الحدود، وهي رد لم يكن يليق بمصر الجديدة وثورتها بل إنه لن يكون من قبيل المبالغة وصف هذا الموقف بانه كان خيانة للثورة وأحد أهم أهدافها وهو إسترداد كرامة مصر والمصريين في الداخل والخارج، فاذا إضفنا إلى هذا الموقف الذي أعادنا مجددا لمواقف نظام مبارك من جرائم إسرائيل، القرار العبقري ببناء جدار أسمنتي شاهق أمام سفارة العدو الاسرائيلي، يمكننا حينئذ أن نستوعب لماذا كان رد فعل الشارع المصري غاضبا وساخطا وصارخا ومصدوما بهذه الدرجة ضد إسرائيل وسفارتها. غير أن حكومة مصر الثورة عوض أن تستوعب ذلك الغضب والشعور بالاهانة والرغبة في الثأروإسترداد الكرامة، سعت لشيطنة هؤلاء الشباب الذين قاموا بهذا الفعل بل إن وزير الاعلام الهمام وصف في بيانه هؤلاء الشباب، ايا كانت درجة اتفاقنا واختلافنا معهم، بانهم ليسوا شرفاء. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل طال الهجوم والتنكيل من قبل الاعلام الحكومي وفلوله، الشاب المصري الشجاع أحمد الشحات الذي اسقط العلم الاسرائيلي من فوق السفارة وشنوا هجوما حادا على محافظ الشرقية لانه استقبله ومنحه شقة سكنية بل وهاجموا رئيس الوزراء لانه استقبله ما دفع المتحدث باسمه ليتبرأ من هذه التهمة البشعة والجريمة النكراء.

كما تضمنت معالجة الحكومة لحادث السفارة خلطا متعمدا وفاضحا بين الثورة والبلطجة وبدلا من أن يتم التركيز على ما جرى في جمعة تصحيح المسار من تجمع سلمي رائع شارك فيه الاف المصريين للتأكيد على مطالب الثورة المشروعة تعمد الاعلام الحكومي الذي تحالف فيه ثالوث الجهل والغباء مع التوجيهات الرسمية، إختزال الثورة في مجموعة من البلطجية أو بعض المراهقين من مشجعي كرة القدم الذي استغلوا الظرف للتهجم على وزارة الداخلية او بعض المقار الامنية الاخرى، وهذا يأتي ضمن مخطط مستمر لشيطنة الثورة وتشوييها لدى الناس. لكن الأخطر في كل هذه المعالجات المنفعلة كان في الأجراءات الامنية والاعلامية العنيفة التي تعيدنا مرة أخرى إلى فترة ما قبل الثورة وهو ما تمثل في تفعيل قانون الطوارىء بشكل أكثر سوءا مما كان عليه في حكم الرئيس المخلوع، وذلك بدلا من البحث عن الاسباب الحقيقية وراء حالة الانفلات الامني وغياب اي أجراءات او معالجات سياسية تساهم في تهدئة سخونة الشارع. وترافق ذلك مع هجمة شرسة على وسائل الإعلام وتحميلها مسؤولية توتير الاوضاع وإستخدام نفس المفردات والمصطلحات التي كان يستخدمها صفوت الشريف ومن بعده أنس الفقي اللذان يحاكمان الان بينما طريقتهما هي التي تدير الاعلام في مصر في مفارقة تجعل من المنطقي أن نسأل عما اذا كانت الثورة قد حدثت فعلا؟

وبقي أمر واحد لابد من التوقف عنده في تعاطي السلطات الحاكمة مع حادث السفارة وهو هذا الارتباك في مواجهة الخارج ومحاولة تطمينه بشكل مبالغ فيه، بينما لم تفعل ذلك مع الشعب المصري، وهي هنا مرة اخرى تعيد إنتاج نظام مبارك الذي لم يكن يعنيه رأي الشعب بقدر ما يعنيه رضا أمريكا وإسرائيل، لكن ما غاب عن ذهن حكام مصر الآن هو أن الشعب المصري بعد الثورة أصبح الرقم الأهم في المشهد السياسي وأن رد الفعل الشعبي ينبغي أن يكون أحد المحددات الرئيسية لأى قرارات او مواقف للسلطة سواء في الداخل أوالخارج، وأن هذا الشعب لن يسمح لأحد كائنا من كان أن يعيد عجلة التاريخ إلى الوراء.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية