مصر: زمن المظاهرات والاعتصامات المسلحة والحرائق والمذابح ‘السلمية’!

تعيش مصر زمنا غريبا أغلب ما يجري فيه على غير مسماه، لا يرى من يخالفك إلا ما يحب أن يراه فيك ويتمناه، ولا يسمع منك إلا ما يرغب في سماعه، إذا استمع لك أصلا. والمشكلة الحقيقية لدى أغلب هؤلاء أنهم يرون ويسمعون بعيون وأذان غيرهم، ومع كل ذلك بقيت هناك آراء وملاحظات أبدتها أقلام وأصوات نأت بعيدا عن التحيز والتعصب، ويجب أن يحسب لها حساب، ومع أن الأحداث والتطورات تتم أمامنا ومن السهل معرفتها من مصادرها الحقيقية، لكن هناك من يأبى، ومن الممكن أن تتشكل من أولئك البعيدين عن التحيز والتعصب فرق وجماعات تضم شخصيات عامة مستقلة ومفكرين وقانونيين وخبراء؛ مهمتهم الوقوف على ما جرى ويجري بتفاصيله من بداية حكم محمد مرسي وحتى الآن، ثم عرضه على الرأي العام المصري والعربي والدولي، وذلك لإحقاق الحق، ومعرفة المعلومات من مصادرها المباشرة.
وأخطر ما تواجهه مصر هو العنف غير المنضبط وحمل السلاح العشوائي والجهد الدعائي المركز لعسكرة الثورة والتحريض الدائم ضد القوات المسلحة والعمل على تفكيكها.
وعلى الثوار في مثل هذه الظروف أن يحاسبوا أنفسهم، ويراجعوا مواقفهم، ويصححوا تصرفاتهم، وينقدوا ذواتهم، وذلك من أجل تجنب السقوط في الدوامة التي ابتلعت ثورة 25 يناير مرة أخرى، وكي لا تكون هناك حاجة لموجة ثورية جديدة، وإذا استمر الحال على وتيرته الحالية فسوف تعيد الثورة إنتاج حكم أكثر سوءا مما كان، وهذا داء أصاب الثورة منذ إندلاعها في 25 يناير 2011، وأوقع مصر لأول مرة؛ منذ أكثر من قرنين تحت حكم طائفي ومذهبي تجاوز كل سوءات النظم التي سبقته.
وأحد أسباب هذا الداء هو أن العمل الثوري اكتفى بالشارع وقصر نشاطه على الحشد، والثوار يقومون بمهمتهم هذه على أكمل وجه، وأصبحوا أصحاب خبرة عالية في تحريك الجموع واستقطاب قطاعات بشرية ضخمة لساعات وأيام. ومشكلتهم هي تسليم إدارة البلاد بعد ذلك لقوى تقليدية، ومنها ما هو معاد للثورة، وتبدأ الفعاليات وتنتهي لتسقط ثمرتها في حِجر الباحثين عن المغانم والمتكالبين على الحصص والساعين إلى المناصب، ويتحول العمل من طبيعة ثورية ناجزة إلى عمل سياسي تقليدي، يعتمد القواعد والقوى القديمة، التي لا يمكن لها أن ترتقي إلى مصاف الثورات، والثورات تموت حين يتسلم أمرها سياسيون قبل أن تُبلور مشروعها الوطني والاجتماعي، وتبني نظامها السياسي ومؤسساتها الإدارية والفنية والتنظيمية، وتقيم علاقات مجتمعها الجديد على الأسس والأهداف والغايات التي قامت من أجلها، وما لم يتمكن الثوار وليس غيرهم من ذلك، فإن التفاؤل بعبور المرحلة بسلام يصبح محدودا.
وعلى الجميع أن يتَمَثّل قول الإمام الشافعي: ‘رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب’، والوعي بمقولة السيد المسيح عليه السلام: ‘من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر’، وهذا يعني أنه لا عصمة لقول إنسان، ولا قدسية لفعل بشر، وكثيرون لا يقدرون على فهم هذا، ولم يتعودوا عليه، وإن كانوا يتشدقون به وينادون به من فوق المنابر، وهمهم الاستغراق في التفاصيل، وترديد الخرافات والأكاذيب، واعتماد الروايات المرسلة في تبرير العنف وشخصنة المواقف، وحصر حدود المعرفة في نقل وترديد رأي هذا الشخص أو ذاك، أما البحث فيما وراء الظواهر والتحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية والفكرية الكبرى، كالتي نعيشها فلا يعنيهم!!.
وأنهار الدم الجارية في مصر تُعلق في رقاب أشخاص، وكأنها لا تعكس حراكا تحكمه مصالح وأطماع وقناعات والتزامات أيديولوجية وتراكمات تاريخية، وهناك طابور خامس ضليع في خدمة تلك المصالح والقناعات والالتزامات، ومهمته الحالية عسكرة الثورة لتلحق مصر بالحالتين الليبية والسورية، مع تحويل التدافع بين الفرقاء والمختلفين والمتنافسين إلى صراع وقتال بالحديد والنار، يحكمه ‘قانون الثأر’.. الدم بالدم، والنفس بالنفس، والدوران في حلقة مفرغة لا تنتهي، وانتشرت ثقافة القتل والسحل والتمثيل بالجثث بين شباب طائفي ومذهبي وعشائري، ممن أعجزهم جهلهم وضيق أفقهم عن أن يكونوا ‘بشرا سويا’؛ يصل بهم الأمر إلى وصف أعمال التخريب والعنف وإهدار الدماء بـ’السلمية’، وعندما تقترب من هذه ‘السلمية’ تشعر وكأنك تعيش كابوسا مرعبا في دار عرض من الدرجة الثالثة!!
ويتمنى المرء من الرافض والمؤيد والمحايد أن يذهب بنفسه إن كان قادرا، أو يكون على تماس واتصال بالموطنين داخل مصر، ويتقصى بنفسه، وليصل إلى النتيجة التي يريدها بعيدا عن الحملات، ولن تكون شهادته مجروحة ولا منحازة حينئذ، ووقتها ينحو التأييد والحياد إلى حقائق موجودة على الأرض، ولن تكون الخصومات فاجرة كما هي الآن، ويتوقف القتل المجاني، وقد تعود الفروسية إلى أخلاقيات الخلاف والاحترام المتبادل بين المتنازعين.
أصبح الخطاب الطائفي والمذهبي مهيمنا على عقول وسلوك الغالبية العظمى من شباب الإسلام السياسي، وهم لا يرون عدوا لهم إلا القوات المسلحة، رغم ما لها من مكانة في الوجدان الشعبي وشعبية كاسحة بين المواطنين، واختزلوا هذه المؤسسة العملاقة في السيسي، وهو الذي تصرف على غير ما كنت أتوقع وأنا أرصد ممارسات وإجراءات مرسي ونهجه المتصادم مع كل شئ، وأتابع حجم معاناة الشعب من انحيازاته واختياراته، وتوقعت ظهور أتاتورك مصري يفعل ما فعل مصطفى كمال بتركيا، وفوجئت بأنني أمام قائد عسكري من طراز خاص أقرب إلى نموذج البطل أحمد عرابي في مواجهة الخديوي توفيق، ووقف جيش الشعب مع مطالب الشعب وجعل من نفسه ظهيرا وحاميا للثورة والوطن والدولة، وقد بدأت تسترد عافيتها.
من يرصد المشهد المصري يعرف أن العنف والسحل والتمثيل بالجثث سابق على ثورة 30 يونيو، وكان الإفراط في العنف أحد مسبباتها، وكان لمحمد مرسي نصيب الأسد فيه، حيث قتلت مليشياته في سنة واحدة من حكمه 154 شهيدا، ولم يفتح تحقيقا واحدا بشأنهم، وحمى جماعته وحصن قراراته من الطعن بإعلان دستوري أخرج الأوضاع عن السيطرة منذ 21 نوفمبر الماضي، وحول السياسة من فعل سلمي إلى ساحة حرب للانتقام والاقتتال، ولو قام بمحاسبة واحد من مليشياته لاختلف الوضع وكنا الآن أحسن حالا. ولقد أغراه الاعتماد على نائب عام ‘ملاكي’، ينفذ له ما يريد، ووزير داخلية تصوره من عشيرته وعمل على أخونته. بجانب محاولته إزاحة وزير الدفاع لكنه فشل!!
وتفاقم الأوضاع لم يكن سببه ‘حملة تمرد’، فأوضاع مصر كانت متفاقمة أصلا قبلها، وهذا أدى لنجاح الحملة ودفع الملايين إلى الخروج في 30 يونيو في مشهد لم يعرفه العالم من قبل. وتحضرني مقاربة تكشف الفرق بين سلوك الثوار وغيرهم، هناك شاب ثائر هو أحمد دومة، تسبب في أرق دائم لمرسي، وحين أراد مرسي التنكيل به عمل بالمثل المصري الدارج ‘الحكومة حكومتنا والوزير بتاعنا والورق ورقنا والأختام أختامنا والليل ستّار’؛ وأُعِدت الأوراق ووضِعت الأختام وسُجلت الأدلة، وعند بدء إجراءات ‘الضبط والإحضار’ والتجريس بين الجيران، تسرب الخبر إلى الإعلاميين والصحافيين وانتشر على صفحات البث الألكتروني؛ وانتبه أحمد دومة ولم ينتظر إلقاء القبض عليه، وسارع بتسليم نفسه في مسقط رأسه بالبحيرة، ولم يسلم نفسه لأقرب قسم شرطة إلى سكنه كما هي العادة؛ وتم الحكم عليه بالسجن حتى أخرجته ثورة 30 يونيو، وللعلم فإن دومة كان إخوانيا سابقا.
ولا أريد أن أصف هذا التصرف بالبطولة مع ما فيه من رجولة، لأن دومة استعاد بتصرفه هذا سُنّة حميدة كان يسير عليها المخضرمون من المناضلين والأبطال والمعارضين، وكانوا يعدون حقيبة صغيرة بها احتياجاتهم الضرورية؛ من ملابس داخلية وأدوية وأدوات حلاقة وفرشاة أسنان، وعندما يأتي ‘زائر الفجر’ ويطرق باب الشخص المطلوب يجده في استقباله بحقيبته دون أدنى محاولة للهرب، وحين تعرض قادة العنف المسلح لنفس الموقف تركوا شبابهم وحده بحثا عن ملاذ ومهرب واستخدموا كل سبل التنكر والتمويه والتخفي.
هذه المقاربة تنقلنا إلى استعراض عدة مشاهد من بين عشرات أخرى عمت وغطت الجمهورية ، منذ أيام تعرض مركز شرطة قرية ‘كرداسة’ بالجيزة أيضا ولا يبعد كثيرا عن ‘أبو النمرس’ لهجوم بـ’الجرينوف’، وذُبح خمسة عشر من الضباط والجنود وتم التمثيل بجثثهم، ومازال الفيديو متاحاً على ‘اليوتيوب’ لمن أراد، ومشهد آخر بعد فض اعتصام ‘النهضة’ أمام جامعة القاهرة صباح الأربعاء قبل الماضي انطلق المعتصمون ‘السلميون’ يحملون الأسلحة الآلية يطلقونها بشكل عشوائي على المارة والشرفات في شارع جامعة الدول العربية وشارع البطل أحمد عبدالعزيز بمنطقة المهندسين بالجيزة، وسجل أهالي الحي ما جرى صوتا وصورة بالهواتف المحمولة!!.
وتكرر المشهد في أعلى كوبري 15 مايو وكوبري إمبابة الجمعة قبل الماضية، وتابع المارة والمراسلون الأجانب والفضائيات المحلية والعربية اللقطات الحيّة لـ’المتظاهرين السلميين’، وهم يقتحمون الكنائس ويحرقونها مع التهليل والتكبير، ومنهم من ألقى قنابل ‘المولوتوف’ على قسم شرطة الأزبكية، وهو مشهد متكرر في محافظات مصر جميعها، ووصلت رايات القاعدة السوداء إلى ميدان ‘رمسيس’، وكان السلاح يوزع جهارا نهارا، بجانب مشاهد تحطيم المحلات والسيارات التي وقعت في طريق المظاهرات ‘السلمية’، وعم السواد مصر حزنا على مذبحة رفح يوم الاثنين الماضي وراح ضحيتها 25 شابا أنهوا خدمتهم في الأمن المركزي، وذهبوا للحصول على شهادة إنهاء الخدمة وكانوا بالملابس المدنية، وما حدث في الهجوم على مديرية أمن أسوان يبين أن معركة إسقاط الدولة تغطي كل مصر!!.
ماذا عن الموقف من السيسي؟ وماذا عن التوقيعات التي تجمعها جماعة الإخوان وحلفائها لتقديمها للمحكمة الجنائية الدولية ضد القائد العام للقوات المسلحة المصرية، وعند هذا الحد تضيق المساحة، فنتوقف على أمل الاستمرار السبت القادم بإذن الله.

‘ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية