طوبى للغرباء الذين تخلوا عن ألقابهم كي يقولوا كلمتهم
القاهرة-“القدس العربي”:”طوبى للغرباء الذين ينامون على الرعب ويستيقظون وقد داهم قطار اليأس مشاريع أحلامهم. أولئك الذين يستيقظون مذعورين على صوت طرق باب على يد زائر فجر في جوف الليل الأخير، ويساقون للزنازين المظلمة بتهمة تغريدة أرادوا من خلالها ان يبرؤا ساحتهم يوم يقوم الناس لرب العالمين. طوبي للغرباء من أصحاب الكلام غير الفاسد ولا المحاط بشبهة نفاق، الذين ما زالوا يمسكون بالعهد حالمين بشعارات ثورة يناير وقد أتت أكلها، والذين تقاسمهم الفزع أسرتهم وساعات نومهم المتقطع، هؤلاء الذين يعانقون أولادهم كل صباح ومساء وكأنه العناق الأخير”. قالها أحدهم وهو جالس في المبنى الذي بات يلفه الموت في شارع عبد الخالق ثروت وسط القاهرة، هامساً في أذن ثائر قديم “للصحافيين العذر حينما يطالبون الحكومة بأن تعوضهم بسخاء عن الخسائر المدوية التي تعرضت لها مؤسساتهم بعد ان أصاب البوار بضائعهم التي لم تعد تجد من يقبل عليها، إذ أنها المسؤولة عما أصاب مهنتهم من تدهور بعد أن خطت لهم سوراً وحذرتهم من تجاوز حدوده” رد عليه الرجل “من طلب منا أن نكون شهود زور؟” وردد قصيدة عبد الرحمن الشرقاوي الشهيرة: “أو تدري ما معنى الكلمة؟ مفتاح الجنة في كلمة ودخول النار على كلمة وقضاء الله هو الكلمة الكلمة. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور وبعض الكلمات تعتبر قلاعاً شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي، عيسى ما كان سوى كلمة، أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم. الكلمة زلزلت الظالم، الكلمة حصن الحرية ومسؤولية. إن الرجل هو الكلمة، شرف الرجل هو الكلمة”.
انقذوا السفينة
بصيغة تخلو من المجاملة وبشعور دفين كاشف عن حجم المخاطر التي تحيط بسفينة الوطن، توجه وزير التضامن الاجتماعي الأسبق جودة عبد الخالق برسالة للقصر الرئاسي عبر في بعض منها عن حجم القلق الذي يعتريه وكذلك السياسيين وقطاعات عريضة من المجتمع تجاه المستقبل. وقال جودة مخاطباً الرئيس عبد الفتاح السيسي: هناك إحساس حقيقي متزايد بأن سقف الحقوق والحريات العامة قد انخفض كثيرا ويحتاج إلى رفع كبير. وما زال الشباب هم الرقم الأصعب في معادلة الحكم في مصر. ومن الواضح أننا نحتاج إلى صيغة جديدة لمعالجة هذا الملف الحساس ولإدماج الشباب في حياة المجتمع. ورغم أنكم قلتم أن الولاية الثانية ستشهد تنشيط الحياة السياسية وبناء الإنسان، لكننا حتى الآن لا نلمس مؤشرات تدل على ذلك أو خطوات تؤدي إليه. وقد طالبنا مرارا بعقد مؤتمر تشارك فيه كل القوى الوطنية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية لمناقشة قضايا الحكم في مصر لإنعاش الحياة السياسية وتنشيط الأحزاب”. ومضى جودة عبد الخالق مخاطباً المقام الرئاسي: “أقول إن الوضع الحالي مؤلم وقاس، وهو غير قابل للاستمرار. الأمر جد خطير. وإذا لم نتدارك كارثة الغلاء وتراكم الأعباء التي تعصف بالفقراء والمعدومين، وما لم يتم فتح المجال السياسي وتعزيز حرية الرأي والتعبير، فسوف تستمر المعاناة”. وبلوعة مغلفة بالخوف على المصالح العليا للوطن تابع الوزير الأسبق: “أرجو مخلصا يا سيادة الرئيس ألا تستمع لبطانة السوء. وأن تقوم بما يلزم لرفع المعاناة عن شعبنا، وخاصة الفقراء والطبقة الوسطى. مع تمنياتي بالتوفيق لصالح البلاد والعباد”.
المعارضة لا تعني السباب
عقب قيام ثورة الثلاثين من حزيران/يونيو وجد العديد من كتاب المعارضة بسائر توجهاتهم أنفسهم ملاحقين بتهمة العداء مع السلطة خاصة منهم المتهمون بالانتماء للإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها، مما دفع بعض هؤلاء لاتخاذ قرار الهجرة خارج البلاد متذرعين بالخوف من الاعتقال أو تضييق سبل العمل في وجوهم. غير أن فريقاً آخر تقطعت بهم السبل ومن بينهم ناصريون ويساريون وليبراليون آثروا عدم المغامرة بالخروج من مصر رافيعن شعار المعارضة من الداخل، وآثر بعضهم العمل تحت أسماء مستعارة كي يقوا أنفسهم السلطة وغضبها، واللافت أن من بين هؤلاء المعارضين كتاب ينتمون للصحف الحكومية وكذلك قنوات تلفزيونية لكنهم اختاروا ان يكونوا على يسار السلطة.
مصر تسير في المسار الديمقراطي الصحيح والسليم، وتقوم فعلياً والكلام لوجدي زين الدين، رئيس تحرير صحيفة “الوفد” بتفعيل المادة الخامسة من الدستور والتي تقضي بأن “يقوم النظام السياسي على أساس التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة واحترام حقوق الإنسان وحرياته على الوجه المبين في الدستور”. ودعا زين الدين المواطنين ألا يفوتوا الفرصة في التصويت في الانتخابات، ليس خوفاً من غرامة أو عقوبة، إنما المهم جداً في هذا الأمر هو ممارسة المواطن حقه القانوني والدستوري، خاصة أن البلاد حالياً تشهد أزهى العصور في عدم التزوير أو التزييف واللذين وليا إلى غير رجعة، وحرص المواطن على النزول إلى صناديق الاقتراع معناه أن المواطن يريد أمراً وقد أتيحت له هذه الفرصة فلا يجب عليه أن يفوتها أو يضيعها. وفي السياق ذاته يرى الإعلامي نشأت الديهي المقرب من السلطة أن الديمقراطية متوفرة، مشدداً على ان المعارض الوطني الذي يحمل في خاطره مصالح الوطن العليا يمارس عمله بسلام وطمأنينة، وانتقد الديهي أولئك الذين اتخذوا من الشتائم وسيلة للهجوم على رموز السلطة معتبرين ذلك من قبيل المعارضة، لا يمكن تفسيره سوى باعتباره وقاحة كما أكد نشأت.
آخرتها فصام
“الشيزوفرينيا” أو انفصام الشخصية، ذلك المرض الذي عذب الملايين حول العالم لأسباب مختلفة، طال عددا من معارضي السلطة ممن يعملون في مهنة الكتابة على أثر تشتت عقولهم بين ما هو مطلوب منهم عمله وبين ما يؤمنون به. في الواقع يحق لهم المعارضة بدون أن يخرجوا على الأمن العام أو يتسببوا في القلاقل أو حتى بدون الدعوة للتظاهر، فقط ممارسة حق النقد. من جانبه يقول “أ. ع . م” مدير تحرير صحيفة داعمة للسلطة “التحقت بالمهنة مع بدايات حكم الرئيس الراحل مبارك بالفعل كانت هناك محاذير لا يمكن الاقتراب منها وفي مقدمتها القصر الرئاسي والأجهزة السيادية، غير ذلك كنا ننتقد ونهاجم الوزراء بضراوة من غير ان نتعرض للعقاب أو الملاحقة. الآن الوضع شهد ردة عنيفة لم تشهدها مصر طيلة العقود الماضية حيث لا يستطيع الصحافي التعرض بشكل مباشر للحكومة، وأصبح مطالبا بأن يجهد نفسه من أجل ان يعبر عما يريد بدون ان يواجه خطرا قد يكلفه ما لا يستطيع ان يتحمله أو يورده طريق التهلكة”. في السياق ذاته يتذكر صحافي عربي كيف تحول الحال عن الماضي القريب وسالف الأيام: “ذات مرة كنا نؤسس صحيفة خاصة وكان لابد ان نلتقي وزير الإعلام صفوت الشريف، وحينما التقيناه قال حرفيا: هاجموني شخصيا لكن لا تقتربوا من القصر الرئاسي أو المؤسسة الأمنية. الآن الوضع اختلف فانتقاد وزير أو حتى نائب وزير من الممكن ان ينتهي بالصحافي لما لا يحمد عقباه”. وحذر الكاتب أولئك الممسكين بمقادير الأمور من أن مثل ذلك التضييق ليس في صالح النظام نفسه، لأن فتح الباب أمام الصحف ووسائل الإعلام ولو بشكل جزئي كي تعبر وتنتقد يعد الوسيلة المثلى للوطن كي يتقدم وينهض ويلحق بالأمم المتقدمة، كما ان النقد يعد بطبيعة الحال أبرز الوسائل لمهاجمة الفساد ومقاومته وكشف الفاسدين مما يمثل دعماً لجهود الرئيس السيسي الذي أعلن في العديد من المناسبات ان تطهير البلاد من الفساد على رأس أولوياته. ان التقييد على المعارضين السلميين أسفر عن تعرض البعض منهم للإصابة بالأمراض النفسية التي غدت شائعة بين هؤلاء، ان تكون مؤيدا بالنهار ومعارضاً في الليل تلك أسهل الطرق للإصابة بالفصام، الذي أصبح يلازم الكثير من ظواهره بعض الصحافيين.
نبلاء وأوباش
عرف التاريخ منذ حقب بعيدة شعراء وأدباء كتبوا متخفين وراء أسماء مستعارة لأسباب لم يكن من بينها الخوف من الملاحقة، كما تحتفظ أرفف المكتبات وذاكرة التاريخ بأسماء مستعارة لأميرات وسيدات من عائلات صفوة المجتمع، وكذلك لسياسيين ونبلاء استدرجهم إغراء الكتابة فلبوا النداء تحت أسماء مستعارة. واللافت ان عددا من الكتاب المصريين فضلوا الكتابة بأسماء مستعارة بهدف تصفية حسابات مع خصومهم، وآخرين من أجل كسب مزيد من المال من خلال التنفل بين الصحف المؤيدة للسلطة والمعارضة لها خاصة في السنوات الأخيرة، وفي السابق انتشرت الظاهرة على نطاق واسع قبيل ثورة يوليو.
وتعددت الأسباب التي دفعت بعض الصحافيين والأدباء والسياسيين وبعض المشاهير للتخفي ومن بين هؤلاء مؤسس “أخبار اليوم” مصطفى أمين، وأقدم على هذه الخطوة مطلع الخمسينيات، حيث أطلق على نفسه اسم “مصموص” وهاجم النظام الحاكم ثم أطلق على نفسه اسم “مدام اكس” وهاجم عبد الناصر، ومن قبل سخر من رموز القصر الملكي بضراوة. أما محمد التابعي مؤسس مجلة “آخر ساعة” فكان يوقع مقالاته باسم “حندس” وتسببت مقالاته في أزمة بين جناحي حزب الوفد. ومن بين المتخفين كذلك الأديب ذائع الصيب احسان عبد القدوس في مطلع حياته، إذ اختار اسماً له في مقالاته التي خاطب فيها النساء حيث وقع باسم “زوجة أحمد” وصدرت المقالات فيما بعد عبر كتاب حمل العنوان نفسه.
أما الشاعر والكاتب السوري الراحل محمد الماغوط فاختار أولا ان يوقع باسم “سومر”. وقام ابراهيم سعدة رئيس مجلس مؤسسة “أخبار اليوم” باختيار اسم أنور وجدي، وكان يستخدم الزاوية للهجوم على منتقديه، واختار فكري اباظة لقب “منحوس” لمقالاته في مجلة “المصور” ثم غير اللقب لـ”الجاسوسة الحسناء” ومن ألمع الوجوه النسائية الدكتوره عائشة عبد الرحمن التي اختارت لنفسها لقب “بنت الشاطئ” للتغلب على تقاليد العائلة التي لا تبيح للسيدات نشر أسمائهن. أما مفيد غوزي فاختار اسم “نادية عابد” لمقالاته في مجلة “صباح الخير”.
ويذكر المؤرخون ان أول من تنازل عن اسمه خلال التاريخ المعاصر واختار إسما مستعارا هو فرانسوا ماري أرويه، واختار لنفسه لقب اسم فولتير ليصبح، المفكر والفيلسوف الفرنسي الذي كتب في مجالات كثيرة منها الشعر والمسرح والرواية والتاريخ. ويعد من أهم كتاب عصر التنوير، واشتهر بعدائه لطغيان الكنيسة الكاثوليكية. وسجن في الباستيل بسبب انتقاده للنبلاء. ودافع عن الحقوق المدنية وحرية العقيدة. ومن بين المتخفين كذلك تحت جنح أسماء مستعارة بابلو نيرودا وجورج أورويل. أما الكاتبة الإنكليزية جوان رولنغ فقد وجدت نفسها مضطرة للانصياع لنصيحة أحد الناشرين بإخفاء هويتها خشية مقاطعة الرجال بعد ان تجرعت طعم الفشل عقب روايتها الأولى “منصب شاغر” الموجهة للبالغين، لذا اختارت أن تكتب تحت إسم جي. كي. رولنغ، عندما أرادت إطلاق روايتها “هاري بوتر” للمرة الأولى، بعد أن نصحها ناشرو كتابها التوقيع بالحرف الأول من إسمها، لأن الفتيان ربما لا يحبذون قراءة رواية من تأليف إمرأة.