منذ سنوات قليلة، كنا كثيرا ما نتساءل لماذا ـ مصر ـ كأكبر دولة عربية من حيث السكان والقيمة التاريخية والمكانية بين العرب يحكمها رجل واحد منذ قرابة ثلاثة عقود؟ ولماذا لا يثور شعبها ذاك الذي كثيراً ما ثار وكثيرا ما خاض الحروب؟ وما الذي جعل أمور وأحوال الشعب الاقتصادية والاجتماعية تصل الى ما وصلت اليه حتى شهور قليلة مضت حيث أشرقت شمس ثورة 25 يناير المجيدة؟
لقد كان وصول الرئيس المخلوع حسني مبارك إلى السلطة في أعقاب اغتيال أنور السادات في عام 1981أمر يشبه الحلم بالنسبة له، لذا لم يدع الرجل الفرصة تضيع من بين أصابعه واستغلها أفضل إستغلال، ليبقى الرئيس والحاكم الأوحد حتى 2011، رئيس بلا نائب لكن له وريث، حاكم بلا معارضة لكن له معارضين مصطنعين من صنع أجهزته الأمنية التي كانت تسبح بحمد حكمه ليلا ونهاراً، كرس نظام مبارك فكراً عاماً بأن قيادات الحزب الوطني المنحل هم قيادات الدولة دون سواهم، حتى ولو لم يكن لديهم من الخبرة ما يكفي لتولي المسئوولية، و أن الحزب في ظل تولي أمين سياساته الشاب ‘جماك مبارك’ سيخطو بمصر نحو مرحلة جديدة من الاصلاح، وصفها المنافقون للنظام بأنها العبور الثاني تحت قيادة الطيار صاحب الضربة الجوية الأولى والتي شكك في صحتها مؤخراً كثيرون، وإمتد هذا الفكر ليتمخض عن فكرة أخرى وهي أن المعونة الامريكية جزء ضروري للدفع بعجلة التنمية الى الامام، وان المساعدات التي يتندر بها بعض الدول الاوربية على مصر ضرورة لا غنى عنها، للأسف زرع النظام هذه الفكرة في عقول البعض وإستخدم الأبواق الاعلامية الحكومية لتكريس ذلك، لكن في الواقع كانت تلك المساعدات ما هي الا ورقة ضغط قذرة، وجزءاً منها كان دعما للنظام القهري الديكتاروي الموالي لحكومات الغرب والحامي للكيان الصهيوني ولو بشكل غير مباشر.
يؤلمني أن أرى الدكتور كمال الجنزوري في مؤتمره الصحفي الأخير يكرر حديثا سابقاً عن وعود بمساعدات من دول عربية شقيقة ودولا غربية ما لبثت أن إختفت، حتى صندوق النقد الدولي مازال يماطل في إعطاء القرض الذي وعد به من قبل، وكيف أن اليونان بمجرد أن أعلنت عن أزمتها.. انتفضت دولاً كثيرة لمساعدتها في أزمتها ومن بين الدول التي قدمت يد العون دولاً عربية! انني أتعجب من كثرة تركيز الاعتماد على الولايات المتحدة في التندر على مصر بمعونة او منح وقروض تساهم في حل أزمتنا، فهل تأبه الولايات المتحدة بأمرنا حقاً؟ ويهمها أن تأخذ من أموال دافعي الضرائب هناك كي تمول نظاماً لا تعرف هويته بعد، ولا يمكن التنبأ بمدى موالته لها وحمايته لأمن الكيان الصهيوني الملاصق لمصر، فأمريكا لا تهب الأموال بلا مقابل، واذا كانت أمريكا كثيراً ما كانت تعطي النصائح لمصر وللعرب عموماً عن ضرورة احترام حقوق الانسان وقيم الديموقراطية وهكذا شعارات لا تطبقها هي بالأساس على أراضيها.. فإن هذا لا يعني أنها حقاً تريد أن تتحقق الديمقراطية الحقيقية على أرض بلاد العرب وخاصة تلك الملاصقة لاسرائيل، ألم تكن تدعم أمريكا نظام مبارك الديكتاتوري بمليارات الدولارات وهي تعلم جيداً حجم المعاناة التي يعانيها المصريون في ظل حكمه وكيف تنتهك حقوق الانسان للدرجة التي تتنافى مع كل القيم وحتى الأديان؟!
إن دعوة د.
الجنزروي الى ضرورة استثمار ما هو بين أيدينا ألان وترشيد استهلاكنا هو الحل الأمثل على الأقل في الفترة الحالية حتى نتدبر أمر جذب الاستثمارات الخارجية مع عودة الأمن الى كامل أرجاء الوطن وعودة السياحة، ونهاية فترة الانتخابات وتسليم السلطة الى رئيس منتخب وحكومة مشكلة من برلمان منتخب، أنا شخصياً أعتقد أن تلك هي مجرد خطوة للامام وبالرغم من أنها متأخرة كثيراً إلا أنها أفضل من قفزات كثيرة للخلف حدثت في عهد حكومة شفيق ومن بعده حكومة شرف، ففي الواقع ان استثمار ما هو موجود أفضل بكثير من إستجداء الدول الغربية أو حتى الشقيقة وحسن استغلال الطاقة البشرية المصرية وحده هو ما سدفع بمصر نحو الامام.
أحمد مصطفى الغـر