توجه احد مراسلي ‘القدس العربي’ الى موقع احدى المظاهرات المعارضة للنظام لتغطيتها في حي شعبي شرق العاصمة المصرية الاسبوع الماضي، وكانت قوات الامن بدأت تضرب المتظاهـــرين بقنابل مسيلة للدموع، وتطاردهم في الشوارع الجانبيـــــة لالقاء القبض عليهم. وبمجرد ان اخرج المراسل كاميرته لتصوير ما يحدث، فوجئ بدوي انفجار احدى تلك القنابل على بعد خطوة واحدة منه، ما اصابه باختناق وصدمة فقد على اثرها الوعي، وعــــندما افاق وجد نفسه في مقهى شعبي قريب حمله اليه ‘اولاد الحلال’ وظل يعاني من صعوبة في التنفس ليومين قضى جزءا منها في المستشفى.
وقد يرى البعض ان هذه اصابة عمل عادية يجب ان يتوقعها من يختار العمل في مهنة البحث عن المتاعب، لولا انها تأتي في اطار حملة منظمة تتكرس ملامحها لاسكات الرأي المعارض. وتتراوح درجات هذا الاسكات بين القتل العمد، كما حدث مع الصحافية ميادة اشرف، التي استشهدت وهي تحمل الكاميرا ايضا قبل عدة اسابيع، والاحتجاز البدني وهو ما يعانيه عدد من الصحافيين بالفعل حاليا، وسط صمت مريب من المجتمع المدني، وكانت اخر من تعرضت له، وعلى ايدي مسؤول حكومي وليس جهة امنية مقدمة برنامج ‘الشارع المصري’ في قناة العربية. فقد ذهبت الزميلة الاعلامية لاجراء حوار مع (اللواء) اسماعيل النجدي رئيس الهيئة القومية للانفاق، الذي انزعج كثيرا من انها سألته عن الاعطال المتكررة والشكاوى من سوء الخدمة في مترو الانفاق، حيث كان يظن انها ستجري معه حوارا احتفاليا بمناسبة قرب افتتاح خط جديد للمترو، فما كان منه الا ان استعان بعناصر الامن لمنعها من مغادرة مكتبه، واجبرها على تسليم شريط التسجيل مقابل حريتها الشخصية.
وتطرح هذه الحادثة بالذات اسئلة مشروعة بشأن امكانية وجود حرية اعلام حقيقية في ظل التنامي المتوقع لنفوذ المؤسسة العسكرية مع الفوز المؤكد لـ(المشير) عبد الفتاح السيسي بسدة الحكم. ورغم ان الرجل لم يعلن برنامجه الانتخابي بعد، فان ما يفهم من الخطاب القصير الذي اعلن فيه استقالته من الجيش وترشحه للرئاسة، يحمل تعهدات واضحة بشأن مد اليد الى جميع المصريين من دون تمييز، وهو ما يعني بالضرورة السماح باختلاف الرأي وافساح المجال امام المعارضين في الاعلام الرسمي للدولة. وهو تعهد يتوقع المصريون ان يفي به، وتشير تسريبات وتكهنات انه يحمل بالفعل مبادرة سياسية للتهدئة وليس المصالحة، بانتظار ان يتأكد هذا من عدمه خلال برنامجه الانتخابي المتوقع اعلانه خلال ايام قليلة.
الا ان المشكلة تكمن في وجود فجوة بين الخطاب السياسي والتطبيق العملي، خاصة عندما يكون المسؤول الحكومي ذا خلفية عسكرية ربما تجعله غير متقبل للانتقادات او المساءلة من ‘مدني’، كما حصل في تجربة المذيعة مع اللواء، الذي اعتبر اسئلتها بشأت اعطال المترو (تهجما على مصر).
وبهذا المنطق فان مسؤولا اخر بهذه العقلية، وربما ليس بالضرورة من خلفية عسكرية، ولكن في اجواء القمع والكبت، قد يعتبر اسئلة صحافية بشأن البطالة او اطفال الشوارع او التحرش الجنسي (خيانة عظمى لمصر) وهذه عقوبتها الاعدام.
ومن هذا المنطلق ايضا، اصبحت الكاميرا في نظر البعض، اخطر من قنبلة او مدفع رشاش، فكان الاستهداف المباشر للصحافيين، إما بالرصاص الحي او الخرطوش او الاعتقال او الاحتجاز.
والسؤال هو ماذا ينقص هذه ‘التوليفة الجهنمية’ لاغراء اي شخص بأن يتحول الى ديكتاتور: اجهزة تعتقل عشرات الالاف من معارضيه، ومحاكم تصدر احكاما بالاعدام بالجملة او بالسجن او بالحظر على بعضهم، ووسائل اعلام تتصارع (لا تتنافس) في نفاقه حتى قبل ان يكون رئيسا، وشعبية كبيرة بسبب دوره في مرحلة معينة، وايضا بسبب الشعور العام بالحاجة الى شخصية قوية في سدة الحكم تعيد الاستقرار، ثم لم يقدم بعد دليلا عمليا واضحا على حقيقة توجهاته السياسية باستثناء خطاباته العاطفية غالبا.
الحقيقة ان السماح بحرية الاعلام سيكون المقياس الواضح والحاسم في توجهات العهد الجديد، والخطوة الاولى الحتمية في مصالحة المصريين مع انفسهم، والبوابة الملكية الى الطريق الصحيح نحو الاستقرار.
اما الاكتفاء بالمقاربة الامنية بدءا من مواجهة الارهاب الى مواجهة المظاهرات، مرورا باسكات ‘الصحافيين اعداء الوطن’، فقد جربت مصر هذا الطريق في الماضي، ويمكن لاي شخص ان ‘يتفرج’ على نتيجتها بمتابعة ‘محاكمة القرن’ ليرى الرئيس المخلوع حسني مبارك وهو خاضع في القفص، بعد ان كان فرعونا متكبرا في القصر.
لقد مضى العهد الذي يمكن ان يحكم فيه المصريون بالقهر من اي شخص، بغض النظر عن خلفيته السياسية او المهنية. وقد اشار المشير السيسي الى هذا المعنى تحديدا في خطابه الانتخابي الوحيد.
وبقي (فقط) ان نرى دليلا عمليا على ذلك، باطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، ومعتقلي الرأي من الزملاء الصحافيين، من دون تمييز ومن دون تأخير، مع اعتماد مقاربة شاملة لمواجهة الارهاب، يبقى الامن فيها عنصرا رئيسيا لكن ليس وحيدا، بل الى ان يسير جانبه الانفتاح على كل من لم تتلطخ يداه بالدم مهما كانت اراؤه السياسية او توجهاته الايديولوجية.
فهل هناك من يعي ويقرن القول بالعمل أم ان قدرنا ان ندور في الحلقة المفرغة نفسها؟
‘ كاتب مصري من أسرة ‘القدس العربي’